مَنّا : قيامة شتات الصحراء > مراجعات رواية مَنّا : قيامة شتات الصحراء

مراجعات رواية مَنّا : قيامة شتات الصحراء

ماذا كان رأي القرّاء برواية مَنّا : قيامة شتات الصحراء؟ اقرأ مراجعات الرواية أو أضف مراجعتك الخاصة.

مَنّا : قيامة شتات الصحراء - الصديق حاج أحمد
تحميل الكتاب

مَنّا : قيامة شتات الصحراء

تأليف (تأليف) 3.7
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم



مراجعات

كن أول من يراجع الكتاب

  • لا يوجد صوره
    0

    اسم الرواية: مَنّا.. قيامة شتات الصحراء

    الكاتب: الصدّيق حاج أحمد.. الشهرة: الزيواني، كاتب وروائي جزائري، يعمل كأستاذ محاضر لمقياسي اللسانيات وفقه اللغة بجامعة أدرار.

    النتاج الروائي:

    - مملكة الزيوان، 2013

    - كامارادْ ـــ رفيق الحيف والضياع، 2015

    دار النشر: دار الدواية للنشر والتوزيع والطبع بأدرارـــ الجزائر.

    تاريخ النشر :2021م

    مقدمة:

    إن أهم سؤال، يطرحه القارئ على نفسه، بعد قراءة أي رواية هو: هل تركت في النفس أثرا لا ينسى، وهل هذا الأثر الذي تركته ـــــــ إن كانت قد فعلت ذلك ـــ ناتج عن سلسلة من الحوادث، أو عن شخصية من الشخصيات، أو عن فكرة من الفكر، أو عن صورة لمجتمع في فترة معينة، أو لجماعة من الجماعات؟

    فالكتب نوعان: كتب تخرج منها متغيرا للأبد، وكتب أخرى عكس ذلك، والكتاب الذي يتركك كما أنت ليس كتابا جديرا بالقراءة.

    وهذا النص الروائي الذي بين أيدينا لن تخرج منه إلا وقد ملك عليك نفسك من جميع جوانبها،واستأثر بإحساسك وتفكيرك،وأسر لبك ،وشغلك جو الرواية العام،بانتظام حوادثها وشخصياتها ومشاهدها.

    هذا النص الذي يمكن تصنيفه على أساس أنه "متخيل تاريخي" وليس رواية تاريخية ــ فثمة فرق واضح بين الرواية التي تعيد كتابة التاريخ والرواية التي تستعمل التاريخ كخلفية قصصية داخل السرد لبناء أحداث تتقدم بالسرد نحو نهايته المعروفة ــــ استطاع الكاتب رسم صورة جمالية متخيلة مدهشة عن مجتمع الصحراء تنبع من خياله، لكنها بمفردات الواقع المرير.

    فقد حول الحوادث إلى روح وحياة تنطق وتبوح بما أخفت، فأصبحت الرواية ذاكرة ووعيا وحسا وانتباها وخبرة.

    "فالتاريخ لا يدخل دائرة الأدب إذا كان وصفا مجردا لحوادث ميتة، ولكنه يصبح عملا أدبيا إذا انفعل الكاتب بالحوادث، وصورها حية ممتزجة بالأحياء الذين اشتركوا فيها كما لو كان يكتب قصة كائن حي لا قصة حادثة".

    ملخص الرواية:

    تدور أحداث الرواية حول المعاناة الإنسانية التي خلفها جفاف 1973 الذي ضرب صحراء شمال مالي، فأضر بسكانهاــــ تحديدا التوارق والأزواد ــــ وتسبب في هجرة جماعية للناجين إلى تخوم الجزائر، حيث فُتحت لهم مراكز الإغاثة واللجوء، وبقوا هناك حتى عام 1976 قبل أن يتمكنوا من الاندماج في النسيج السكاني المحلي واكتساب حق الانتساب إلى الأرض، واستغل القذافي اللهاث وراء سرب الوطن الموعود ومد "حبل الطعم والطمع" ووعدهم بحلم قيام دولة الأزواد شمال مالي فناداهم عام 1980من مدينة أوباري جنوب ليبيا: تعالوا.. تعالوا.. أنا منكم.. إنكم عائدون.. أمنيكم بدولة أوذوادية يوما ما؟

    وفتح لهم مراكز تدريب عسكرية في بني الوليد ومعسكر 2 مارس وورطهم في حروبه في لبنان ثم تشاد. ولأن القذافي أطال حبل أكاذيبه طويلا لم يجد التوارق بدا من جمع شتاتهم وشن أول هجوم على شمال مالي في 20 جوان 1990 في محاولة منهم لتحقيق حلم دولتهم بأيديهم.

    تحليل الرواية:

    - عنوان الرواية والغلاف :

    عنوان الرواية هو العتبة الأولى ودليل القارئ إلى النص، وله أهمية كبيرة في تشكيل الخطاب الروائي، خاصة أنه يشكل الرسالة التي يسعى المؤلف لنقلها إلى القارئ، ومن ثم فلابد أن تتوافر فيه شحنات دلالية مكثفة، تجعله قادرا على حمل الرسائل الكامنة في النص.

    فجاء عنوان الرواية غامضا لافتا ، ملغزا وجاذبا للمتلقي.. فلفظ منّا، لفظ تارقي غير عربي، بمعنى الجفاف في العربية، لكن يأتي العنوان الفرعي" قيامة شتات الصحراء "، فيفكّ شيئا من شفرة العنوان الرئيس.

    ويظهر الغلاف مزدانا بصورة الخيمة التقليدية في الصحراء ــــ وهي رمز من رموز التراث الذي ميًز سكان الصحراء وحدد خصوصياتهم، حيث كانت بيتهم الثابت والمتنقل حسب الحاجة والظروف ـــ لتكتمل الصورة الذهنية لدى القارئ عن محتوى النص الذي بين يديه.

    - لغة الرواية: ليست سهلة، مطعمة ما بين اللغة العربية ومفردات محلية للهجة التوارق، وطريقة بناء الجُمل لا تجعلها سلسة في القراءة، حيث آثر الكاتب بنائها مسترشدا بالثقافة التارقية والحسانية، بداية من العنوان، وصولاً إلى متن النص، حتى تكون معبّرة بحق عن طبيعة وجغرافية هذه المنطقة، متناغمة مع أحداث السرد.

    فإن وجد القارىء مشقة في استيعاب بعض الطلاسم والألغاز، والإلمام بالكلمات الصحيحة واستيعاب المقصود خصوصا في الفصل الأول، فليتذكر مشقة الكاتب في كتابة هذا النص الذي استغرق خمس سنوات، وأنه بذل جهودا كبيرة في التوثيق والبحث ورصد المعلومات، وفي الانتقاء والاختيار حتى يستقيم عود هذه الرواية. وليعلم أن جوتة كان محقا وهو يقول ذات مرة : إن مشقة قراءة كتاب جيد، تعادل مشقة كتابته.

    هيكل الرواية:

    عبر خمسة فصول تتوالد بعضها من أرحام بعض، يضعنا الكاتب في "متاهة روائية" مرسومة بعناية وحرفية وكما قيل إن مطالع الروايات وعد، فكان مطلع الراوية يهيئ القارئ للأحداث أو بمعنى آخر يجعل القارئ يفتح أفق انتظار ليكون مستعدا فكريا لما سيقرأه.

    ففي "الفصل الأول": تبهرك براعة الاستهلال، والجملة الأولى التي تعتبر رأس الرواية (كل القرائن بمخيلة إنسان الصحراء باتت تشي بمجيء عام يالطليف!! الأمطار احتشمت على غير العادة، المراعي قحطت،المواشي ضاعت،تاه الإنسان)، وبداية حكاية عام الشًين على لسان البطل السارد "بادي" وهو عام النًشًف باعتباره الفاجعة الكبرى في تشتيت الأزواد بعد قهر الطبيعة في صحراء تيلمسي في مالي، واضطرارهم للرحيل القسري فرارا من سعير الجفاف، والتي أطلق عليه الكاتب اسم "عرصات يوم القيامة". كأنهم شهدوا في هذا الوقت العصيب مواقف وأهوال يوم القيامة.

    وقد استحضر الكاتب مظاهر الحياة اليومية لأهل الصحراء (أبناء اللثام، أهل الصحراء، شاحنات تمور توات، النوق ضامرة، ثغاء الماعز والأغنام) وأبدع في رصد عادات وتقاليد وسمات قبائل التوارق وأنواع الطعام ( طقس حفلة الشاي، طبيخ أبزارقو، مندعا وتواجيت) والملابس (الوسادة الجلدية المزخرفة، عباءة البازان، شال من كتان بوكار)، موظفا التراث الصحراوي والتارقي من خلال أسماء الشخوص (أخمادو وغلواتة ولولة وبتو وتين البركة وهُكَتا وبتال وتين جابو وأخمنو، وسوخا) والأماكن والفضاء الصحراوي (صحراء تيلمسي، أدغاغ إفوغاس ومنكا).

    وينقلنا الفصل الثاني فجأة إلى جنوب لبنان لنشهد " رقصة تيلمسي على إيقاع دَبْكَة الشرق"، وهي نقلة استباقية تجعل القارئ في حالة ترقب انتظارا لمعرفة سبب هذه النقلة غير المتوقعة، حيث رحلة شتات جديدة نشاهد فيها بادي ورفاقه في صحبة اللثام يقاتلون في صفوف فصيل فلسطيني يساري يقاوم العدوان الإسرائيلي على لبنان أوائل الثمانينيات، بناء على دعم القذافي لهذا الفصيل، حتى أُسروا في معتقل أنصار، ثم خروجهم بصفقة تبادل أسرى عادوا بموجبها الى ليبيا 1983.

    ويعود الراوي بنا في الفصل الثالث إلى المحطة السابقة وهي محطة " ليبيا. غواية التويوتا والكلاشينكوف"، حيث الوعد بإقامة الوطن الوردي بالأزواد. وشيوع الأخبار الجذلة حول لبوس التجنيد وإمكانية دخول معسكرات الجيش الليبي، وشهوة الأزواد بالمركوبة اليابانية الساحرة القادرة على قهر الصحراء، وسحر الإغواء بأبهة الكلاشينكوف والسيمينوف الفائض بليبيا، وبداية رحيل آخر إلى معسكر بني وليد، واستغلال القذافي للأزواد في حروبه بالوكالة في لبنان وتشاد.

    ويواصل الأزوادة في الفصل الرابع "المحرقة التي سرطتْ كتًان الكفن" هجرة شتات الجفاف إلى برج باجي مختار ببوادي تيلمسي وصحراء كيدال، ووقوع واقعة الوباء وتغول الموت في الفارين، وبقائهم قابعين في زرائبهم وأكواخهم حتى شكلوا بناءات فوضوية طينية.

    وفي الفصل الخامس "سمكة إبريل القذافي ـــ اكتشاف اللعبة والمسارات المجهولة" يعود الرباعي الازواديين من مهمتهم الشرق أوسطية إلى ليبيا والعودة لمعسكر 2 مارس ومواصلة التدريب والتعسكر انتظارا لفتح قريب بسعادة وطن الأزواد، ثم إرسالهم الى تشاد لدعم القوات الصديقة لليبيا في حربها ضد حسين حبري. وهزيمتهم وأسرهم وبعد رجوعهم طالبوا القذافي بوعده، فمطّط الحبل عليهم ثانية، حتى يئسوا وقاموا بأول غزوة أزوادية من معسكراتهم بليبيا باتجاه شمال مالي مرورا بصحراء النيجر، وذلك بتاريخ 20 جوان 1990، دخل بعدها الأزواد في دوامة من الحروب المجهولة، تخللتها هدنات واتفاقات سلام، كما تناسلت بينهم عديد الجماعات الإثنية والدينية المسلحة.

    ولكي تستكمل السبيكة التي شكلها الكاتب بمهارة فائقة لايمكن اغفال الدلالات السياسية والإيدولوجية التي تتضمنها النص (خلفية نشوء حركة الأزواد _ مهلوسات القذافي المركزة _الصراع الفرنسي في المنطقة - استغلال امريكا المعارضة اللبية للقذافي -الامتنان الوافر للجزائر..الخ)

    وقبل أن تُخْتم الرواية يسبح بادي بعيداً في أحلامه" ويرى في المنام "علم الأزواد يرفرف عاليا خفاقا في السماء على جبال كيدال.، وبوادي تيلمسي ووديانها وصحراء منكا كما توقع، لكنه في الوقت ذاته، شاهد كل ذلك محمولا على جمل يتمايل به في غمرة ريح قوية تعصف بالمكان.

    وفسرها تارقي عٌرف بقراءة الكف والمنام فقال: يا ساداتي يا كرام: وطن أزوادي، لا يزال يتأرجح على سنام إبله، أمام زكاة فرنسا لصرصرة زوابعه، كل التقارير الطبية والنفسية، أفادت صداعه المزمن، ولمّا يعيش مساراته المجهولة.

    ورغم الموت والخراب والشتات والفراق، ظل بادي متمسكا بأهداب الحياة واكسيرها، بالحب الصافي ــ المقيد بتقاليد وأعراف أهل الصحراءـــــ الذي جمع بينه وهٌكتا ابنة خاله، التي انتظرته طيلة سنوات غيابه رغم ما مرت به عائلتها من ظروف حياتية قاسية. وتعرضهم لإغراء معظم أعيان قبائل التوارق والعرب لخطبتها مقابل سيارة تويوتا قاهرة الصحراء تلك العطية المغرية جدا كإغواء موافقة مبدئية على الخطبة.

    تقييم الرواية:

    لقد نجح الكاتب في أن يعيد تركيب وقائع الماضي المتناثر شظايا في كل مكان في لوحة متناسقة صادقة من خلال تكثيف الأحداث وضغطها الدرامي والمغزى الكبير في الحوار وبراعة وصف الزمان والمكان، ووصف الأسباب التي تنتج الوقائع، كما لم يغفل أسرار القلب الإنساني والعلاقات الإنسانية بين شخوص الرواية، مما جعل القارئ يعايش مأساتهم ومعاناتهم ويتًنقل معهم في شتاتهم كما يقول الفيلسوف والروائي المجري جورج لوكاش "أن ما يهم في الرواية التاريخية ليس إعادة سرد الأحداث التاريخية الكبيرة، بل الإيقاظ الشعري للناس الذين برزوا في تلك الأحداث وأن تعيش مرة أخرى الدوافع الاجتماعية والإنسانية التي أدت بهم إلى أن يفكروا ويشعروا ويتصرفوا كما فعلوا في الواقع التاريخي).

    وهذا ماحدث بالفعل، حتى يخيل إليك لوهلة أنك في رحلة مع أهل الشتات من بداية أحداث الرواية إلى نهايتها.

    وختاما:

    لا أدعي أني قدمت كل ما جاء في الرواية، بل يمكن لمن تقع تحت بصره وبصيرته أن يلتقط الكثير مما لا تستطيع هذه القراءة تقديمه في هذا الحيز الضيق، ولنترك لك فرصة التعرف، وعن كثب إلى ما تحمله من قيمة روائية.

    Facebook Twitter Link .
    10 يوافقون
    8 تعليقات
  • لا يوجد صوره
    3

    هل كان حلم الإستقلال أم الإستغلال؟

    تتحدث الرواية عن شعب التوارق وما عاناه خلال عقود عن طريق إيضاح حلم منقول عن كتاب أسمه "التبر المنسي في أخبار صحراء تليمسي" وتأويله ومنه تتضح لنا العديد من الأحداث والمعلومات التاريخية عن شعب للأسف مهضوم حقه ووطنه، ففي حين أن عام 1973 معروف لدى الجميع بحرب أكتوبر المجيدة نجد أن هناك عرب آخرين كانوا يعانون أشد العناء لم يعلم عنهم أحد شيئاًوقتها، ولا تناقل الناس أخبارهم.

    فتبدأ الرواية المكونة من خمس فصول في عام 1973 بالهجرة لشعب التوارق هرباً من الجفاف والمجاعة. صحيح أن عام 1972 مهد لهم هذا القحط ولكن العام الذي تلاه كانت ال "مَنَّا" كما يطلق عليها التوارق وهي الجدب والقحط أكبر مما يمكن تحمله مما أدى إلى هجرتهم تجاه الشمال ناحية "برج باجي مختار" في الجزائر هرباً من الموت الذي شحذ أنيابه عليهم، وخلال هذه الرحلة نعاني معهم ما عانوه من قلة في الزاد والتعداد حتى أنهم ابتدعوا صنوفاً جديدة من الطعام يتغلبون بها على سعار الجوع بالإضافة إلى إفتقادهم لمجالس الشاي التى اضحى القيام بها نوع من الإحتفال .

    فيما يلي نرى "بادي" بطلنا ضمن أسرى معتقل "أنصار الإsرائيلي" في لبنان لإنضمامه بعد نزوحه نحو الجزائر بما يقرب ال10 أعوام لجيش "معمر القذافي" ليحارب معه بالوكالة في حرب صحراء العرب الوسطى لتحرير فلسtين تحت قيادة "أحمد جبريل" إذ لم يكن من الرحيل بد في ظل البطالة التي واجهتهم كما قال "لقد عانينا التشومير بكل أصنافه وألوانه، حتى من تجنّس، واكتسب الجزائرية بقدرة قادر، ليس له تحصيل دراسي فرنسي مالياني أو عربي جزائري خلال تلك الفترة ‫ الأعمال الخدماتية المتمدّنة هنا، لا صلة لنا بها، ولا نقوى عليها صراحة، لغلبة طبع البداوة علينا، حرفتنا الوحيدة التي تعلّمناها في أزوادنا، هي الرّعي، وفقدناها بانقراض مواشينا بتلك الربوع والمضارب ‫ شوفتنا الوحيدة، والحال كما تُرى؛ يقول بادي. أن نسافر للجماهيرية العظمى، ونمتهن الرعي بوديان وسهول ليبيا، بعدما جادت علينا أخبار مطمئنة، عن توافر الرعي و المواشي هناك" هذا بالإضافة إلى سعيه خلف حلمه بوطن جديد مستقل بعدما صدق مع غيره خطاب "معمر القذافي" الرنان عام 1980 حين وعدهم بوطن أزوادي خالص إن هم ناصروه وأنضموا لجيشه . فيقابل في المعتقل اصناف من التعذيب وسط مستقبل مبهم لا يرجى منه طائل إلى أن يدفعه حظه الجيد رغم كل ما كان لمبادلته ضمن معاهدة لتسليم أسرى إسرائlين.

    تناولت الرواية بعدها ما حدث من فجيعة فقد أكبر حينما وصلوا الجزائر نتيجة إصابتهم بال "بري بري" حينما تعاملوا بفطرتهم فحدث ما حدث ثم وبعد الأسر إنضمامه ثانية لجيش "القذافي" طمعاً في حلم الوطن حتى أن الجميع صار يردد عليهم مقولة "هل يقتل الطامع إلا الكاذب" علهم يعودوا لرشدهم ويبصروا ما غشى عليهم. حتى كاد "بادي" يقتل حينما أُسر للمرة الثانية على يد "التشاد" في حرب "اوزو" مع من قُتِل من أترابه ولكنها مشيئة الله وعنايته التي حادت به عن هذا المصير حتى عاد للقذافي مرة أخرى ليجد هو ومن معه حلمهم أضحى سراب جراء مماطلة "القذافي" لهم ليقرروا أخذ حقهم بالقوة والقيام بثورة جديدة للأزواد بعد التي تمت عام 1963 والتي استمرت حتى يومهم هذا.

    جاءت الرواية على لسان راوي عليم بالإضافة إلى "بادي" بطل الرواية وقبيلته من الطوارق وقد تجلى شعورهم بالتشتت والضياع لأقصى حد على لسان "بادي" حين قال "لم تمهلنا الأيام كثيرا، حتى صفعتنا الأقدار السماوية ثانية، ما إن استفقنا من ثورة الغَضْبة، حتى غدر بنا الجفاف على حين غرّة، فغُسلت من أدمغتنا؛ فكرة البقاء، انطلقنا تائهين في أرض الله شتاتا. وبدأ حلم وطننا يتأرجح على على سنامها كالهودج الرّجراج، صداعه المزمن لا يهدأ، يشقّق رؤوسنا، نبحث بهويتنا عن وطن بديل، يرضى بنا ونرضى به" . بعد هجرة بادي وعشيرته عام 1973 جراء القحط الذي ألم بهم من شتات وفقد حيث فقدوا وطنهم كما فقدوا الجدة "لولة" والطفل "هنون" وناقتهم وباعو ما تبقى معهم من جمال وحمير بما مقدار كيس من الأرز وأكفان حيث "لا شيء يدّخره النبيل؛ كالعِرض والستر، والكفن منهما".

    يتجلى الماضي العريق للتوارق في الرواية بذكر تحدث الأعلام عنهم ك "أبن بطوطة" حينما قال "هم قبيلة من البربر، لا تسير القوافل إلا في خفارتهم، والمرأة عندهم أعظم شأنا من الرجل. هم رحّالة لا يقيمون، وبيوتهم غريبة الشّكل… ونساؤهم أتم النساء جمالا، وأبدعهن صورا مع البياض النّاصع والسّمرة، طعامهم حليب البقر، وجريش الذّرة" . كما وصفهم "أبن خلون" قائلاً: "هم أوفر قبائل البربر، لا يكاد قطر من الأقطار، يخلو من بطن من بطونهم، من جبل أو سهل، وقد أطلق عليهم اسم صنهاجة الملثمين، كونهم يضعون على وجوههم لثامًا، تميّزًا لهم عن غيرهم من الامم".

    يتضح لنا من خلال العمل بشاعة ما قام به "القذافي" في سبيل تحقيق حلمه حيث ذُكر على لسان "بادي" "أمران فظيعان وقعا في تلك الحرب.. أولها؛ الزجّ بالتلاميذ والطلبة فيها بدعوى خروجهم من عند أهاليهم ومدارسهم؛ أنهم ذاهبون لحملات التشجير، ثانيها؛ دفع أهل البوكار إليها بإغواء مكافأة وطن الأزواد". فقد جاوز القذافي الحد في هذا الأمر مما جعل الجيش غير ملائم وأدى لهزيمته الساحقه وزهق الكثير من الأرواح وأسر ما بقى منهم في سجون مصنفة بالدرجه صفر وما عانوه من تعذيب بجروح متقيحه وفئران وقمل وغيرهم الكثير وهو ما جعلها تجربة اسوأ من سابقتها عند بادي بعدما فقد كل اصدقاؤه بها.

    كانت قصة حب "بادي" و "هُكتا" هي ما يضيف جواً من الأمل في الرواية خاصةً مع هيامه الشديد بها وتسميتها كل مرحلة بأسم أخاذ حتى أنه وصفها قائلاً ذات مرة "كأن المَلك، تمهّل كثيرا، ونسي نفسه من وقته المعلوم في رسم بديعها ونقش حروفها، ويا سُبحان المُصور!!"

    شعرت بإنجذاب وشفقة معاً على هذه القبائل العظيمة بعدما رأيت إعتزازه بموطنه الصحراء كما قال "بادي" "وربّ الكون. لولا جدب الأرض وهلاك المواشي، وتراكم الغُبن المسلّط علينا من حكومة باماكو، ما أتينا هنا، حتى لو أُغرقنا بالتِّبر والذّهب، أي والله. أقولها وأكرّرها. لا شيء يعدل، آنية الحليب برغوتها الطازجة من الضرع، وطقس تربيعة شراب الشاي بجلسة الخيمة، ومواش ترعى حولها عند إنسان الصحراء" وبدائيته العزيزة على قلبه وعدم تكلفهم فكانوا مصدراً للنقاء في نظري حتى أنهم بعد نزوحهم لجبال برج باجي مختار وتلقيهم الإعانات والمعلبات لم يعرفوا كيفية إستخدامها أو طهيها مما أدى لإصابتهم وتفشي الموت فيهم أكثر من المجاعة التي سبقته لولا تدخل الجزائر السريع وإمدادهم بالقوافل الطبية وتقديم الطعام مطهو حرصاً على سلامتهم.

    تكرر ذكر دور الجزائر في نجدة لتوارق أكثر من مرة سواء في احتوائهم وتركهم يقيموا عششهم في ارضها أو منحهم الجنسية او إمدادهم بالإعانات والقوافل الطبية مما جعل ذلك واضحاً حين وصفها الكاتب ب" الأم" و "المولاة" في أكثر من موضع.

    بالرغم من تصنيف العمل كعمل روائي الا أن الغالب عليه السرد فيكاد يكون الحوار معدوماً وهو ما جعله أشبه بكتاب فشعرت أن كل ما كان يطمح له الكاتب أن يسجل تواريخ وأسماء وأحداث ما مر به هذا الشعب العريق في محنته والتي جعلتني أبحث ورأها وهو أمر رائع في أي عمل ان يجعلك تبحث وتستزيد وبالرغم من حصول الشعب على وطن في عام 2012 إلى انه مهمش في الحقوق السياسيه وهو ما جعل نضالهم مستمر حتى الآن. ومما عزز ذلك الشعور لدي تأويل حلم بادي بأن وطنهم ما زال على هدوجه يترنح لأنهم ما زوالو يناضلوا حتى الأن.

    مما كان لي مأخذ عليه في الرواية طول السرد في بعض المواضع مما جعل الأمر يسير بوتيرة بطيئة أثناء القراءة .

    كما كتبت الرواية بلسان التوارق وهو ما شكل تحدي كبير لمن لا يلم بلغتهم حتى مع البحث في المواقع والكلمات فكنت أحبذ لو كتبت الرواية باللغة العربية الفصحى حتى يسهل قراءتها او عمل هامش لمعاني الكلمات على اقل تقدير حيث كان يكتفي بإيضاح الكلمات في بداية ذكرها فقط في اول الرواية مما يجعل معاني الكلمات تلتبس أحياناً، كما أني اعتقد ان اللغة حدت من إنتشار الرواية وفي رأيي رواية كتلك تستحق القراءة لتمجيد هذا الشعب الرائع.

    وفي الأخير وددت لو ذيل الكاتب العمل ببعض المصادر التي حصل منها على معلوماته حتى تطمئن سريرة القارئ لصحة المحتوى التاريخي للرواية أو إستكمال البحث إن أراد التبحر في تاريخ التوارق.

    اقتباسات أعجبتني:

    - ليس أشدّ على المرء، من مغادرة مضارب طفولته قهرا.

    - مجيء الموت بالتقسيط، أهون من هجومه المباغت.

    - أحلامنا - نحن أهل الأزواد – تتنقّل معنا عبر شتاتنا المزروع بكامل جغرافيا الساحل والصحراء الكبرى، شبح الوطن يطاردنا في كل مكان.

    - أرواح فَنتْ، أجيال هلكتْ.. لا شيء يجعل الإنسان، يتشبّثُ بأهداب الحياة الرّثة هنا؛ غير الأمل والحلم.

    - حين يفقد الإنسان صحّته ويخونه جيبه، لا شيء يشغله داخليا ويقارن ذاته بالآخر؛ كالخواء والامتلاء في الصحّة والمال.

    Facebook Twitter Link .
    8 يوافقون
    6 تعليقات
  • لا يوجد صوره
    4

    مراجعة رواية "منّا : قيامة شتات الصحراء"

    عندما توثّق الرواية الأحداث التاريخية

    يقول ألبرتو مانغويل في كتابه المكتبة في الليل : " كل قارئ يُوجد كي يضمن لكِتاب معين قدرا متواضعا من الخلود . القراءة بهذا المفهوم هي طقس انبعاث."

    تماما مثلما تبعث الكتابة الروح في القصص و الأساطير و الأحداث التاريخية ، يُولَد الكِتاب مع كل قارئٍ من جديد .

    قراءتي لمَنّا كانت أشبه برحلة زمينة في أرض ألِفتُ جغرافيّتها ووقعت في حب تفاصيلها. كانت تجربة تتخطى مستويات قراءة الرواية المتعارف عليها إلى غوصٍ في عالم الصحراء الغني جغرافيًّا ، تاريخيًّا و أنثروبولوجيا.

    أبطال بوجه واحد

    رواية "مَنَّا" جاءت باسم تارقي يعني بالعربية "الجفاف" رواية تاريخية ،اختار كاتبها الأستاذ صديق حاج أحمد الزيواني مسارا متوازِنَ الأحداث ، بدأه بنُزوح البطل و عائلته و سكان القرى المجاورة من شعب الأزواد عن الأرض التي ألِفوها نحو المجهول بسبب جفافٍ و جذبٍ ضرب الأرض و السماء ، تلَقفتهم بعدها مصاعب الحياة لترميهم في حِجر حُلمٍ أصبح مع الوقت هاجسا لن يتخطّوْه أبدا.

    سُردت القصة في أغلبها على لسان بادي ، يستبدله الكاتب أحيانا بالراوي العليم ، و في أحيانا قليلة يُعطي قيادة دفة السرد للشخوص الثانوية كعلواته .

    تركتْ شخصيات الرواية بصمات واضحة و مهمة ، ماكان للقصة أن تنساب لولاها ، لكنها كانت بصماتًا ضحلة .

    لم يظهر عمق شخصية البطل و لا ملامحه النفسية ، كذاك الأمر بالنسبة للشخصيات الثانوية . أَوّلتُ ذلك لرغبة الكاتب في ابراز بطولة شعب الأزواد كله ، و عدم إلحاق صفة البطل بفرد واحد . كما أن لهذا الشعب خصوصيته التي يتقاسمها أهل الصحراء قاطبة وهو انتماؤهم لغلاف نفسي واحد.

    ‏رواية توثق التاريخ

    نسج الكاتب قصته حول قضية جفاف 1973 الذي ضرب شمال المالي لتتجلى لنا الصورة كاملة فندرك أصل اشتعال فتيل ثورة الأزواد. حيث ربط خيوط هذا الحدث التاريخي /الجغرافي بالمعترك السياسي الذي كان يدور آنذاك في مناطق كثيرة من العالم ، شاءت الأقدار أن يُزج بشباب الأزواد اللاجئين فيه مُقابل تحقيق الحُلم/الهاجس. يُحسب للكاتب أنه بروايته هذه كان سبّاقا لتوثيق معاناة هذا الشعب الذي ظلمته الطبيعة قبل أن يكذب عليه القذافي و تُحاربه المالي و فرنسا.

    وجبة معرفية

    يصف الروائي الاسباني ألبرتو فاثكث فيكيروا شعب الطوارق بأنهم " الشعب الأكثر نُبلا و أسطورية فوق الكوكب " ، شعب تماهى مع البيئة التي يعيش فيها و مع الانسان الذي يقاسمه هذه البيئة .

    اشتهرت في الأدب العربي أعمال الروائي ابراهيم الكوني التي جعلت الانسان التارقي موضوعها المحوري ، لكن الزيواني في "منّا" جمع شتات الصحراء و أبرز اشتراك كل الاعراق في المصير نفسه عندما تجور الطبيعة و الغريب معا عليهم.

    شعب الأزواد قسمته الاثنولوجيا بين تارقي و عربي ، لكن جمعهم الوطن الذي يتأرجح على سنام جمل ...

    تكرر ذكر مشهد الجمل هذا في اكثر من موضع في الرواية ككناية على ضبابية مستقبل شعب الأزواد ، و أظنه الرمز الاساسي الذي أراد الكاتب ايصاله ما وراء النص.

    خصوصا أن المشهد نفسه ظهر في الفيديو التصويري لأغنية "تينيري تقل / ماذا حدث للتينيري" لفرقة تيناريوينن : جمل يتأرجح على سنامه كل ما يرمز لشعب الأزواد. و هذا يدل على تأصُّل هذا الرمز في الذاكرة الأزوادية.

    روواية "مَنّا" وجبة معرفية حُمّلت بالرموز لتليق بأسطورية الصحراء و شعبها ، أذكر منها تربيعة الشاي في الفصل الأول التي ذكرتني بلوحة دافينشي "العشاء الأخير " ، وجبة أخيرة يتقاسمها بطل القصة و أسرته قبل الهجرة إلى المجهول.

    تكرر مشهد التربيعة في مرات عديدة ليعبر عن طقس روحي ، متنفس للانسان الصحراوي في بيئة قاسية و صعبة التوقع.

    ظهر أيضا شاش البوكار الذي تقاسمه الاصدقاء الازواديين (عرب و طوارق) في المعتقل الاسرائيلي كرمز عن اشتراكهم في الهوية و المصير .

    في الأخير حلم بادي و عودة الجمل الذي يحمل الوطن على سنامه ، و الذي جسد نهاية مفتوحة لكلٍّ من العمل الأدبي "منا" و لقضية الأزواد.

    لغة تُقصي لَفيفًا من القراء

    قبل الحديث عن لغة الرواية وجب التنويه أن الكاتب الأستاذ صديق حاج أحمد الزيواني أستاذ لسانيات في جامعة أدرار الجزائرية ، و رئيس مخبرالبحث في سرديات الفضاء الصحراوي . اشتغاله في مجال البحث الأكاديمي يُخول له اللعب بتقنيات السرد على أعلى مستوى .فقد اختار لسرد "مَنّا" لغة عربية قديمة ، التمستُ فيها -حسب معلوماتي القليلة جدا- منهج المدرسة الكوفية في تطبيق قواعد النحو على لغة السرد ، اضافة إلى الكلمات التي استعارها من لغة الطوارق "التماهق" و من اللهجة للحسانية و كلمات أخرى " مبلولة في حوض الفرنسية " كما قال . كل هذا يُصعّب عملية فهم النص على القارئ العربي ، ولو إني التمست له عذرا مرة أخرى و هو أن منطقة الصحراء اشتهرت بالزوايا ، و هذه الأخيرة تعتمد على أمهات الكتب في تعليم طلابها اللغة العربية . و بالتالي العربية التي يألفها أهل الصحراء هي بلا شك نفس العربية التي كتب بها الزيواني "مَنّا" .

    ولادة معاني جديد

    تعيش القصة فينا كقُراء أكثر من عيشها في الكتب ، رغم أن دفتي الكتاب تجمعها و تضمن لها الخلود-نوعا ما- ، لكن القارئ يبث فيها الحياة ، يضمن لها حيوات تتجدد بتقدمه في السن و تنوع التجارب التي يمر بها.لهذا السبب اهتم ألبرتو مانغويل بفعل قراءة الكُتب أكثر من كتابتها.

    جعلتني مَنّا استكشف بُعدا آخرا للصحراء التي زرتها ، و التي قرأت عنها في كتب الكوني و فيكيروا . تعرفت أكثر على شعب الصحراء و على رابطة الانسان بدوابّه و أرضه ... علمتني أن ضرب الجذور في رمال الصحراء صعب ، بل مستحيل في بعض الأحيان.

    كُتِب على شعب الأزواد أن يعيشوا في أرضهم بلا جذور ، حتى اشعار آخر.

    Facebook Twitter Link .
    6 يوافقون
    اضف تعليق
  • لا يوجد صوره
    2

    أول ما يفاجئ في هذه الرواية هو معجمها اللغوي الشديد الفرادة والغرابة، إذ يبدو الكاتب فيها حريصا على أن تحمل اللغة طبيعة الحياة وخشونتها وجفافها كذلك، وهو ملمح إن كان يتماشى مع عالم الرواية، إلا أنه قد يبدو منفرا للقارئ الذي يتعرف إلى هذا المعجم وهذه المصطلحات للمرة الأولى:

    "الروايات الفامايستية المتواترة بمخيمات إغاثة الحياة ونجدتها بالمناطق الحدودية الجزائرية، برج باجي مختار، تيمياوين، تين زاوتين، عين قزام، تفيد أن الشهور البعدية لموسم عام الجفاف، أو كما يطلق عليه في اللغة التارقية (أوتاي والباسن) قلت، تفيد تلك المرويات المتناقلة بشتات مخيمات جنوب الجزائر، أن أولئك الأقوام، نوموا شهورهم اللاحقة من محرقة الصحراء، بتلك التخوم الخميصة، المهم وبدون تحفظ يمكن الجزم أنها أحسن أيامهم العجاب بعد قيامة هذه القارعة".

    يجد القارئ لدى تأمل هذه الفقرة كنموذج، صعوبة في طول الجملة والعديد من الكلمات والمفردات المجهولة، وهذه ظاهرة تستمر على طول الرواية، ويبررها الكاتب/ السارد برغبته في تمثل لغة الصحراء ومفرداتها وعالمها، كما يبرز عنده الحرص على توثيق ورصد عادات وتقاليد هذه القبائل الصحراوية التي تحمل إرثا ثقافيا ومعرفيا مختلفا، سواء من التوارق (هكذا يكتبها بالتاء) أو الحسانيين أو الكيدال، وغيرهم.

    تحضر الصحراء هذه المرة لا بوصفها مكانا يمكن التأقلم معه أو العيش فيه، بل على نحوٍ آخر تبدو فيه طاردة قاسية وحشية، تسعى العائلات للفرار منها ومن قسوتها في رحلة ليست أقل قسوة، ولكن يحدوها الأمل أن تجد موطئا آخر أقل قسوة. هكذا نرتحل معها ونتعرّف أثناء رحلتها الى ما تلاقيه من صعاب ومشقة، وكيف تؤثر الخلافات السياسية والعرقية على مصائرها، كما تكشف استغلال أصحاب السلطة والنفوذ لهؤلاء البسطاء الذين يتورطون في حروبٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل، حيث تحضر حرب تشاد 1987 ومعسكرات التدريب التي ينخرط فيها أفراد هذه القبائل الذين يريدون أن يضمنوا لأنفسهم حياة كريمة في كل مكانٍ يرتحلون إليه.

    Facebook Twitter Link .
    6 يوافقون
    3 تعليقات
  • لا يوجد صوره
    4

    رواية تاريخية سياسة ممتعة حيث تأخذنا في رحلة بعيده الي شمال افريقيا الي مالي حيث تصاب البلد بالجفاف في عام 1973مما يحتم عليهم الجواء الي الجوار والفرار من الاوطان الي ليبيا حيث القذافي الذي اخذاهم واستغلهم في الحروب علي امل حلم إقامة دول لهم ولكن سرعنا ما تبخر الحلم مع الايام ومع الخذلان وضياع الحلم والاعتقالات والأسر وقيام الثورات والظلم والقهر حيث تاخذاك الرواية في لب المشهد والصراع المرير حتي انك تشعر بالغربة في هذه الرواية فهي تلمس قلب كل مغترب ترك الوطن فهي روايه تاريخية بخيال روائي حزين وحبكة كتابه منقطعة النظير كما أنا الرواي يتحدث بطريقة السر للقصة

    عثمان كان يعتز بالوساده الخاصة بي كما أن يصور لك المعاناه التي يمر بها من انقطع السماء لببك فلا تنزل منها دمعة واحده لتفرح قلوبهم ببكها فلا مطر إنما حالا جفاف وقحط منذار بكارثة مقبله لا محالا فيجعلك تعيش في أحداث الرواي مع عثمان ولوله وتين البركه العجوز

    وكما يترك الكاتب في قلب الأحداث تعيشها معم لحظات من الترقب في ما هو قادم

    مما يطرهم علي أن يذبحو المواشي وبعد ذلك سفينهم للصحراء وهي الإبل ويصل بهم الحال إلي أن يكلو جلود البقر والابل بعد حرقها ودقة وياخد الي مشهد الرحيل حيث يرجع لذاكرتك الي ايام الطفله واللعب وأصحابه الذكريات ما اصعب أن تترك مكان تربيت في وترعت أنه انتزاع الروح وانت ماذلت حي جسد بلا معاني

    وياخذاك الراوي في رحلة من الخروج والمعنة والتعب غدفي الرحيل ومقابلات الأهوال والصعاب في الرحلة حيث أن النوق ليست قوي لحمل الراحله من النساء والأطفال ولا مقدارت النساء والأطفال علي المكوث فوق هوداجها من التراجح المستمر من التواء الطريق ووارعراته ولا هم لهم بقوة علي تحمل السير حتي يصلو الي مبتغاهم

    ثم يصلون الي ليبيا واستغلال القذافي لهم واستعمالهم في الحروب علي امل ان يكون لهم دوله ومن هنا يبدع الكاتب في سرد الرواية وتصويرها حيث يجدون معاناة أخري في غير وطنهم وفي جهة أخري ضرب إسرائيل للبنان

    وتبداء الاعتقالات والثورات ويذهب حلم في السراب

    وتمرد تمرده عن التدريبات وقاطعوها مما ادي الي الي اشتداد الأمر.مما دعا القائد غامر أن يتدخل بنفسه وان يستدعي القيادة الازدارية نفسها في مدينة طرابلس

    وجاء معة وفد رفيع المستوى وفد سياسي وعسكري لكي يعرف ماهو الذي يرده بني الوليد

    لكي يكون لبني الوليد وضع ولملمة الأمور واحتواء الأزمة واستقرار الوضع ورجعوهم الي الوضع الطبيعي

    وبعد رجوع النواق الي ليبيا من رحلة الدموية في المعتقلات من معتقل والأسر في الجنوب في لبنان وكما هو الحال في في حروب اوزاو الاتشادي وما تسبب لهم من خسائر معنوية وجسديه وما لحق بهم من خراب ودمار من جراء هذه الحروب من أسر وتعذيب والمعتقلات والسجون

    طالبو معمر القذافي بالوعد الذي أعطه لهم عند دخولهم

    بان يوفي بنا قال لهم فماطل وقال لهم كلام مائع لا يسمن من جوع ويغني عن اللهب النار الي الاستقرار فلما يعطيهم رد شافي ولا وافي

    حتي يئسو منه

    فقاموا باول غزو من مكانهم ومعسكراتهم في ليبيا من معسكرهم الي شمال مالي حيث قاموا بعملية عسكرية محكمه وناجحة واخده الأسلحة والسيارات وكل ما جاء في طريقهم وما تزال العمليات مستمره

    هذه الرواية هي رواية تاريخية حزينة لشعب تجرع المراره والألم في كل سطر في هذه الرواية

    كما أن مالي جيشت جنودها بكل ما اوتيت من قوة في محاولة اجهاض هذا الجنين قبل ولادته وهو اجهاض الثورة ودحرها حتي تصبح عقيمة لا تلد من بعد الان

    ابتدو لازالت كل عوائل المخيمات ومن ليس له قوة كالاطفال والعجائز قضو علي عائلات بأكملها كما لم ينجو من عائلة الا طفل رضيع عثرو علي في حضن جدته الملقاة صريعا للقتل

    دخل الازواد في حروب متتالية من الدوامات المجهولة كما أن الازواد من التوارث العرب بعد مرور عشر سنوات ويكمن أن يزيد بقليل أن ثوره الف وتسعة مائة وتسعون أن في عام ألفين واحد عشر عندما سقط القذافي وما أدخلته جماهيرته من بلبلة وزعزعة في تلك الفترة

    ممن المكان أن يكون من تمكين أهل الازواد في ليبيا وان أنهم يجدون هذه فرصة ذهبية لهم في تهريب السلاح مع نقل المعدات الحربية بشكل لافت للأنظار

    أن راي الشخصي في الرواية أن الجزء الاخير ممتع أكثر في السرد

    واكثر شئ عجبني هو انتقال من حوار الي حوار اخر بين الشخصيات الموجوده زي عثمان والزعيم والزعيمة أوله وتين البركه

    وعثمان تدور في رأسه اشياء كثيره وأسئلة أكثر وهو يداعب محبوبه هذه الوساده العزيزة الي قلبه يداعب سيور الوساده كانو يداعب شعر حبيبت له مع نسمات الجو العليل في ليلة صيفية رايقة

    السرد ممتع وقاسي جدآ من اهوال الأحداث فأنا أعجز عن وصف ما يحيك في صدري ويهيم بي فوادي من كلمات حتي اصيغو بقلمي علي الورق اوفي مراجعة ههذه

    الرواية تدور في فلك تاريخي درامي سياسي ثقافي محوري

    واخيرا شكر وتقدير علي هذا العمل

    شكرا

    Facebook Twitter Link .
    4 يوافقون
    1 تعليقات
  • لا يوجد صوره
    4

    عندما قرأت عنوان الرواية ووجدت "منا" و "شتات الصحراء" تساءلت عن المقصود ب"منا" ،هل هو المن الذي أنزله الله من السماء لشعب بني إسرائيل التائه في الصحراء ؟ ومع بداية القراءة وهذا السؤال لم أجد منًا ولا سلوى ووجدت الأهوال.

    يروي لنا الكاتب حكاية شعب مهمش، له لهجته الخاصة وطباعه المميزة وعاداته الأصيلة، ولكن، ليس له وطنا يحتويه.

    في بداية الرواية صدمت من صعوبة أسماء القبائل والأشخاص وبعض الأماكن والأشياء التي لم أفهم كينونتها، حاولت تجاهل ذلك والمضي قدما لفهم الحكاية، لكن جال في خاطري أن هذا ما حدث معهم بالفعل. هل احتسبوا أرقاما وكلماتا لا أشخاص لهم الحق في الاحتياجات الأساسية للبشر؛ مأكل وملبس ومسكن؟

    شعب تشتت بسبب القحط والجدب والذي يدعونه بلسانهم التارقي "مَنّا" ،وكابد أهوال الجوع وأخطار الطريق، كانوا يضحون بماشيتهم وجمالهم -وهي من أعز ما يملك التوارق- من أجل كيس أرز واحد، مات في الطريق الأطفال والجدات ومات معهم الرجاء في المستقبل والأمل في الرجوع للوطن والجذور.

    وعندما استقروا نسبيا بملجأ مؤقت، لاح بصيص من نور ووعد ببناء وطن أزوادي يضمهم في حماه، وكلما اقتربوا وجدوه سرابا يعدهم بالوصول بعد قليل.

    فهل كان حلمهم بوطن يلم شملهم وينعمون فيه بالدفء طمعا؟ فصار "الطماع لا يقتله إلا الكذاب "؟ أم كان حلما مشروعا استغله آخرون لمصالحهم؟

    انتهت الرواية ولم تنتهي الحكاية ومازال وطن الأزواد "يتأرجح على سنام الإبل".

    قص علينا الكاتب "الصديق حاج أحمد" الرواية بلغة قوية تتناسب مع خشونة حياة الأبطال وموضوع الرواية، مفردات صعبة وتواريخ كثيرة بدون هوامش كافية، لكنها دفعتني للبحث الذي أسفر عن معلومات قيمة عن التوارق ومفردات لهجتهم وعن جغرافيا البلاد وتاريخ هذه الحقبة الزمنية، كما أن من حق الكاتب الاحتفاء بلهجته و احيائها وتعريف الناس بها.

    كان السرد على لسان رواة متعددين ،التنقل بين الرواة كان مفاجئا ومربكا في بعض الاحيان.

    تتبع الخط الزمني للرواية به بعض من الصعوبة، مما سبب القليل من التشتت ،خصوصا خطاب هكتا لبادي والتي تتحدث فيه عن عودته من لبنان، في الوقت الذي كان فيه في معسكر بني وليد عام 1980.

    الحوار بسيط وتغلب عليه اللغة التارقية،مما أضفى صعوبة نسبية على الرغم من ملائمته للجو العام للرواية.

    الشخصيات مرسومة بعناية فنجد التباين الواضح بينهم، أحببت لولا وبادي و هكتا كثيرا.

    الفكرة غير مستهلكة وقضية يعاد طرحها بصورة روائية متسائلة.

    استمتعت باختلاف الرواية والتجربة والكثير من المعلومات القيمة.

    Facebook Twitter Link .
    3 يوافقون
    3 تعليقات
  • لا يوجد صوره
    4

    رواية: مَنّا- قيامة شتات الصحراء

    الكاتب: الصديق حاج أحمد

    الصادرة عن دار: الدواية للنشر والتوزيع والطبع

    نوع العمل: أدب صحراء

    اللغة في الرواية: خليط من لغة تماشق ( لغة أمازيغية يتحدث بها التوارق ) - ممتزجة باللغة العربية الفصحى

    ليس أشد على المرء من مغادرة مضارب طفولته قهرًا، ما زال حلم إقامة وطن للأزواد يتأرجح، أحلام التنفس بالوطن الموعود، الوطن المفقود، الضائع، المؤجل. ليبقي سؤالًا حاضرًا، هل تمنح الجزائر ظلال الوطن وأحلامه للأزواد يومًا ما؟

    أثناء مُطالعتي للرواية استنبطت من الحبكة ثلاثة أبطال جوهريين هم؛ الشتات في ثوب الترحال، الجفاف، والمكان بشقيهِ (الوطن والغربة).

    قد يكون البطلٌ المؤذي في روايتنا هو عام مَنّا، حتى أنه وصم بألقاب أخرى على مدار رحلة الرواية مثل؛ عام مَنّا العاثر، جحيم مَنّا، محرقة الصحراء، قيامة الجفاف، عام الضياع، عام الجدب، عام عزرائيل، محرقة جفاف الصحراء، قيامة عام النشف، عام النحس، طامة الجفاف الكبرى، هجرة شتات الجفاف، هزال مَنّا ومخالب مجاعته المنكرة.

    أثر ذلك ازدادت وتشعبت الأسئلة أمامي منها؛ هل حقًا أهل الأزواد شتتهم حالة جفاف مَنّا، أم حالة جفاف من نوع آخر وهي سلب وطنهم منذ أمد؟

    في منتصف الرواية، الأزواد رغم ارتواء أجسادهم في مراكز الإغاثة أو حتى بنعيم ليبيا، إلا أن قلوبهم وأرواحهم عطشي بعدم إقامة وطنهم المستقل، بل ظلت قلوبهم تتشقق جفافًا يوم بعد يوم؛ تلتمس الارتواء من أرض مالي. لا شيء يطرب الأزوادي كحكاية الوطن وحدوث الانفصال عن باماكو لأهل مالي، وانصرام صحراء أغادز وما جاورها عن نيامي لأهل النيجر.

    -إذن، هل يُمكن تلهية الجوع وتعمية عضاته الموجعة أم أنه أمر مستحيل؟

    في عام 1972 طل الجفاف خفيفًا بصحراء شمال مالي، لكن أهوال القيامة الحقيقية ضربتهم في 1973. أرواح فنت، أجيال هُلكت، قبائل تيلمسي همت بالهروب، تحول توارق إيدنان، شمنماس وغيرها نحو معابر الشمال قاصدي طريق الحياة. قبائل تقتفي أثر قبائل، ولا شيء مرئيًا أمامهم غير غبار الراحلين.

    انقسمت القبائل المهاجرة إلى قبائل هاجرت نحو موريتانيا والنيجر، قبائل نحو الجزائر، قبائل أخرى صوب ليبيا، وقبائل اتجاه بلاد الحجاز. لم يفارق المهاجرون طوال طريقهم روائح موتي الإنسان وجيف الحيوان، مشاهد هياكل وعظام المواشي.

    شخصيات الرواية باتوا هاربين من الموت، متمثلين في عائلة غسمان الإدناني، هم هنا أمام معادلة الحياة أم الموت، وبالطبع لا خيار آخر سوي الفرار من الموت نحو طوق النجاة الشمالي، حيث مراكز الإغاثة بالنقاط الحدودية من جنوب الجزائر. تقول الأم تين البركة ناعية والدتها لوله " مجيء الموت بالتقسيط، أهون من هجومه المباغت.

    -بداية الرحلة والشتات

    الشتات محرك القصة، هو بطل ليس بهين، يبدو مثل شخص قوى قادر على التلاعب بعقل من يستحوذ عليه، لا يترك ضحيته إلا عندما يتأكد أنه بات تائهًا هائمًا على وجهه. لكن رغم هذه الحالة التي تملكت الأزواد نراهم طوال خط الرواية يمتلكون من الصبر حد تحمل آلام التعذيب والهوان. ربما الأحلام هي الحافز بإمداد المرء بالقوة، فأحلام شبح الوطن لم ينقطع عنه يطاردهم في كل مكان.

    شُعلة الشتات تعود لدخول الفرنسيين أرض الأزواد عام 1893، قامت الحروب على مدار الأعوام إلى أن تم تشكيل جبهة شعبية عام 1963 لتحرير الأزواد. واجهتهم الحكومة المالية بالتعذيب؛ سممت آبارهم، أتلفت المواشي. خيبات وانكسارات متعاقبة، طُمست خلالها الهوية التارقية، ثم تاليًا صفعتهم الأقدار بالجفاف؛ لينطلقوا تائهين في أرض الله شتاتًا.

    -الأماكن

    المكان هنا كالعملة ذات الوجهين؛ وطن وغربة. إقامة الوطن حلم يراوغ صاحبه، أمل لا يترك نفسه حتى مماته. بين التعلق بالوطن قلبًا ونفسًا، المتمثل في النزوع نحو فكرة الوطن المستقل المنفصل عن مالي والنيجر، وبين التكبيل في أماكن أخرى شتاتًا، المتمثلة في هرولة الأزواد لنداء معمر القذافي وقبولهم التجنيد.

    على مدار الرواية، ذُكرت أكثر من ثماني محطات كبلت بطلنا بادي وأصدقائه بها. بداية من مركز إغاثة برج باجي مختار المقام على حدود الجزائر. في هذه المحطة تعجبت، كيف لحياة مختلفة أن تكون قادرة على إنزال الوباء بينهم؟ الموت لم يعد يفرق بين شاب وطفل أو مسن، اختبار الوباء الذي تفشى بينهم ومن ثم اختبار طرد من ليس معه بطاقة الهوية أو على الأقل شهادة ميلاد، فباتت الحياة في مركز الإغاثة على كف عفريت.

    -حالة التيه التي غلفتها البشارة بغزارة فرص العمل بليبيا.

    رأيت العمل في ليبيا رغم مشقته المحطة الذهبية للأزواد، العمل في مخابز كامبو الطيورى وحياة الرعي بسهل الشويرف كانا بمثابة طوق نجاة. في هذه المحطة لاحت أمامهم أيضًا بطاقات بناء بواسطة الأشقاء الموريتانيين المرابطين بليبيا؛ بطاقات جالبة للحظ، فحاملها له حق العمل في ليبيا والدخول إليها دون تأشيرة أو متابعة أمنية خلال تواجده على أراضيها. لكن رغم هذه المحطة الذهبية، ظهر أمامي سؤال آخر، هل ترتبط حالة السأم بحالة الاستقرار عند أهل الصحراء؟

    واحد من أهم الانطباعات عن الأزواد أنهم رحالة يسأمون الاستقرار في مكان واحد رغم فائض العيش والأجرة المقبولة، لذلك وفي هذه المحطة أدركت كم أن يتامى الوطن لن ينعموا في أرض أخرى مهما كان.

    -أحلام مؤجلة من معسكر بنى وليد إلى مطار دمشق الدولي.

    هل كانت تلك المحطة استغلالًا ما؟ ربما. فهذه المحطة يسميها بادي سمكة أبريل القذافي وأنا اسميها كذبة أبريل. خطاب القذافي الواعد للأزواد -بتاريخ 16 أكتوبر 1980 بمدينة أوباري جنوب ليبيا- بإقامة دولة أزودية. محطة انطلق فيها الأزواد جريًا خلف سراب الوطن الموعود، لكن بعد عامين في المعسكرات تمردوا عن التدريبات، إلى أن جاء وفد ليبي ووضعهم أمام ثلاثة اختيارات. الرجوع للجزائر أو البقاء في ليبيا، أو الذهاب إلى جنوب لبنان ونصرة فلسطين، وصاحب الخيار الأخير ستكون مكافأته ضخ الدعم لقيام دولة الأزواد، لينتهي مع هذه الاختيارات الثلاثة معسكر بنى وليد.

    _كيف ساقتهم الأقدار إلى معتقل أنصار؟

    رغم صعوبة هذه المحطة وعذابها، إلا أنها أهم محطة وأقوى اختبار. اختار بادي ورفاقه الاختيار الثالث وهو معسكر عين صاحب نواحي ريف دمشق، حيث القيادة العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. شخصياتنا مازالت تسعى وراء الحلم، مازالت صابرة، ربما تحت مبدأ سندعم الآخرين كي يتم دعمنا يومًا ما في المستقبل.

    في 4 مايو 1982 شنت عليهم القوات الإسرائيلية غارات جوية، ومن ثم تم اعتقالهم في جنوب حيفا. في 6 يونيو 1982 احتلت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان، ثم فتح معتقل أنصار بتاريخ 14 يوليو 1982، ليتم نقل الأسري إلى هناك حيث يوميات التعذيب بالمعتقل؛ الصلب لمدة 24 ساعة تحت الشمس الحارقة، منع الشرب والحرمان من الأكل، حبس التبول، كهربة الأجساد بالأسلاك الكهربائية، والجلد بالحبال النحاسية، ليفقد الكثير من المعتقلين الذاكرة ومنهم من أصيب بحالة من الصرع نتيجة الضرب على الرؤوس.

    قضوا 16 شهرًا في أنصار، البعض كان يتسلى بنقش آماله الطويلة بالحجر، إلى أن تم الاتفاق بين المنظمات الفلسطينية ودولة اليهود بوساطة نمساوية وفرنسية، بإطلاق جميع المعتقلين العرب البالغ عددهم 4700 معتقل مقابل 7 جنود إسرائيليين. دموع الفراق تبلل أرضية المعتقل الحمراء بعد تقاسم شهور المعاناة. وهنا طار الفريق البوكاري نحو مطار طرابلس الدولي بتاريخ 23 نوفمبر 1983.

    _اكذوبة معلبة للوطن في معسكر 2 مارس

    في هذه المحطة كنت أتمنى لو الأزودين فضلوا العودة للعمل في ليبيا أو يعودوا لمالي ويقيموا ثورتهم، لكن ربما هذا هو مغزى الاختبار، أن يطول بهم الوقت كي يستوعبوا كم كانت الوعود كذبة. هنا مازال الأزواد مشتتين الفكر، سراب الوطن الوردي لا يزال لامعًا في أفق أحلامهم، ليقرروا البقاء في معسكرات ليبيا.

    _هل صفة الأسير أصبحت مطبوعة على بادي كما قال غلواته؟

    استمرار انسياق الأزواد وراء الوعود جعلتهم ينخرطون في صراع لن يعودوا منه بأي مكسب، إنها حرب شريط اوزو بتشاد عام 1987. أمران فظيعان وقعا في تلك الحرب أولها الزج بالتلاميذ الليبيين فيها بدعوى إنهم ذاهبون لحملات التشجير ثانيا دفع أهل البوكار إليها بإغواء مكافأة وطن الأزواد.

    في فجر فبراير 1987 استيقظوا على دوي قنبلة من التشاديين، حاولوا الفرار لكنهم وقعوا أسرى مع 100 أسير آخر. تم اعتقالهم في سجن السلاسل حيث الفئران تنهش الجروح النازفة، لا شيء أدمي هناك. ومن سجن السلاسل لسجن جوندماريا المشهور بقلة نظافته، ليصاب الأسري هناك بالملاريا.

    واحدة من أعظم الحوارات في الرواية هو حوار المحقق العراقي مع بادي، عندما سأله "هل تعتقد أن مشاركتك في هذه الحرب بالوكالة ستوصلك إلى وعد القذافي لكم بالوطن في الازواد كما تشتهون؟ على الأقل الليبيون معذورون لأنهم يناورون من أجل أخذ شريط اوزو، وإن فازوا به ففيه مكاسب كثيرة لهم وأنت ماذا تفوز هنا؟ "

    هنا بادي لم ينطق سوى بـ ربما، وهذا يعكس شخصيته بسيطة الفكر، ربما لو كان أتى رد فصيح ذكي منه لكنا لم نستسغ انخراطه في المعسكرات من البداية.

    _أين الوطن وكيف السبيل إليه؟

    أنا من هؤلاء الذين يؤمنون بأن صاحب الحلم عليه أن يتكئ على نفسه وبنفسه في تحقيق ما يريد، لا يلهث وراء الوعود من الآخرين مهما كانت نيتها، فأهم شيء هو لملمة شتات النفس والمواجهة. لقد صدق أحد الأزواد المشاكسين عندما قال لبادي " الطماع لا يقتله إلا الكذاب".

    مطلع 1990، مل الأزواد الانتظار الكاذب الممدد، كان هناك تحرك استراتيجي خفي في المعسكر يحضر لغزوة أزودية. خرجت قافلة من المعسكر نحو الازواد بتاريخ 29 جوان، اتجهوا نحو جبل تايكارين حيث ثوار جاءوا من غاو، كيدال وليبيا، ليصبحوا 60 ثائر تارقيًا. هنا انتقلت الثورة من مرحلة الوهم إلى الواقع، فتم نصب كمين بالطريق بين تجريرت وتيدغمين. دخل بادي ورفاقه من البوابة الرئيسية لمقر الكومندان، أفرجوا عن ثوار التوارق المحبوسين. منذ تلك اللحظة دخل الأزواد في دوامة من الحروب المجهولة، تخللتها هدنات واتفاقات سلام بدول الجوار، لكن أيضًا صاحبتها تناسل العديد من الجماعات الاثنية والدينية المسلحة، لتظل منطقة الأزواد بؤرة ساخنة بالمحيط الإقليمى حتى الآن.

    _زينت مشاهد الرواية بخلفيتين؛ خلفية الطعام وحالة العشق.

    رغم الجفاف إلا أن الرواية تمتعت في كل بقعة ومكان بطعام معين، لا ننسي طقوس الشاي المقدسة عند الأزواد أينما ارتحلوا. الأطعمة معلبة في برج باجي مختار، أرز مطبوخ دون لحم في ليبيا، فواكه حلوة ووجبات دسمة في معسكر عين صاحب، بيضة مسلوقة وكسرة خبز في معتقل أنصار لكن في أسوأ الأحوال تكون معلبات منتهية الصلاحية، الأرز وفطائر السفنز الليبي في وادي الدوم، الأرز فقط في معتقل السلاسل.

    _حالة العشق

    حالة كفيلة بإسعاد وحشة العاشق، تؤنسه، ترفق به. حالة عشق بادي لهكتا ابنة خاله والتي تعددت ألقابها في الرواية؛ يناجيها تارة باسم آسوف، وتارة كتكوت، ثم الحبوبة الشمنماسية، وتارات هكوت، والعنقود. لقد فرقتهما مصائر الأيام وجمعتهما من جديد، بنيا في قلبيهما قصورًا، وشيدا أحلامًا على جغرافيا الأزواد.

    _السرد والحوار

    أتت الرواية في شكل حكى مستمر على لسان عدة شخصيات تاريقية؛ بداية من غسمان ومن ثم ابنه بادي وأصدقائه الثلاث. في الرواية لن نجد الحوار المتعارف عليه بين الشخصيات، لكن سنجد فيض أحداث من الذاكرة. وضح الكاتب في بداية الرواية أننا سنري تحولات في الكلمات والحروف. في عجم الحروف المهملة من الحاء إلى الخاء أو من العين إلى الغين في نطق التوارق أو أتي لاستطار العُجمة بلسانهم، في إبدال الثاء سينا.

    _عامل الزمن في الرواية

    أحداث الرواية لم ترو بشكل متتابع زمنيًا بل بقفزات زمنية غير مرتبة -بين الماضي والحاضر- تستلزم انتباهًا كاملاً أثناء القراءة، فالرواية تبدأ بعام منا 1973، ثم تعود للماضي حيث ثورة كيدال عام 1963، ثم تقفز لمعتقل انصار1982، ثم تعود لبرج باجي مختار 1977، وهكذا. أرجعت هذا السبب لأن شخصياتنا بطبيعة حال حكى أحداث الماضي أن تتشعب عودة للوراء أو قفزًا للأمام على حسب حالة الشخصية.

    _خاتمة الرواية

    أتت النهاية مفتوحة بما تشي باستمرار الحلم، الأمل، المقاتلة واستمرار السعي بإقامة وطن للأزواد. ما زال بادي يري في أحلامه علم الأزواد يرفرف عاليًا على جبال كيدال وبوادى تيلمسي ووديانها وصحراء منكا، لكنه شاهد كل ذلك محمولًا على جمل يتمايل به في غمرة ريح قوية تعصف بالمكان. ما زال وطن الأزواد يتأرجح على سنام إبله لما يعيش مساراته المجهولة.

    -اعتمدت في كتابة التلخيص لكلمة " التوارق" كما ذكرها الكاتب بدلًا من الطوارق

    نونا السيد

    Facebook Twitter Link .
    2 يوافقون
    اضف تعليق
  • لا يوجد صوره
    4

    اسم الرواية: منّا: قيامة شتات الصحراء

    المؤلف: الصديق حاج أحمد

    سنة النشر: ٢٠٢٣

    دار النشر: دار الرواية للنشر والتوزيع والطبع

    بدأت الرواية مباشرة في قلب الحدث، بنقل جيد جدًا لحالة القحط والجدب، ومحاولات إيجاد الطعام، والهزال الذي طال الماشية، والرحيل الحتمي إلى الجزائر، وضرورة الهروب من الموت القادم إلى الشمال، "بالمختصر المضغوط: الحياة أمست لا تطاق هنا".

    بصفتي قارئ، وجدت نفسي مباشرة في قلب الصحراء، مع مفردات صعبة لا أفهمها، ونقلة مباشرة من الترحال إلى المعتقل دون فهم للأحداث، حتى ظننت أن شيئًا ما فاتني من الترجمة، لكن هذا الاقتباس دفعني إلى المواصلة: "ليس أشد على المرء من مغادرة مضارب طفولته قهرًا"؛ فلنعطها فرصة أخرى ولنكمل.

    تلى ذلك عناء من أجل البحث عن فرصة عمل، ونقل إلى المعسكرات لم يكن له تمهيد، بالإضافة إلى محاولات التماهي مع باقي الرفاق المختلفين في اللهجة، وإسرائيل.. ماذا أتى بها هنا؟!

    تكرر ذكر معسكر "٢ مارس" دون ذكر سبب التسمية أو علاقته بالأحداث. بحثت فوجدت سر التسمية يعود إلى ذكرى إعلان قيام سلطة الشعب، بقيادة معمر القذافي في ١٩٧٧.

    كل هذا الغموض اتضح لاحقًا، لكن بسبب اللغة والتنقل بين الزمن والكلمات الغامضة، تتداخل الأحداث وأسقط في التعجب، حتى تنفك الطلاسم لاحقًا مع استمرار السرد.

    كان من الممكن السرد بطريقة أبسط وسلاسة أكبر، حتى يشد القارئ للمتابعة دون ملل.

    يخفف من هذا التخبط في الأحداث صور إنسانية ووصف جميل، مثل: "إن لم يستهزأ بي غربال الذاكرة المثقب بأوجاع منّا..." و"طقس الشاي المبجل" بعد الصيام عنه بسبب الفاقة.

    استخدام لغة مغرقة في المحلية أفسد الاستمتاع بأجزاء كثيرة من الرواية؛ صفحات كاملة تُعاد قراءتها أكثر من مرة، في محاولة للفهم وتجميع شتات المعنى. كما أن إبدال الحروف جاء عسيرًا مع شرحه ضمن كلمات غير مفهومة بالأصل، جعلها في كل الأحوال أشبه بالطلاسم.

    هل التركيز على اختلاف اللهجات بين العرب، وتأكيد اختلاف المعنى والمقصود حتى في أبسط الكلمات، مقصود من المؤلف؟

    في كل الأحوال قصص الحب لا تحتاج إلى ترجمة، ومهما كانت الظروف المعيشية في الرواية، فقلوب الأحبة لا تعرف الحزن والجزع، سواء وقت الترحال أو في البعد والفراق. فنتابع قصة حب ناعمة تليق بحياء البادية، ونتلمس أخبارها طوال فصول الرواية على استحياء، ما يعطي للرواية إحساسًا جميلاً.

    ينقل المؤلف الحديث بين الراوي تارة وبطل الرواية تارة أخرى، دون تلميح أو تنويه أو فواصل، فأشعر بالخلط، حتى اعتدت هذه الطريقة على مدار الرواية.

    تعرفت على الأبطال تدريجيًا، حتى أن أعمارهم ووصف ملامح الشخصيات لم تأتِ في البداية، لكن تعرفت عليهم جميعًا واعتدت صحبتهم خلال الرواية.

    وإن كانت النهاية جاءت دون الإجابة عن تساؤل: ماذا حدث لأسرة بادي؟

    بعد عدة فصول أنغمس في الأحداث تمامًا، بحرفية المؤلف والوصف الدقيق للأحداث.

    وتتضح الفكرة:

    تحكُّم السياسة في أحلام الأقليات وأبناء البادية، والزج بهم في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، اللهم إلا وعود القذافي لهم بالوطن، كما وصفها بـ"مهلوسات القذافي المُركَّزة".

    نستكمل الرواية مع وصف مشقة الطريق في رحلة الذهاب إلى معسكرات ليبيا، مع توثيق متميز وكتابة متماسكة جدًا، ونقل دقيق مدعوم بالتفاصيل بين الطعام ووعورة الطريق وصحبة السفر، والتنقل من الرعي إلى العمل بالمخبز، والعودة مرة أخرى إلى الرعي.

    ونكتشف من خلال السرد والمواقف جانبًا من طباع رجال الصحراء، إذ لا يستطيعون البقاء في النعيم طويلاً. ولا يتركك الكاتب في الحيرة، فينبهك "ألا تتعب نفسك في التأويل". يتضح أيضًا في أثناء السرد العديد من طبائع رجال الأزواد والتوارق، من صلابة وصمود وإصرار على بلوغ الحلم، والكرم والحكمة والنزاهة، وتقديسهم للوعد والكلمة، حتى وإن كان هناك ما يشير إلى أنها "سمكة أبريل"، التعبير الذي استعاره الكاتب من اللغة الفرنسية (Poisson d'avril)، والمقصود به كذبة أبريل أو ضحية أبريل.

    ويعرج بنا المؤلف خلال الأحداث إلى أحوالهم في معتقلات إسرائيل، وما بها من أفاعيل في تعاملاتهم مع العرب ووسائل القهر والتعذيب، ومحاولات المعتقلين العرب للتغلب على ذلك، بابتكار وسائل التسلية والترويح عن النفس والصمود في وجه هذا الظلم.

    شيئًا فشيئًا أتوحد مع هؤلاء المبشرين بجنة الوطن، خلال رحلة التحضير لقيام الدولة الأزوادية. ثم تحولت الرواية إلى رعب..

    أن تؤخذ عنوة وبقسوة من مدرجات الدراسة، إلى حرب لا تفهم عنها شيئًا، بدعوى حملات التشجير. أن تعيش حلم الوطن والأرض، ويعبث بأحلامك آخرون لهم أطماع أخرى. أن تترك أهلك وعشيرتك لسنوات دون تواصل أو اطمئنان، ولا تعلم عن أحوالهم شيئًا. أن تصير حياتك سجنًا من معسكر إلى معسكر، بين التردي والنعمة، حسب هوى وهوية السجان.

    حين قاربت الرواية على نهايتها واشتدت مأساة التوارق بين السجون والتعذيب، أدركت مراد الصديق حاج أحمد في تأريخ الأحداث وتوثيقها بهذه اللهجة الخاصة، فهو ربما يريد لأبناء الجيل الجديد منهم ألا ينسوا تاريخ الأجداد، بواقعه، بلغته، بتعبيراته؛ أراد أن يترك لهم وثائق ورسائل خاصة بهم، تذكرهم بالقضية وكفاح الأجداد، وبمأساة حدثت لقبائل بدوية مرت بالأهوال، من الجفاف إلى ثورة الغضب والاستغلال الفرنسي، والتعذيب والتنكيل من الحكومة المالية، وفاتورة باهظة دفعوها بسبب نزوات القذافي، والوعد الدائم بالحلم الضائع بالوطن الجديد وفردوس القذافي المفقود.

    وفي النهاية.. وجدت أنني أُقدِّر جدًا أن الكاتب استخدم اللغة الخاصة بهم، وهذا حقه وحق الأزواد، ومفتاح للبحث بعد التوثيق الهائل الذي قام به المؤلف، ودور القارئ في استكمال البحث عما حدث للتوارق بعد ذلك.

    وأشكره على تمسكه بحلم الأجداد، وتسطيره لهذه الرواية الوثائقية، فهذا حقهم تمامًا، وفرصة للقارئ أن يطلع على مناطق أخرى وعوالم لا يعلم عنها شيئًا.

    وكما ذكرت أبجد: إنها فرصة للخروج من المناطق الآمنة للقارئ.

    حين بحثت عن الرواية ودار النشر، عرفت بوجود صعوبة في التوزيع، وأن الرواية برغم فوزها بجائزة البوكر فإنها تعاني من التوزيع، فهي نقطة أخرى تؤكد هذا البُعد والاغتراب.

    والحق أقول: دون مسابقة أبجد، لم أكن سأبحر في هذا العالم.

    قراءة صعبة ومجهدة، لكنها ممتعة في النهاية، فليس كل ما هو ممتع سهلاً.

    Facebook Twitter Link .
    2 يوافقون
    اضف تعليق
  • لا يوجد صوره
    5
    Facebook Twitter Link .
    2 يوافقون
    اضف تعليق
  • لا يوجد صوره
    5

    رواية "منا .. قيامة شتات الصحراء"

    _ لا يكون العمل أدبياً إلا عندما ينقل حقائق منسية تاريخية حدثت ويطرح أسئلة تيقظ القارئ وتجعله يبحث عن أجوبة تقنع وعيه بعد أن اصطدم بواقع منسي من تاريخ الورق.

    ❞ إلى شتات صحراء شمال مالي في ذكرى وجيعة الجفاف❝

    يعيش القوم المشتتون والضائعون بلا وطن بسبب الجفاف الذي حل على صحرائهم بين أرواحهم المكسورة وأحلامهم المنسية، لا هُوِيّة تميزهم، ولا بلد يحتضنهم، فقد تركوا وراءهم صحراء جرداء وأملًا مفقوداً.

    تتجلى معاناتهم في كل خطوة يخطوها، وتتجلى معها آلامي ودموعي حزنًا على مصيرهم المحتوم، لأنها ليست بقصة عابرة من مخيلة الكاتب ولكنها توثيقًا تاريخياً مكتوباً بدقة في صحف ستظل عالقة في التاريخ، قصة لا يعرفها الكثيرين، قصة كُتبت بالألم وبالمعاناة.

    قصة قوم يبحثون عن أثر لهويتهم المفقودة، ولكنهم يجدون فقط أشلاء من ذكريات مبعثرة، تتلاشى أصواتهم في صخب الحياة، وتتبدد أحلامهم في أفق مظلم، ويتأرجحون بين الأمل واليأس. يحاولون البحث عن معنى لوجودهم، ولكنهم يجدون فقط الفراغ والتشتت.

    ❞عرفتُ بعد سنين طويلة من محرقة الصحراء، أن هذه الإبل لم تكن تحمل متاعنا في هجرة الشتات فحسب؛ إنما وطننا المتأرجح على سنامها. ❝

    ‏تدور فكرة الرواية حول الجفاف الذي خَبط شمال مالي في عام 1973، الذي أدى إلى تدمير المواشي وجفاف والمراعي، هذا الوضع دفع الباقين من السكان إلى الفِرَار والهروب من محرقة الصحراء، تأثر الطوارق والعرب الحسّان بشدة بتلك المدّة الصعبة، حيث تم تشتيتهم وتفريقهم في دول الجوار بحثًا عن حياة أفضل ومصادر رزق جديدة.

    يتناول الكاتب في الرواية حياة هؤلاء الشخصيات ومعاناتهم في الشتات، وكيف تأثرت حياتهم وهويتهم بسبب هذا الجفاف القاسي، ونتيجة لمحرقة الصحراء اضطر الكثير من السكان المحليين والقبائل إلى الفِرَار نحو دول الجوار بحثًا عن مصادر للماء والغذاء، تكونت موجات هجرة كبيرة للناجين من الجفاف، وأصبحوا لاجئين يعيشون في المناطق المجاورة، يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

    ومع حلول سنة 1980، شهدت حكاية شعب الطوارق تحولًا جديدًا بعد أن أطلق "معمر القذافي" نداءً في مدينة "اوباري" جَنُوب بلاده، داعيًا الطوارق للانضمام إلى معسكراته وتدريبهم، ووعدهم بقيام دولة ازوادية بشمال مالي.

    ومع أنه تحققت رغبته بالاستفادة منهم في حرب جنوب لبنان والتشاد، ولكنه تخلى عنهم بقسوة بعدما نفذ مراده.

    تسلط الرواية الضوء على الصراعات الداخلية والتحديات التي واجهها الطوارق والعرب الحسّان في رحلتهم المؤلمة، وتظهر الواقع القاسي الذي عاشوه وتأثيره على حياتهم ومستقبلهم.

    تلك الرواية تاريخية وتوثيقية مؤلمة لحياة شعب الطوارق وتشتتهم، بدءًا من الصحراء الكبرى وصولًا إلى وضعهم الحالي، تسلط الرواية الضوء على كيفية تشتتهم وضياعهم بسبب وعد كاذب تلقوه.

    تنقل الرواية ببراعة وواقعية تجرِبة الطوارق ومعاناتهم، وتسلط الضوء على الصراعات والتحديات التي واجهوها في رحلتهم، وكيف أنهم تشتتوا وضاعوا في بسبب هذه الوعود الخادعة.

    رسم الكاتب الشخصيات ببراعة وأستخدم كل شخصية في مكانها بشكل متقن، وضع الكاتب في هذا العمل الأدبي شخصيات حقيقية جلبها من باطن المعاناة وسردها بشكل ممتاز، كما ركز على تفاصيل الشخصيات مما ساعد القارئ على تخيلها بسهولة وتخيل الأماكن والمعاناة، كما جعل الوصف متقن وعميق لإبراز صفات وأفكار ومشاعر شخوص العمل.

    سحرني الكاتب بقدرته على استخدام الشخصيات بشكل فعال يعطي كل شخصية دورًا مهمًا وتسخيرها لتطوير الحبكة الروائية وتقديم الفكرة بشكل واضح ومميز

    وعندما نتحدث عن الصحراء الكبرى، فإن أحد الأشياء التي تثير اهتمامنا هي اللغة التي يتحدث بها أهل الصحراء الكبرى ولا سيما لغة الطوارق، التي تُعرف باسم اللغة الطارقية، وهي لغة لها تاريخ طويل وثقافة غنية، وكما نعرف أن اللغة من أصل الحضارة وتاريخها، لذلك تعد اللغة الطارقية جزءًا هامًا من الهوية الثقافية، كما يُقال أنها تعود إلى مئات السنين، وهي لغة أمازيغية تُستخدم بشكل أساسي في مناطق الصحراء الكبرى في شمال إفريقيا، مثل النيجر ومالي والجزائر وليبيا، اللغة الطارقية هي رمزًا حيًا لثقافة الطوارق وتراثهم، وإن الحفاظ على هذه اللغة الغنية وتعزيزها يلعب دورًا هامًا في المحافظة على تراث الطوارق وتعزيز الوعي بثقافتهم الفريدة، وهذا ما جعلني أندهش لأن العمل جعلني أبحث عن أصل تلك اللغة والتعرف عليها أكثر، أحببتُ صدق وأمانة الكاتب في نقل الحياة بواقعية مفرطة وبلغتهم الأصلية ورغم معاناة بعض القراء واستثقال اللغة ومفرداتها الغير مفهومة بالنسبة لبعض القراء إلا أنني أرى أنها تزيد من تأريخ وتوثيق معاناتهم وحياتهم أكثر.

    لكي يكتب الكاتب رواية حول أحد الأحداث التاريخية المتخيلة في الصحراء الكبرى، يجب عليه فهم الثقافة والتاريخ والتقاليد الطوارقية، يجب أن يتعرف إلى تفاصيل حياة الطوارق وتنظيمهم الاجتماعي والثقافي، وكذلك تاريخهم وتطورهم عبر العصور. يجب أن يتعرف إلى القيم والمعتقدات والتقاليد التي تميز هذا الشعب.

    يجب أن يفهم التفرعات القبلية للطوارق والاختلافات بينها، فكل قبيلة طوارقية لها خصوصياتها الثقافية والاجتماعية والتاريخية، يجب على الكاتب أن يكون ملمًا بثقافة الطوارق وتفرعات قبائلهم وتاريخها، وتلك المعرفة الإثنولوجية الشاملة ستساعده في إنشاء رواية متميزة ومثيرة تظهر تمثلات الأحداث التاريخية المتخيلة في الصحراء الكبرى، وهذا ما فعله الكاتب بدقة كبيرة وعميقة للغاية.

    عند قراءتي للرواية، أجد أن أوراقها تسحرني بالأسلوب الأدبي البليغ واللغة المتقنة لقصة معاناة شعب لم أكن أعرف عن قصتهم شيء إلا بفضل هذا العمل التوثيقي.

    ومن خلال الرواية، ستحصل على نظرة عميقة في تجرِبة شعب الطوارق خلال تلك الحِقبة الصعبة، وكيف تأثرت حياتهم وثقافتهم بسبب الجفاف والتشرد والوعد الكاذب والحلم المستحيل.

    قام الكاتب "الصديق حاج أحمد" بقلم متقن وثقيل وأسلوبه السردي القوي والمؤثر باستخدام أسلوب أنا الراوِ المتعدد بمشروع روائي ضخم ينبض فيه حروفه بروح الصحراء وتاريخ الطوارق في روايته "منا قيامة شتات الصحراء". يستعرض الكاتب في هذه الرواية قصة مؤلمة تعبر عن تجرِبة الشتات والتشتت الذي أحيا فيها الطوارق، وكيف تأثرت بوعود كاذبة وتلاشي الأمل.

    رواية "منا قيامة شتات الصحراء" هي عمل أدبي تاريخي وتوثيقي مؤثر، مع لمسة روائية متقنة ومميزة تستحق الاطلاع عليها، حيث ينقل القارئ إلى عالم الصحراء وتجربة الطوارق بأسلوب روائي ممتع وواقعي ومحزن للغاية.

    Facebook Twitter Link .
    1 يوافقون
    اضف تعليق
  • لا يوجد صوره
    3

    مَنّا ــ قيامة شتات الصحراء» رواية الجزائري الصدّيق حاج أحمد: استنطاق ذاكرة الأمكنة وسرد البقاء

    سنة النشر :2023

    عدد الصفحات :373صفحة

    الناشر :دار الدواية للنشر والتوزيع والطباعة

    الى شتات صحراء شمال مالي في ذكرى وجيعة الجفاف…

    هكذا كانت المقدمة التي بدأتها الرواية والتي ناقشت موضوع متغاضى عنه وتم تجاوزه من قبل الكثيرين لدرجة اننا لم نعرفه الا من خلال هذه الرواية رغم اهميته وحزن احداثه بحكم انه غير مسار الصحراء وجعل شعوب الصحراء شتاتا بين مجموعة من الدول المجاورة .

    إنه ببساطة جفاف عام 1973 الذي اصاب صحراء شمال مالي وهم قبيلة الطوارق او التوارق كما تم اخذها بالرواية حيث انهم ينطقون العين غينا والتاء سينا والحاء خاء حيث ان الطوارق هم الشعب الامازيغي الذي يستوطن الصحراء الكبرى بجنوب كلا من الجزائر وازور شمال مالي وشمال النيجر وجنوب غرب ليبيا وشمال بوركينا فاسو وهم قبائل سكانها مسلمون سنة مالكية ولغتهم الطارقية بلهجاتها( تماجق، تماشق ، تماهق) والذين اصابهم الضرر البالغ من خراب العشب والنسل ومات منهم ما مات فحتى الابل الذي عرف انه يتحمل الطبيعة فانه لم يقاوم فكيف بالمواشي واما من بقي على قيد الحياة وجد نفسه مضطرا لهجرة قسرية لم تكن في الحسبان يوما حيث انقسمت هجرتهم الى اربع هجرات وهي : ❞ الأولى؛ نحو موريتانيا والنيجر وبوركينافاسو، الثانية؛ نحو الجزائر، الثالثة؛ صوب ليبيا، الرابعة؛ باتجاه بلاد الحجاز، هذه الأخيرة تأخرت قليلا، كما أنها اختصّت بشيوخ بعض القبائل العلمية، كآل السّوق، وآل كنتة، ودو إسحاق، وكَلّنْصَر، عندما ذهبوا للحجّ، طاب لهم المقام جوار ❞ المسجد الحرام بمكة المكرّمة أو المسجد النبوي بالمدينة المنوّرة، فوجدوا دكّات تبجّل علمهم؛ غير أن أكبر هجرة من حيث كثرة العدد المهول كانت للجزائر، أما أجلّها حدثا في مسألة وطن الأزواد وصداعه المزمن؛ كانت لليبيا! ❝ وكانت الهجرات نحو نيجر وموريتانيا والجزائر رحيمة بهم وان المسار الحقيقي الذي غير الاحداث من هذا الشتات والضياع والمعاناة هي هجرة ليبيا التي اسالت لعاب التوارق والذين كانوا قد عانوا الامرين مع نظام حكم ليبيا المتمثل بمعمر القذافي حيث وعدهم بالوطن المفقود الذي كانوا يمنوا النفس به بعد الكم الهائل من المعاناة والفقد حيث فتح لهم بالقرب من طرابلس معسكرات للتدريب وادخالهم بحرب جنوب لبنان وتصادمهم مع اسرائيل مما ادى لاعتقال بعضهم وايضا حرب اوزو بتشاد .

    الرواية كتبت بلسان حال شخص من هذه القبيلة يدعى راو عليم وشخصية بادي وسرد الاحداث بالتتابع منذ تواجدهم بالصحراء مع الجدة لولة وعثمان والتي كان لرحيلها الاثر المحزن عليهم خصوصا على حفيدتها بادي .

    تسمية الرواية جدا مميز ولم افهمه الى ان اطلعت على الرواية ف مصطلح قيامة يدل على هول الاحداث وهذه استعارة لغوية مميزة

    و ان "منا" ربطت بين زمنين مختلفين بين سبعينيات القرن الماضي والوقت الراهن والتي استغرقت من الكاتب لكاتبتها 5 سنين .

    .

    الرواية قطعة أنين وألم وحزن لشعب عانى الكثير والكثير .

    الملاحظة التي بدأت بها الرواية عن اللعة بقدر مااعطت طعما خاصا للعمل فأنها كانت بمثابة تحدي صعب للقارئ غير المتقن للهجة فهي رواية حزينة تطرقت لموضوع بصيغة تاريخية لكني عانيت كثيرا مع اللهجة التي لم اكن اتقنها وبفضل مساعدة خاصية الترجمة بتطبيق ابجد فساعدني ذلك كثيرا

    وتعلمت امور عدة لم اكن اعلمها فقد تكون هذه الرواية هي بدايتي للبحث عن ثقافات وشعوب لم يتطرق لها الكتاب الا ندرة .

    تقييم الرواية 3/5

    Facebook Twitter Link .
    1 يوافقون
    اضف تعليق
  • لا يوجد صوره
    4

    تبدأ الرواية في صحراء شمال مالي عام ١٩٧٣ مع عائلة من الطوراق اشتد عليها الجفاف كثيرآ ولذلك قرارت العائلة الهروب الي الجزائر هروبآ من جحيم الجفاف و الهلاك بعد ذلك أعلان القذافي عن نياته إقامة دولة ازوادية في شمال مالي ولكن بشرط وهو ان يذهب الطوراق الي ليبيا وفتح معسكرات التدريب لهم.

    قرار (بادي الطارقي) و رفاقه الذهب إلى ليبيا لتحقيق حلم بناء دولة ازوادية و كانت كل وعود القذافي مجرد فخ لهم و استخدام الطوراق كمرتزقة بعد أن غرر بهم لتحقيق أهدافه السياسية فقط

    نري مع بادي و رفاقه كل الأحداث من بداية ذاهبهم إلي ليبيا و تدريبهم و أرسلهم إلي جنوب لبنان ثم يتم اعتقلهم في المعتقل الاسرائيلي أنصار جنوب لبنان إلي ان يتم الإفراج عنهم وعودتهم الي ليبيا و ثم عادة أرسلهم مرة أخرى بحرب أوزو بتشاد سنة ١٩٨٨ ويتم اعتقالهم مره آخري و نري كل العذاب الذي مر به الطوراق من عام ١٩٧٣ حتي عام ١٩٩٠ و نسمع في الخلفية عن ثورة كيدال و نسمع آيضا عن ما فعله بهم الاحتلال الفرنسي وما مر معهم في الثورة و الاحتلال.

    صراحتآ هذه أول قراءتي عن تاريخ الطوراق كنت دائما اسمع عن الطوراق وهذه اول مرة اعرف تاريخهم القاسي .

    ابدع الكاتب الصديق حاج أحمد في وصف هذا التاريخ و جعلها رواية تاريخية من النوع الثقيل و يوجد في الرواية الكثير من المميزات أولها الجغرافية شرحها الكاتب بشكل رائع ، ثاني ميزة المعلومات التاريخية الدقيقة، ثالثا العادات والتقاليد الطارقية وصفها الكاتب بشكل مذهل ، رابعا جعلنا الكاتب نعرف ما نحن مقبلين عليها من أحداث مثلا نحن نعرف إنه سوف يتم اعتقال بادي علي يد الاحتلال الاسرائيلي و هكذا في كل الأحداث و علي رغم من ذلك كان يوجد فضول لمعرفة كيف حدث ذلك

    استطاع الكاتب ان يجعلني ارتبط بشخصية (بادي) شعرت معها بالبؤس و حلم انشاء دولة ازوادية و الشعور بالأمل ثم الشعور بالشك و شعرت معها بؤس كلمة (ربما) ثم مواجهة الحقيقة و الإحباط و آيضا الشعور بالخوف من فقدان الحبيبة هكتا و الكثير و الكثير من المشاعر الاخري

    عيواب الرواية من راي أول عيب هو التسلسل الزمني لم يتبع الكاتب التسلسل الزمني الطبيعي في الفصول بالعكس في أول فصل نكون في 1973 وهروب الطوراق إلي الجزائر ام ثاني فصل نكون في معتقل الأنصار في جنوب لبنان عام ١٩٨٢ و هكذا مع باقي الفصول و بسبب ذلك شعرت بنوع من الارتباك والتشتت وهذا عيب كبير من رأي و بسبب ذلك في بداية كل فصل حاولت معرفة الفترة الزمنية التي يتحدث عنها الكاتب في هذا الفصل.

    ثاني عيب من رأي هي اللغة كانت معقدة الي حدآ كبير اينعم في بداية الرواية تحدث الكاتب عن تبديل الطوراق بعض الحروف بأخرى و حدد الكاتب ما هي هذه الحروف ولكن شعرت إن هذه الرواية ليست مواجهة إلي كل الوطن العربي بسبب تعقيد اللغة و وجود الكثير من المصطلحات الغير معروفة لكل لو كانت اللغة ابسط لكانت أفضل و استطاعت ان تصل لكثير من القراء .

    و في النهاية استمتعت كثيرآ بالرواية و أضافة لي الرواية الكثير من المعلومات عن الطوراق و يمكننا القول ان هذه الرواية هي تآريخ و توضيح للأحداث بعين الطوراق. وتستحق الرواية للترشح إلي القائمة القصيرة لبوكر و انصح بقراءة هذه الرواية بشدة .

    التقييم : 4/5

    Facebook Twitter Link .
    1 يوافقون
    اضف تعليق
  • لا يوجد صوره
    5

    مَنّا : قيامة شتات الصحراء..

    من تأليف الصديق حاج احمد..

    تحكي رواية منا عن التوارق الازواد و معاناتهم مع منا ومنا كما تحاول شرحها الرواية هي الجفاف و القحط بلغة التوارق.

    و هنا نستطيع أن نفترض أن موضوع الرواية هو الجفاف الذي راح ضحيته الكثير و الكثير من الازواد و إن كنت لا تعرف الازواد فيمكنك أن تتابع حكاياتهم الروائية مع منا فهم الازواد الذين خاضوا حروبا هروبا من الموت.

    تحاول رواية منا من خلال هؤلاء الازواد استحضار مأساة البشر الذي يحاول الهروب من الموت ليعثر عليه بشكل آخر فتتعدد الخيارات لكن يبقى الموت هو دائما واحد و تتعدد الحكايات لكن حكاية الازواد هي المكان.

    و لا ننسى فاجعة الجفاف لسنة 1973 التي حلت بصحراء شمال مالي ثم استحضار الرواية لكل ما له علاقة بالصحراء...لغة أهلها...عاداتهم...تقاليدهم و كل ما يمكن أن يشكل طبيعة هذه البيئة من موروثاث لهذا أرغم الناس على الرحيل الى بلدان عدة منها الجزائر و ليبيا.

    الرواية تتابع ثوثيقها سرديا لكل ما له علاقة بالازواد و التوارق و كل ما نجهله عنهم و عن ثراثهم و ما يميزهم من فن موسيقى و غيرها من الامور و كذا عن تمسك الازواد بكل ما يربطهم بهويتهم.

    و في نهاية الرواية ندرك أن «منا ــ قيامة شتات الصحراء» هي رواية مقاومة الموت في سبيل قيامة الحياة.

    استمتعت في قراءة الرواية فقد سافرت بي في رحلة لمعرفة معاناة الازواد من مَنّا.

    Facebook Twitter Link .
    1 يوافقون
    اضف تعليق
  • لا يوجد صوره
    5

    قطعت رواية منا شوطا كبيرا في ثراء الرواية العربية والجزائرية على وجه الخصوص في ترسيم جزئية الصحراء ضمن محاور السرد واخضاع تفاصيلها ومكوناتها للعمل السردي ،كما جاءت لتمثيل هوية وطنية وتراثية قبل ان تكون افريقية بما صورته من ملامح افريقية .

    اذ وقف الروائي الجزائري الحائز على جائزة البوكر العربية 2023 على نفس الرواية ،وقف يلخص ابعاد سياسية واقتصادية وحتى جغرافية تجاوزت حدود الاقليمية الى قضايا راهنة ،القضية الفلسطينة ،مثلا ودور ليبيا في قضية ازواد .

    كما استحضرت الرواية قضايا ايديولوجية يثبتها التنوع العرقي الذي حكم الرواية من خلال شخصيات تمثل مختلف الاعراق من دول الجوار الى الجزائر ،وماتحمله كل شخصية من تفاعلات فكرية .

    وبذلك يثبت الروائي أن رواية الصحراء ليست مجرد استنطاق لمعالم جغرافيا ،بل هي اثبات لإيديولوجيات متشاكلة بين الجزائر ودول الجوار .

    وتحاول هذه الورقة العلمية إماطة اللثام عن ابعاد هذا الثراء الثقافي ،الحاصل من التنوع العرقي ،والبحث في مظاهره ودلالاته في دراسة مقارنة بين الثقافة الجزائرية ومايوازيها في دول الجوار التي تشملها احداث الرواية .ودور ذلك في بناء عناصر جديدة لرواية الصحراء .

    Facebook Twitter Link .
    1 يوافقون
    اضف تعليق
  • لا يوجد صوره
    3

    منّا: قيامةُ شتاتِ الصحراء – أو كيف تقول أشياءً مُهمّة، بطريقةٍ غاية في التعقيد:

    ❞ ليس مخطئا من قال؛ إن هذا الوطن متأرجح على سنام الإبل!! ❝

    في الوقت الذي قررتُ فيه أن أقرأ رواية منّا، للكاتب الجزائري الصديق حاج أحمد، تشجيعًا من مسابقة أبجد كي أبدأ مشروعَ كلّ سنة –ولا يكمُل في أيّة سنة- لقراءة القائمة القصيرة للبوكر العربية، وينتهي بقراءتي للرواية الفائزة وحدها. المهمّ، في ذاك الوقت صُودِفَ أن كنتُ أقرأ بالتزامن مع منّا كتابَ "في أثرِ عنايات الزيّات" للشاعرة المصريّة إيمان مرسال، ورغم أنّي أؤمن بأنَّ للكتبِ مقدرةً سحريّة –وساحرة- على اختيار قارئها في الوقت الذي يحلو لها –أو هو فقط عقلي الذي يحبُّ الربط بين المقروءات المتوازية-، إلا أنّ التقارب بين الكتابين –وكذا الاختلاف- كان صارخًا؛ كلاهما يريدان نبش تاريخٍ منسيّ لأُناسٍ –مُستعينًا بلازمة بطل الرواية السجين؛ فأقول "ربّما"- لم نوفهم حقّهم المُستحق من الاهتمام، أو، "ربّما"، غارقين في مركزيّتنا الأوروبيّة والأمريكيّة –و"ربّما"- المصريّة، لم نكن نعلم أنهم موجودون أصلًا، يعانون في بلدٍ قريبٍ أو بلدٍ بعيد، لأسبابٍ خارجة عن سياقات صُنع أيديهم، وحظوظهم، ثمّ جاء الكاتبان ليسردا علينا تلك الحكايات المُبهِرة؛ كي نعلم أنّ العالم كبير، وأنّنا بحاجة للخروج –قليلًا- خارج فقّاعاتنا الصلدة المُزيّنة بكُتب الـbest sellers، وبـتريندات فيسبوك وتويتر، وبترشيحات أصدقاءٍ تماثل ذائقتهم خاصتنا. وأنا هنا أتحدث بصوتي، وأنا أعتبرُني قارئًا متوسطَ الحال، من أولئك الذين سيمتعضون لدى قراءة الصفحات الأولى من منّا ويشعرون بعدم الراحة وبالتهديد وبخيبة الأمل وييأسون، أو يجدون جهدًا كبيرًا، لا فائدةَ من بذله، في قراءة مواضيع غير شائعة وغير حيويّة؛ كمثلِ كاتبة شابة كتبت رواية واحدة ثم انتحرت في الستينات، أو عن قبائلَ تارقية وعربيّة حسّانيّة مُشتّتة بالكاد نفهم لغتهم يخوضون حروبَ استقلالٍ مع دولٍ أفريقية سمعنا أسماءها من قبل بالصدفة، مع اختلاف طريقة تقديمِ وسرد الحكاية بين الكاتبين، وهو ما أعتقد أنّه فرّق -أو سيُفرّق- بين استقبال وشعبيّة الكتابين. ولا أنكرُ أنّي أحببتُ "في أثر عنايات الزيات"، وأنّي مع "منّا" شعرتُ بعدمِ الراحة وبالتهديد وبخيبةِ الأمل، لكني لم أيأس.

    ملحوظة أخيرة في تلك المُقدّمة الطويلة: زامنت قراءتي لمنّا مع حرب السودان الجارية –أنهى الله الحروب كافًة وحفظ المدنيين الأبرياء- وأخترتُ أن أرى تشابهًا بعيدًا بين الحدثين، بيد أنّ معاناة أخوتنا البشر مُتشابهة في عمومها وإن اختلفت تفاصيل العوامل. وأضعفُ مثلٍ على ذلك اقتباسٌ في الفصل الرابع يقول: ❞ في حي النّجاة، وفي غيره من أحياء شتات أهل الصحراء، هناك محتالون وسماسرة، من أولئك ليفاماميستْ، احترفوا العزف على أوتار هموم مواطنيهم بالصحراء ❝، وأعتقد بأنّ من يسمع من السودانيين عن استغلال أصحاب مواصلات النجاة للحرب فارتفعت أسعار التذاكر لما يُقارب –وهذا ما سمعته- سبعة أضعاف السعر المعتاد، وكذا الحال مع بائعي الماء في الشوارع ومورّدي الأطعمة والإنترنت والرصيد إن وُجِدَ، سيتذكر الحال عند قراءة ما حلّ بالإزواديين من استغلالٍ ومواعيد كاذبة ومُضنياتٍ لا قِبلَ لهم بها.

    ***

    من أجلِ معرفة ما يحدث –

    يكفي تلخيص الرواية الموجود على أبجد للتعريف ببيئة النص الجيوتاريخيّة بالقدر الكافي لبدء الخوض في السرد الشاق؛ كقاربٍ بلا جدّافات لبحّارٍ غَرّ يعاكس اتجاه النهر عند مصبّه، وهو، على خِلاف اسم الرواية، أو الفيديو الترويجيّ القصير المنشور على صفحة جائزة البوكر العربيّة على فيسبوك، غير خادعٍ بفحواها؛ فهذه ليست رواية عن جفاف 73 فقط، بل حكاية تتّخذُ من الجفاف ذريعة البدء، وتستطرد عن الغربة، والتاريخ، والأحلام المفقودة، والصراعات الدونكيخوتيّة مع طواحين هواء مُسلّحة وهميّة، وأن يجد الإنسان نفسه في بحثٍ دائم عن وطن الهويّة المُستقر، وعن فشل سعيه في ذلك.

    ولن أُعيدَ هنا سرد تاريخ ما قبل القصة، فكلّه مُوجز بخفّة بدءًا من صفحة 158، مع معلوماتٍ منثورة بين الأسطر داخل النص؛ الشيء الذي كنتُ أُفضّل لو أُوجِز في مقدمة الرواية، أو سارت بترتيبها الزمنيّ الصحيح، رأفةٌ بالجاهلين مثلي، وتسهيلًا لقاريء الألفية الجديدة شديد السرعة في الشعور بالملل والمُمتليء أصلًا باحباطات الحياة والنصوص، أو فضّلتُ لو رُسِمت حتّى خريطة توضيحيّة مُبسّطة، أو أُضيفت حواشٍ تفسيريّة قليلة لتفسير ما يصعب حقًّا استدراكه منفردًا على غريبٍ عن تلك المنطقة وتاريخها. لذلك، ولأنّ القفز الزمني في ترتيب الفصول لم يُرحني، أريدُ فقط أن أنوّه للترتيب التاريخيّ الحقيقيّ لحدوث الفصول، وهو واحد، يليه أربعة، ثم ثلاثة، فاثنان، فخمسة.

    إذًا، أقّدمُ هنا، في هذه المراجعة، رأيي الشخصيّ جدًا، مع وضع الاقتباسات الصديّق حاج أحمديّة داخل قوسين.

    ***

    واحد؛ من أجل أن يُقال: عن اللغة –

    هذه رواية مرهقة، طعمها كطعم الترحال في فم كارهيه.

    طوال الرواية خامرني شعورٌ أسود بالقلق، ربما مقصودٌ بذلك الاستخدام المُتحذلق للغة للتعبير عن الحالة الشعوريّة لقلق التوارق، أو هو جفافٌ لغويّ مُعنى به لحدّة البيئة التي جاء منها النص أو الكاتب، أو لعلّها مطبّ صناعيّ لانتقاء نخبة المُهتمين أو المُثقفين طويلي البال، لكني أعتقد أنّ الكتب ليست حكرًا على المُهتمين أو النخبة، ولا يأتي في بالي إلا مَثَلُ الأشياء التي نعرفها عن أمريكا ونجهلها عن بلادنا، فقط لأن السينما الأمريكية عرِفت كيف توصلها لنا، بأقل الطرق غموضُا، وأكثرها جذبًا وسحرًا؛ عرفوا كيف يحكون الحكاية، وكيف يسردون التاريخ، وصار الحق عند مَنْ أحسنَ سرده. فحرامٌ أن تُظلم قصة مهمة بسفسطة لغوية لا داعي لها ولا شارح يخفّفها.

    ورغم ذلك، لا تظلّ اللغة عائقًا مهولًا مع استمرار القراءة، ينفكُّ ضيق الأفق ويُعتاد على اللهجة، وتُسقط من عيني القاريء الكلمات التي لا يستسيغها فيعبر فوقها بغير غصّة وبغير انقطاعٍ للفهم، بل قد يصل لحد الضحك من فكاهة خفيفة مُتعلِقة باللغة حين يقنع بجهله في فهمها، فمثلًا هذه العبارة: ❞ أخبرني جارنا الحسّاني الكنتي، بايْ ولد حيبلّة - عفوا آغ خيبلّة - بحي رجل أكرمكم الله؛ أنه يعتزم الذهاب إلى دشرة أدرارْ، عند أهله بحي بني وسكتْ، ❝ رسمت على وجهي ابتسامة، حين أدركتُ نمط الحديث التارقي بتغيير مخارج الحروف. وأدركتُ كيف استخدمها الكاتب بأن جعل اللغة الفصيحة على لسانِ الراوي المُحايد أو العرب، وجعل اللهجة التارقية على لسان الأزواد حين يروون أو يتكلّمون، والتبديل بين الحاكي والراوي والسرد المُطلق والسرد الحواريّ مُبهر، ولكن هذا يأتي بعد قليل.

    مثلٌ مُضاد، القول: ❞ ‫(أتْفو مَنّو عام شينْ أيْحَشْمو لَفّينتي!)؛ كما قالت عجوز حسّانية، وتبعتها أخرى تارقية في نفس السياق تقول؛ (وَرْتيدْ أسوغَلْ يللّه.. يَبْضي! يَبْضي!). ❝، وأنا لا أعلم معنى ما قيل هنا، ولو كان مشروحًا حتى في حاشية لكان أفضل من أن أُسقِطهُ بنفسي من مَتن فهمي.‬‬

    وحتى نختم نقد اللغة، خرجت من الرواية وأنا لا أعرف معنى كلمة فاماميست، لكنّي متصالحٌ مع جهلي، ولا أريدُ أن أعرف.

    ***

    اثنين؛ من أجلِ كيفية القول: عن التراكيب –

    أنا أحبُّ التلاعب اللغويّ وإثراء اللغة المنطوقة والمكتوبة باشتقاقاتٍ جديدة تُضايق عبدة اللغة المُتحجّرون، والرواية هنا زاخرة بتلك الكلمات المٌختلقة، والتي إن كانت مُقلِقة ومُوتّرة في البداية، إلا أنّ نمطها سرعان ما يسهًل ويدرج؛ كمثل قوله: ❞ سوى غبار تيوتاه ❝ ولم يقل :"سوى غبار سيارته التويوتا" أو "سوى غبار التويوتا خاصته".

    لكنّي لم أرتح بتغيير الاشتقاق نفسه بين مرةّ ذِكرٍ وأخرى؛ لأنّي وإن كنتُ أحبُّ التحريف اللغويّ، إلا أنّي أعتقد بأن تحريف التحريف –أو جعله بغير قاعدة ثابتة مُحرّفة- مُربِك ومُنفّر؛ فمثلًا: سجن التشاد كُتِبَ اسمه جوندماريا مرّات، ومرّات أُخر كُتِبَ جندماريا، ولمّا جعله وصفًا قال ❞ في كل صباح جندماري أنْجاميني، ❝، واشتقاقة أنجاميني هنا من اسم العاصمة أنجامينا. ناهيك عن الاشتقاقات المفهومة من الفرنسية، بالحذف الجزائريّ لألف آل التعريف، فيقول: لفرانسيس، قاصدًا الفرنسيين. وبوليتيك أو بوليتيكيست، قاصدًا السياسيّين. وأمنوكال، أو تُضاف لـ"نا" الفاعلين فتصير "أمنوكالنا"، ولا أعرف معناها وإن كنت أخمّن أنها أقرب لأمين أو أمين وكالة. ولندع جانبًا الاشتقاق من أسماء القبائل الأزواديّة، كان الله في عون ناطقيها.

    ***

    ثلاثة؛ من أجل مُتعة الحكي: عن السرد –

    إذا تخطّينا حاجز اللغة، جاء ترتيب الكلام جوار بعضه؛ السرد كان لطيفًا وإن شابه التكرار المُبالغ فيه، والتفصيل بغير هدف؛ ففقرات طويلة تضييع في التفصيل أو التكرار الصِرف؛ الكاتب فصّل كثيرًا وأعادَ وأزادَ تكرار ما قاله، ربّما، لشعورٍ خفيٍّ خامره بأنّ صعوبة اللغة المُستخدمة، والأسلوب الجاف التأريخيّ أضاعا الفكرة والحدث عن ذهن القاريء، فلجأ للتكرار حلّاً لذلك، وهو ما لا أتّفق معه إطلاقًا، ولا أستسيغه، ولنا في الفصل الثالث أمثلة مهولة على قول الشيء نفسه مِرارًا بصِيغٍ مُختلِفة: فهو يكرر المعلومة ذاتها: وهي وعد القذافي ورغبة الأزواد في وطنهم الحرّ، مرّتين في الصفحة الثانية، ومرّة في الثالث، وأخرى في السابعة، وخامسة في الحادية عشر. ثم يكرر انشقاق رأيهم عن الذهاب لليبيا أو البقاء في الجزائر مرتين بصيغ متقاربة؛ في الصفحتين 8 و64 من نفس الفصل، وهلمّ جرًّا.

    وإذا كنتُ راغبًا عن كثرة التفصيل والتكرار، فالضدُّ موجودٌ أيضًا؛ إذ بعد صفحات طِوال عن أحداث عابرة وتافهة، يأتي حدثٌ كبير يٌحكى فقط في سطر أو اثنين، وشكرًا. وأنا أميل للسرحان، في هذه الرواية أو في غيرها، ومنّا تغويك بالسرحان لحالها، فما بالك بزيادة مقصودة لعوامل التيه؛ أفقدُ تركيزي فأعبر على فقرة دون تركيز، فإذ بي أجدُ في تاليتها مناحة على شخصيّة ماتت أو تبدّلًا مُجحفًا وغير مُبرَّر في الأحوال، فمثلًا: صفحات أبديّة تذهب في وصف الطريق والترحال والتويوتا والرفقة وإلخ إلخ، ثم يموت سوخا رفيق البطل في ليبيا والتشاد –وهو المُفترض أنّه شخصيّة أساسية في الرواية- في سطر بالعدد: ❞ صاحبنا سُوخا، ولسوء حظّه العاثر كان يفرغ بطنه، فقُتل هناك، وأتمنّى من قلبي، أن يكون قد تطهّر❝. أو تُنفق الصفحات في ساعات وأيام ثم تنسلق أشهر وسنين في سطر، كقوله: ❞ ‫ مع منتصف الثمانينيات، تماما بعد مكوثنا بمعسكر ٢ مارس، لأكثر من عامين؛ يقول بادي.. ❝، و ❞ ‫ بعد ثمانية أشهر من هذا الترحيل القسري، لشتات أهل الصحراء بتمنراستْ ورقّانْ وأدرارْ وبرج باجي مُختار، وتيمياوينْ وتينْ زَواتينْ، بلغني ما بلغني بمعسكر ٢ مارس؛ خبر مفاجئ غير متوّقع بالمرة والله. يفيد ترحيل خالي بَتّو وأهله إلى شمال مالي ❝ وبين هذه الفقرة والتي قبلها ثمانية أشهر حرفيّة.‬‬‬‬

    أيضًا في طريقة الكتابة يتبدّل صوت الراوي كثيرًا، بين بطلٍ وآخر، وإن غلب على الحديث سردَ بادي، وبين راوٍ عليم، مرةّ تارقيّ، ومرّةً مُحايد. وهذا التبدّل الذي يشابه ما يفعله سارماجو في كتابته كان ذكيًّا وحَذِقًا ومُربِكًا قليلًا، لكنّ الكاتب استعان بذلك على تبدّيل التوارق للحروف العربية، كما سبق وقيل، أو باستخدام فعل القول ويليه المُتحدّث.

    ***

    أربعة؛ أن تقول دون أن تقول: عن البلاغة –

    التشبيهات الصريحة في مجمل الرواية قليلة، واستعاض عنها الكاتب بتشبيهاتٍ لغويّة صِرفة أو تشبيهاتٍ بيئيّة جاملت روح النص الصحراويّ الجاف. ولعلّ هذا التشبيه أكثرهم إمتاعًا لي؛ لأنّه ذكرني بكتابة طيّب الذِكر ماركيز، والله: ❞ ذات مساء من شهرهم الخامس بالمعتقل، وفي لحظة انفراد صحراوي خالص، أعرب علواتة لمثلّثه التماشقي، غرائب أحد المسنّين العرب بإحدى خيّم المعتقل أول ما وصف هذا الشخص، قال؛ (شَيْباني). للدلالة على الرجل السبعيني، من قاموسه الحسّاني، مائل للاحمرار قليلا، تماما كجلود تخييم المعتقل، بعدما امتصّت الشمس شبابها، خلال أيامنا الأخيرة بالمعتقل، حيوي، عيناه بالجتان، أقرب للبدانة، مُرقّش بالبرص، ورغم هذا البلاء؛ لكنه مستملح المعشر، (أسْكيْ)عليه. ❝.

    ومن الإنصاف أن نقول بأن الكاتب غالى في بعض بلاغته اللغوية لحد التحذلق البلاغيّ: فكنى عن علواتة في معتقل أنصار، ثلاث مرّات بكناياتٍ ضحلة ومبتذلة، فقال: ❞يقوم ممثّل أخوالنا الشّمنمّاسْ بالمعتقل،...❝، و❞ يضيف الجسر العابر بين صحراء شمال مالي وأنصار... ❝، و❞ يضيف الشارح المُحشّي لطِف الله به... ❝.

    وأتي أخيرًا على ذلك التشبيه الذي أربك استساغتي اللغوية: ❞ وتذّوقتُ شهد حلاوة عذاب معتقل أنصار الإسرائيلي❝.

    ***

    خمسة؛ خير الكلام ما قلّ ودلّ: عن التحرير –

    هذا النص الزخم كان بحاجة ماسة لتحرير يقصُّ تكرارت حشوه، ولنا في هذه الفقرة مثال: ❞ أضحتْ لازمة جواب تحقيقي معه (ربما)؛ هي كلامي، كل من يسألني أو يطلب مني أمرا أقولُ؛ ربما. حتى أطلق عليّ الرفاق السجناء الظرفاء؛ (ربما) التارقي.‫ مُذ جواب ذلك التحقيق، لم يعد لاسم بادي ذكر في سجن جوندماريا، لا تسمع إلا؛ (ربما) التارقي أو (ربما) الأزوادي أحيانا، فيما راح الإمغادي والحسّاني معنا، نعتي؛ (ربما) الإدناني❝.‬‬

    ***

    ستة؛ رأفةُ بالتلاعب الزمنيّ: عن المنطق –

    أعتقد أنّي لمحتُ، وسط إرباك تبديل ترتيب الفصول والتسلسل الزمنيّ المجهول للاحداث، إسباقًا لذِكر حدث لم يحدث بعد، وأتمنى أن اكون مُخطئًا في ملاحظتي هذه وخدع الزمن عقلي المرهق:

    في صفحة 81 من الفصل الثالث، وبينما بادي مازال في معسكر بني وليد في ليبيا، يُقال: ❞ بعد قضاء تسعة أشهر من التدريبات بمعسكر بني وليد، والتدرّج في فنون تدريب مشاته وسلاحه الخفيف، هلّ علينا أزواديون جُدد، توارق وعرب، أغلبهم شباب مثلنا، حمل أحدهم من برج باجي مُختار، هدايا لي من أمي، وخطابا لسُوخا عن تحوّل أهله من برج باجي مُختار، بسبب عجز والده المقعد عن سداد ديونه، كما توصّلت من أزوادي إفوغاسي آخر جديد، قدِم من حي تهقّارت الشّومارة؛ برسالة قصيرة جدا، مكتوبة بالتيفناغ من حبيبة الخاطر؛ هُكَتا❝.

    ثمّ يخبرنا بفحوى رسالة هُكتا في صفحة 85 من نفس الفصل، فتقول: ❞ (سلام بادي. سمعتُ أنك عدتَ من جنوب لبنان، وانخرطتَ في معسكر ٢ مارس لتدريب الأزواديين، أتمنى أن تكون بخير، أنا بخير كذلك، مع أن حالتنا الاجتماعية تدهورت، وكثر أطماع أهل المال في إغراء خالك، ما أسال لعاب أمي؛ لكني باقية ❝.

    لكنّ هذا لم يكن قد حدث بعد، ولا مُهّد له، فرغم أنّ رحلة جنوب لبنان ومعتقل أنصار قد ذُكِرت في الفصل الثاني، إلا أنّ الفصل الثالث يسبق الثاني زمنيًّا، ووقت ورود تلك الرسالة إلى بادي، وهو في معسكر بني وليد كما هو مُوضّح في الفقرة الأسبق، لم يكن قد سافر للبنان ولا عاد لليبيا وانضم لمعسكر 2 مارس بعد.

    ***

    سبعة؛ من أجل أن أقولَ رأيي: عن النقد الإبداعي –

    هذه الرواية، كما قلتُ في المقدمة، مُهمّة؛ تتحدث عن موضوعٍ مهم وفترة تاريخيّة حَرِجة لأقلية قلّما تجد صوتها مسموعًا ومحكيًّا، إلا أنّي لا أظنّ أنها في تمام التوفيق؛ فقد رزح الكاتب تحت ثقل التأريخ ورمال الصحراء المُتحركة والجفاف المعنويّ واللغويّ، وأضاع من الرواية تعريفها، فأنقلبت قصة ترحال غير مُكتملة –لا كدروز بلغراد ربيع جابر مثلًا-، وقصّة حب باهتة لم أشعر أنّها تضيفُ بُعدًا إنسانويًّا فردانيًّا للحدث، ولا حتى قصص الموت فعلت، كأنّها كتابة تاريخية للتأريخ الصِرف، حرى بها أن تُكتب في مقال أو قصة أو ما شابه قصيرًا.

    الجفاف في منّا لا يُعطِش، والحب في منّا لا يحرق، والحرب في منّا لا تثير غثيان أحد، والسجن في منّا رماديّ، ووطن الأزواد في منّا قضية طرحت بشكل لا يلمس مشاعري كقاريء، حتّى الشخصيات في منّا كانت أحاديّة ومائعة، لا مشاعر لها وإن كُتب عن مشاعرها فهي سطحيّة ومُفتعلة، لا تتطور ولا تنبض بالحياة ولا تمتلك متعة الارتباط الروحيّ والشعوريّ مع قارئها، بل ويمكن اعتبار كل الشخصيات عدا البطل بادي ثانويّة، حتى الشخصية الرئيسة بادي نفسه أحسستُ بأن الحبّ مُركّب على شخصيّته تركيبًا بالفوتوشوب، فلم نرى في الرواية غضبه أو حزنه أو اعتراضه أو تفكيره المجرّد حتى، وتأتي الطامة بتلك الفقرة التي أكّدت لي ملوحة وجفاف طعم شخصيّة بادي: ❞ ‫ قلتُ في نعامتي؛ لستَ خاسرا يا ابن الأزواد.. تدرّبتَ على السلاح وخوض المعارك، اكتسبتَ ثقافة عسكرية وخبرة ميدانية، وفوق هذا تعلّمتَ الحسّانية واللّهجة اللّيبية، ومن يدري!؟ قد تكون يوما ما؛ سفيرا للأزواد بطرابلس الغرب أو نواقشوط. ❝، فبعد كل ما حدث فيه وله، وفي أهله ولهم، يبقى هو متفائلًا مُحايدًا فاترًا مُفتعَلًا بعدما أفنى حياته في قضية خاسرة بعقلٍ ساذج صدّق مرارًا وعدًا شفهيًّا من ديكتاتورٍ أرعن وخرج من المولد بلا حمّص؛ فإمّا هو سكرانٌ بهوّيته وقضية وطنه، أو هو ليس بإنسان.‬‬

    بالمُختصر؛ منّا هي رواية جافة عن الترحال والجغرافيا والتاريخ والتحذلق اللغويّ، وليست رواية عن بشرٍ وآمالٍ وأحلامٍ وأوطانٍ وحروب.

    ***

    ثمانية؛ الختامُ أخيرًا:

    أختمُ هذه المُراجعة الطويلة، وهي أشبه بدراسة قصيرة حذفتُ منها تلخيصًا مُطعّم بالاقتباسات كي لا تصل لضعف طولها الحاليّ، أمتنُّ لوقتَ قارئها، وأعتذر عن زخمها، ولكنّي أعتقد أنّها مُستحقة لرواية فريدة ودسمة –وإن لم يُعنَ دائمًا بهذا الوصف مديحًا- باقتباسين ختاميّين هما:

    ❞ ‫ لا عزاء لنا اليوم، إلا أن نسليَ النفس بالقول؛ لم نخسر شيئا، هذا هو النضال من أجل الوطن، لابدّ من تضحيات ثمينة، فقدنا فيها رفاقا بتشاد، كالشهيد سُوخا العزيز، وغيره من توارق وعرب أزوادنا المُفدّى عليهم رحمة الله جميعا، وأُسر البعض كحالنا، فيما بقيَ البعض في عداد المفقودين إلى يوم الناس هذا، كالرفيق غلواتة العظيم! ❝‬‬

    ❞ بادي غارق في نومه تحت خيمة خاله، لا يعبأ بشيء من أمور الدنيا حوله، دخل في حالة رفع الحرج والقلم، سبح بعيدا في أحلامه، يكون ذلك بعد شهر من واقعة مَنَكا التاريخية، صحيح أنه رأى في منامه، علم أزواده يرفرف عاليا خفّاقا في السماء على جبال كيدالْ، وبوادي تيلمسي ووديانها، وصحراء مَنَكا كما توقّع؛ لكنه في الوقت ذاته، شاهد كل ذلك محمولا على جمل يتمايل به في غمرة ريح قوية تعصف بالمكان ❝.

    وشكرًا.

    ***

    Facebook Twitter Link .
    0 يوافقون
    اضف تعليق
  • لا يوجد صوره
    4

    ملخص الرواية:

    يبدأ كاتبنا الزيواني كما يُلقب بمقدمة مشوقة بعض الشيء رغم ثقل كلماتها عن إيجاده لكتاب يسمى (التبر المنسي في أخبار صحراء تيلمسي). وينبهنا باختلاف النطق التارقي لحروف العربية وإبدال بعض الحروف.

    يستهل الكاتب الرواية بالحديث عن عام الجفاف الكارثي الذي حل في عام 1973 وأضطر التوارق إلى هجرة إجبارية إلى المجهول، يتحدث الكاتب عن معاناة أهله في رحلة الوصول التي كانت في غاية الشقاء والصعوبة، فتوفى في الطريق بعض الناس من القبيلة لعدم تحملهم ظروف الصحراء القاسية ونقص الإمدادات والطعام وبالطبع كثير من الماشية لقت حدفها في ذلك الطريق الشاق. تتوفى كذلك الجدة لولا التي كان يحبها بطلنا بادي وأضطروا إلى دفنها في الصحراء، ومن كثرة الأموات لم يجدوا أكفاناً تكفي الجميع حتى يسميه الكاتب عام عزرائيل لكثرة الأموات. وطبعاً في تلك الظروف يظهر المستغلون من دلائل الطرق الذين يطلبون مبالغاً طائلة مقابل إرشادهم في الصحراء، والتجار الذين يشترون الماشية مقابل حفنة قليلة من الطعام.

    يتحدث بادي في الطريق عن معاناة أهله منذ الاحتلال الفرنسي 1893 وتقسيمهم لأرضهم كما يريدون، وحتى عندما عقدوا صلحاً مع مالي وتركوها في 1960، لم يتم مراعاة استقلالهم وضمهم الاحتلال الفرنسي لمالي قهراً. ثم قاموا بثورة كيدال في 1963 والتي شارك فيها التوارق وحتى بعض العرب وتم قمعهم بمنتهى القسوة من الحكومة المالية بقيادة موديبو كايتا وقائد جيشه ديبي. ثم الكارثة الكبرى التي شتتهم في الصحراء بسبب الجفاف الذي حل بالصحراء في 1973.

    تصل القبيلة بعد رحلة طويلة استغرقت الكثير من الأيام والأرواح إلى برج باجي مختار جنوب الجزائر وتجد فيه رعاية جيدة وأماناً من الجزائر التي وفرت لهم بقدر طاقتها موارد العيش.

    يذهب بادي برفقة بعض زملائه في القبيلة إلى ليبيا، بعد سماعه لوعود القذافي في إنشاء وطن الأزواد المزعوم. كانت تلك الرحلة أيضاً شاقة ولكنهم وصلوا في النهاية ويتنقلوا بين بعض الأعمال رغم استقرارهم في أحدها، ويظهر الكاتب في ذلك الجزء ميل التوارق إلى السفر وعدم الاستقرار في مكان واحد حتى لو كانت الظروف جيدة، ثم يذهب بادي برفقة زملائه إلى معسكر بني وليد حيث يتدربون فيه على السلاح محملين بأحلام الوطن. وتبدأ الشكوك في حقيقة ذلك الوطن ولكن سرعان ما تعود وعود القذافي وسعيد القشاط بجمع شتاتهم في وطن موحد. ثم يأمرهم بالذهاب إلى لبنان من أجل محاربة إسرائيل لكي ينفذ لهم وعد الوطن!

    يتم أسرهم هناك ويتم تعذيبهم في السجن ويلتقي بادي بالكثير من طوائف الناس هنالك. ويتم ترحيل الأسرى بعد فترة إلى ليبيا مجدداً.

    يعود بطلنا من جديد إلى ليبيا لكن تلك المرة إلى معسكر 2 مارس، تصعد من جديد إلى السطح التساؤلات عن حقيقة وعد القذافي وتقوم ثورة في المعسكر بقيادة سُوخا، الذي سرعان ما تم تهدئته بعد إعطائه سيارة تويوتا!

    يغرر القذافي مجددا بالتوارق في حرب لا ناقة لهم بها ولا جمل، لكن تلك المرة كانت الحرب على حدود ليبيا في تشاد في منطقة أوزو عام 1987، الغريب في الأمر أن القذافي زجّ ببعض التلاميذ بالحرب بدون معرفتهم! تم مهاجمتهم من قائد الجيش التشادي حسن جاموس وتم قتل صديقي بادي أخمادو وسُوخا وتم أسرهم مجددا في ظروف أصعب بكثير من ظروف الأسر السابق وتم أسر كل قوات الجيش الليبي تقريبا على يد قوات حسن جاموس، حتى قرر بعض السجناء بقيادة ضابط ليبي يدعى خليفة حفتر الانشقاق على القذافي ومعارضته، ولكن يثبت بادي وزملاؤه التوارق على موقفهم برغم شكهم الكبير في تحقيق وعد القذافي خاصة في تحقيقات السجن مع ضابط عراقي كان يعمل هناك. ثم أُفرج عن السجناء بعد ثلاثة أشهر بعد ضغط فرنسي على تشاد. ذهبوا إلى كامبالا منها إلى ليبيا مجددا. يقرر بادي وزملاؤه في المعسكر الثورة على القذافي بعد تأكدهم من كذب وعده، ويعود مجددا إلى قبيلته، ويسمع بعض الأنباء بالاتفاق على قيام ثورة من أجل الحصول على وطن!

    تقرر بدأ الثورة من مخيم تجريرت بشمال مالي، يقرر بادي السفر، ولكن الوصول إلى ذلك المخيم كان صعبا وبالطبع تم استغلالهم من دلالي الطرق بمبالغ باهظة. يصلوا في النهاية بعد رحلة مضنية إلى ذلك المخيم. يجد فيه بادي خاله بتو الذي لم يره ولم يكن يعرف بوجوده في ذلك المخيم ويجد حب حياته هُكُتا بالطبع وتستقر بينهم الأمور أخيراً بعد تفرقهم.

    ثم يبدأ معسكر التخطيط للثورة، كان لها مؤيدين كُثُر بالطبع ولكن كان هناك بعض المعارضين لفكرة الثورة، ولكن في النهاية تم الاستقرار على الثورة.

    يبدأ جمع السلاح والسيارات من أجل التحضير للثورة وبالفعل تنجح ثورة التوارق نجاحاً كبيراً ولكنه لم يستمر؛ بسبب حصول مالي على تمويلات وسلاح كبيرين من فرنسا من أجل إخماد تلك الثورة وبالفعل تمكن جيش مالي من إبادة ذلك المخيم تقريباً، ومنذ ذلك الحين، منذ ثورة التوارق في يونيو من عام 1990 في أزواد بشمال مالي وتلك المنطقة تحولت إلى مكان صراع وقلقلة دائمة وبالطبع ظهرت تجارات غير قانونية و جماعات مسحلة.

    تنتهي القصة بحلم جميل لبادي بأن علم وطنه الأزوادي يرفرف في جبال كيدال ووادي تيلمسي وصحراء منكا، ولكنه شاهد كل ذلك محمولاً على جمل يتمايل به في غمرة ريح قوية تعصف بالمكان!

    رأيي في الرواية والنقاط التي أعجبتني والتي لم تعجبني:

    بداية، الرواية تناقش موضوعا جديدا لم يسبق تناوله في أدبنا العربي، فلهذا أعتبر تلك الرواية كفتح في عالم التوارق وعالم الصحراء الكبرى الذي لا نعرف عنه الكثير، بحكم جهلنا وبحكم تجاهل البعض لهذه المنطقة.

    يستعمل الكاتب في رأيي شخصيات الرواية لخدمة التاريخ، أي لتأصيل الأحداث وتقريرها، وهذا لم أعتده في الرواية التاريخية. وذلك كان أحد مميزات الرواية في رأيي. فالشخصيات وتفاعلاتها، على كثرتها وتشابكها، تخدم تسلسل الأحداث ورواية التاريخ وليس العكس. فحب بادي لهُكُتا وتفرقهم وخوفه من عدم تنفيذ وعد خاله بتزويجه لها يماثل في الرواية وعد القذافي بوطن الإزواديين. ومقابلة بادي وهُكٌتا في نهاية القصة ترمز إلى إيجاد الوطن.

    يظهر على الكاتب جلياً حبه للجزائر وتقديره لها على موقفها الشهم بجانب أهله بعد فاجعة عام الجفاف أو كما يسمى بالتارقية (آوتاي والباسن)، فالجزائر وفرت الحماية والرعاية الطبية وكذلك الجنسية لكن من لجأ لبرج باجي مختار، تيمياوين، تين زواتين وكل المناطق الحدودية الجزائرية. وبالطبع الكاتب يعتز بهويته التارقية بجانب جزائريته ويظهر ذلك واضحاً كالشمس.

    لا أعلم لماذا بدأ الكاتب بفصل (رقصة تيلمسي على إيقاع دبكة الشرق) ثم فصل (ليبيا.. غواية التويتوتا والكلاشينكوف) لأن الترتيب المنطقي للأحداث هو العكس، فبطلنا بادي يذهب في البداية إلى ليبيا بعد وعود القذافي الكاذبة بتأسيس وطن للأزواد ثم يغرر القذافي بالإزواديين بعد تدريبهم في معسكر 2 مارس ومعسكر بني وليد ليذهبوا لمحاربة إسرائيل في لبنان ويتم أخذهم كأسرى. تغيير ترتيب الأحداث كان مربكاً بعض الشيء، لا أزعم أنه تسبب في فجوة في الأحداث لأن سرعان ما فهمت الترتيب، لكنه كما قلت كان مربكاً قليلاً.

    الألفاظ في الرواية جاءت في غاية البلاغة والفصاحة. لغة الكاتب سلسة وهو متمكن في الفصحى بكل تأكيد. أعجبني كثرة استخدام ألفاظ تارقية في الرواية، أعتبره جزء من تجربتي في الإبحار في عالم الصحراء وبالتأكيد لمعرفة ثقافة يجب الاختلاط بلغتها، ولكن لم يعجبني استخدام بعض الألفاظ التارقية دون ترجمة اعتماداً على فهمها ضمنيا من النص، اقترح على الكاتب ودور النشر إضافة معجم للألفاظ التارقية المستخدمة.

    أعجبني كذلك إدخال المعلومات التاريخية في مستهل الأحداث أو بينها، فنجد الكاتب في أكثر من مناسبة يسرد تفاصيل عن تاريخ الأماكن التي تتناولها الرواية وتاريخ العائلات وتاريخ الفنون الشعبية والغناء والأمثال الشعبية وحتى أنواع النباتات الصحرواية وهو بالتأكيد دلالة على أن هذا الكاتب ابن لبيئته وتكوينه وتلك الجوانب هي ما تميز في رأيي الرواية التاريخية. يمكنك القراءة والإطلاع على الأحداث التاريخية بسهولة، لكن أنسنة تلك الأحداث والأماكن وربطها بشخصيات ومشاعر إنسانية يضفي بعداً لا يمكنك معرفته من قراءة التاريخ.

    كشخص مهتم بتاريخ المنطقة فالرواية أضافت لي الكثير من المعلومات التاريخية التي لم أكن أعرفها وفتحت بالنسبة لي باب ثقافة لم أكن أعرف عنها الكثير، وإجمالاً أستمعت وأستفدت بقراءتها. صحيح كانت ثقيلة في بدايتها، لكن ذلك الثقل قل تدريجيا بمرور الفصول وتحول إلى شوق لمعرفة الأحداث وكيف ستنتهي الرواية.

    Facebook Twitter Link .
    0 يوافقون
    اضف تعليق
  • لا يوجد صوره
    4

    ترى أيهما يكون أشد نزفًا ووجعًا

    الفجيعة؟

    أم ما تخلفه وراءها؟

    لا شك ان كلاهما موجع..كلاهما قاتل

    في هذه الرواية يترك لنا الكاتب الحرية في استنشاق الأفكار، وجمع شتات الحكاية.

    منّا(قيامة شتات الصحراء)

    رواية تاريخية عن أدب الصحراء للكاتب الجزائري"الصديق حاج أحمد"

    العنوان غريب وصادم

    ومنّا تعني القحط أوالجفاف كما قيل.. والذي أصاب شمال مالي في عام 1973وقد شبه الكاتب هذا الإنقلاب للأرض بالقيامة، أو قيامة الصحراء، لما فيه من أهوال وفزع أصاب البلاد والعباد، كما قال في وصفه البديع:

    احتشام المطر، وصيام السماء وموت المواشي، وضياع وتيه الإنسان هناك..كل تفاصيل الرواية لحمها مُرْ..وكل الدروب التي سلكها الفارين من الموت مرة..صاحبها الوجع والإنكسار، وحلم بعيد بالعودة، ووعود زائفة وكاذبة بالوطن الذي ضاع

    لا شك أنني قرأت هنا رواية مختلفة لأحداث لم تخطر على مخيلتي يومًا أن يمر بها بشر، تعرفت من خلالها على حكايات قبائل الطوارق، أو التوارق، والحسانية ، والأزواد.. والتي أجاد الكاتب وصف حياتهم، وشتاتهم، وطبائعهم الفطرية الفريدة التي امتزجت مع الصحراء..فكانت تشبهها في الرحابة والغرابة والغموض والإنقلاب، والجلد.

    السرد في الرواية

    حين أقول عن الصديق حاج أحمد أنه كاتب مبدع وفريد في وصفه وطريقة سرده، فأنا لا أبالغ، فقد استطاع أن يجعل الإسهاب والتكرار في الأحداث، والألفاظ والسرد مستساغًا ومحببًا، والذي في العادة يكون من سلبيات أي عمل، فنجده يكرر الكلمات والجمل، والوصف، وفي كل مرة يذكرك بما قاله مسبقا، فلا يحدث لك أن تشعر بالملل من هذا التكرار

    وقد اعتمد في سرده سواء الوصفي أوالداخلي، اوالخارجي، أو الفلاش باك على خلفية تاريخية مدروسة ومتقنة للأحداث والأماكن، والشخوص بنيت على واقع معاش، واختمرت على مهل، ليصل بنا في النهاية إلى حقيقة أن الحاضر هو نتاج للماضي، وأن الشعوب تدفع غالبًا ثمن أطماع الساسة والقادة، ونزواتهم، وأن الثورات لا تأتي إلا بعد أن يبلغ الظلم مداه، وأن الوطن لا يسترد إلا بالتضحيات.

    لا شك أن الفصلين الأول والثاني كانا من أصعب الفصول من حيث اللغة غير المفهومة، وكذلك الأحداث وأسماء الشخصيات، لكنك ومع بداية الفصل الثالث تجد نفسك قد اعتدت أسلوب الكاتب، وطريقة سرده الغير مألوفة

    تمتع الكاتب أيضًا بحس ساخر وعبثي، يخلط فيه الوجع بالسخرية اللاذعة ويضحك فيه على الواقع المر، وهذا النهج لا يسلكه إلا من عانى أشد المعاناة، وشاهد بأم عينه الأهوال

    استطاع الكاتب أن يبدل قناعاتي التي كان مفادها أن إنسان الصحراء غليظ الطبع، لا يعرف قلبه الحب الذي نتمتع به نحن أهل المدن والحضر، فنجد أننا أمام شخصيات تحمل قلوب كأفئدة الطير، تحب بإخلاص ورومانسية ناعمة، كحب "بادي" لإبنة خاله "بتو" وإخلاصه لهذا الحب طيلة فترة شتاته واعتقاله، و أثناء تنقله بين السجون ومعسكرات التدريب، ورغم مامر به من صعاب، وشتات وسحق للكرامة، يستحضر ذكرى محبوبته، ويقوي عزيمته بأمل لقائها، ورؤية محياها فتبث في روحه الأمل من جديد، ويستطيع أن يواصل المسير

    وصف أيضًا أشكالًا أخرى وعظيمة للحب، وكان أسماها حب الوطن الأم والإخلاص له، وأجملها حب الأصدقاء والخلان، فيروي الكاتب مشهد من أبدع مشاهد الإخلاص والوفاء للأصدقاء، برغم قسوته، حين اجهزت القوات التشادية على المفرزة الجنوبية أثناء تواجدهم (بفادا)، أثناء اعتقالهم من قبل جنود(حسن جاموس التشادي) نكاية في ليبيا وقائدها، فقتلوا كل من تصادف وجودهم بالمرحاض في ذاك الوقت، وفي وضع مشين يموت"سوخا" صديق "بادي" مختلطا بفضلات معدته، وبرغم بشاعة الوضع وقذارته لم يتركه بادي يدفن هكذا، بل غسله وكفنه، وصلى عليه في مشهد يؤطر الإخلاص والوفاء والحب

    اللغة

    اللغة في الرواية بعيدا عن الكلمات غير المفهومة فهي من أروع ماقرأت، تشبيهات رائعة..مفردات عميقة

    تجده يقول:

    (بهتت ضحكتها قليلا..لكن المصباح الوضاء حتى لو نقص ضوؤه يبقى مشعًا)

    (لا ادري إن كنا غسلنا أيدينا أم لا، ولكن هناك من لم يفعل، اكتفى بدعك يديه وأصابعه بباطن رجله، حتى تبقى رائحة التاقلة مسافرة معه طول الطريق)

    ( الصبح ارتسم كاملًا بعد الفجر)

    (فهمنا خطاب الرسالة.. في مغارات أنفسنا وكهوف عقولنا)

    من سلبيات الرواية، عدم وضع هوامش أو قاموس للكلمات الغير مفهومة، والغير معروفة

    تحيز الكاتب وهذا أمر طبيعي في الحديث عن الجزائر بلده ووطنه وتمجيدها، وان كنت لا أقصد التقليل من شأن الجزائر الشقيق، أو التقليل فيما قاله الكاتب.

    في النهاية لا شك أن الرواية دسمة تاريخيًا، وتعد وثيقة تاريخية ثرية تفضح مؤامرات قادة ودول كمؤامرة "معمر القذافي" القائد الليبي الراحل ضد قبائل الطوارق والأزواد اللاجئين، حين مناهم بحلم كاذب للعودة للوطن، وأدخلهم عنوة في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، واغتسل من إنسانيته وعبث بفطرتهم، واستخدمهم لتحقيق مطامعه وتوسعاته.

    وعلى الجانب الأخر لم ينسوا فضل الجزائر، التي وصفها الراوي بالأم الجزائر، ومولاتنا الجزائر.

    من المؤكد أن الرواية استحقت الوصول للبوكر، فهي تفتح العين على ضوء الحقيقة المسكوت عنها كما قال الكاتب.

    لا أدري لماذا اختم مراجعتي بهذا الإقتباس الذي تذكرته فأقول:

    ثم ماذا حين تصيرُ النهاياتُ حقلاً يعضُّ الذبابُ عليهِ

    هو الصمتُ يكسر ما قد تبقّى ..

    تضيق يدايَ .. تضيق خطايَ

    وأصغرُ .. أصغرُ ..أصغر .. أهوي ..

    ويسقط في الكأس رأسي ..

    وفي الرأس كأسي

    وفي الصمتِ نفسي ..!!

    تحية للكاتب(الصديق حاج أحمد) على رواية تستحق القراءة.

    Facebook Twitter Link .
    0 يوافقون
    اضف تعليق
  • لا يوجد صوره
    4

    رواية عن حلم الوطن والهوية، صراع وأهوال يعيشها التوارق (الطوارق) وإخوانهم في سعيهم للاستقلال بوطنهم بالأزواد. عبر رحلة البطل وصحبه المليئة بالعذابات جراء الشتات والسعي نحو حلم الوطن، والسخرية خفيفة الظل التي تخفف كل صعب، توثق الرواية التي تنتمي لأدب الصحراء الموروث الثقافي لمجتمع صحراوي بعاداته وأكلاته ولغته. تخييل للتاريخ يجعل من مأساة شخصية مرآة لتاريخ يهمله التاريخ.

    تتبع الرواية هذا الحلم منذ لحظة فارقة، منا 1973، يضطرون فيها لفراق الأرض التي قاموا بثورة أولى أحبطت لتأسيس وطن بها، والشتات بين دول الجوار، وصولا للثورة الثانية الأزوادية في تسعينيات القرن العشرين. جفاف، أو "مَنّا"، يضرب شمال مالي 1973 ويأتي على مواشيهم مصدر رزقهم، يضطرهم للهجرة القسرية فيبعدهم عن الأرض وعن حلم الوطن لكنه يزيدهم شوقا له، ويتحملون في سبيله أهوال وفجائع تسردها الرواية ببراعة عبر بطل الرواية، بادي، وثلاثة معه يمثلون بقية الأزواد. ينتقل وعشيرته للجزائر، الأم الحنون لهم شرط ألا يتخذوها "قاعدة لنسج أفكار وطنكم المزعوم"، فيضطر بادي للرحيل لليبيا وتأجيل حلمه الشخصي بالزواج من حبيبته ابنة خاله، هكتا، ليحقق الحلم الأكبر بوطن الأزواد، حيث يغذي معمر القذافي حلمهم بالوطن بوعود لتحقيقه لهم فيستغلهم لتحقيق أحلامه. يجندهم للحرب من أجل فلسطين فيجدون أنفسهم أسرى بمعسكر إسرائيلي، ثم يورطهم بمعاركه مع تشاد ويتعرضون لسجون غير آدمية، وبعد خروجهم يعود الحلم من كونه "سراب" و"ربما" (الكلمة الأثيرة للبطل التي يتمسك بها بالحلم) ويتحول إلى محاولات جادة وثورة جديدة.

    باختياره للغة، المعجمة في كثير منها على القارئ العربي، ولتفاصيل حياة الطوارق، التي ينتمي لها البطل، يضع القارئ في معمعة المنطقة وشعبها، كأننا ألقينا بطائرة في شمال مالي نستكشف بأنفسنا، وكما تعتاد العين ظلام الليل وتبدأ بالرؤية عبر انعكاسات القمر، تنقشع ضبابية اللغة وتتكشف ملامح الثقافة، يساعدنا بعض المفاتيح اللغوية التي يعطيها لنا الراوي، والتي ستفهمنا أن غسمان هو عثمان وتضحكنا بلغة صديقه الحساني عن وعد القذافي "بالاستغلال" (بدلا من الاستقلال)، يتطور القارئ من عدم فهم كل المفردات "يسمع ما يقال ويفقه سواده، وهذا هو المهم بالنسبة لنا" إلى الانسحاب داخل هذه الثقافة والشعور بما شعروا به وهم يدركون الجفاف وتوابعه من شتات.

    اللغة مفتاح في رواية "منّا"، حيث يعنى السرد بالتنقل بين لغة الراوي التي تبدأ بطارقية المفردات والنطق وتتطور مع تعلمه العربية لكن تبقي على الغين بدل العين، وبين صحيح اللغة العربية في الفقرات المتناثرة التي يتحول فيها الراوي لسارد عليم يفيد بمعلومات أوسع من إدراك بادي، ليعود للراوي الأصلي "يقول بادي" بلازمات تعطي النص مذاق الحكي الشفاهي مثل "المهم" للانتقال لموضوع جديد "أي والله" لتأكيد الكلام، ونسيان بعض الأسماء. اللغة رمز للشتات فهم يتعرضون لعدة لغات ولهجات تشكل أيضا جزءا من الهوية التي لا ينساها البطل، لذا من الملائم جدا اختيار المؤلف هذا النمط اللغوي الذي قد يتسبب بصعوبة للقارئ خاصة في الفصول الأولى.

    يستخدم الكاتب أيضا حيلة ذكية لسرد معلومات دون أن تكون فيها خطابية أو مباشرة عبر ناقل أخبار بين القبائل ال"فاماميست" حسب ما فهمته.

    يبرع السرد في نقل ملامح الثقافة من ملبس وأكلات وطبائع، بأسلوب يمكن القارئ من معايشتها إذ يراها من عين من يعيشها، الراوي، وللمفارقة أحيانا باستغرابه الثقافات التي اعتدناها فندرك غيابها في ثقافته، مثلا في فقرة طريفة عن الصابون والفوطة "نحن أهل البوادي والصحراء، لا نكلف ولا نتكلف، أمورنا بسيطة، لا نكترث بتلك الغاسولات المعطرة الصلبة والسائلة بألونها... دون الالتفات لتلك المناديل التي تنشف الجسد".

    في رأيي رغم قيمة التفاصيل في توثيق تلك الثقافة، إلا أن النص يبطئه كثرة التفاصيل.

    من أهم ملامح الرواية هي تحرر الأحداث من التتابع الزمني، تبدأ الرواية بالبداية حين يضرب "منا" المنطقة ومع بداية الرحيل يقفز لاعتقالهم في المعسكر الإسرائيلي، ولدى إطلاق سراحهم يعود زمنا لرحلة الشتات وصولا لتجنيد القذافي لهم واعتقالهم ليعود ليحكي ما بعد إطلاق سراحهم، كأن النص يبرز فجيعة الشتات عبر أولى نتائجه الوخيمة وهو الاعتقال، قبل أن يحكي لنا عن رحلة الشتات ذاتها فيخلق التوجس الذي لم يكن يدركه الأبطال أنفسهم.

    رواية ثرية بالمعلومات والثقافة، مكتوبة ببناء ولغة يعكسان موضوعها، تنتقل من التجربة الذاتي لتحكي حكاية قوم صراعهم نحو وطن يأتي في إطار سياسة عالمية تحرك كل شعوبنا.

    Facebook Twitter Link .
    0 يوافقون
    1 تعليقات
  • لا يوجد صوره
    5

    {منّا... قيامة شُتات الصحراء}

    كثيرا ما نسمع "الصحراء تُعاش ولا تحكى" مع وضع صورة للصحراء في إطار جذاب، و لكن الحقيقة غير ذلك خصوصا إن كنت تحاول الهرب من الموت و ليس أمامك إلا طريق صحراوية غير معبدة و دون خرائط، تستدل بالنجوم أو بقايا آثار لعجلات الشاحنات. هنا يكمن الجانب الخفي من وعرة الصحراء ولا يصْطَبر على تلك القُسوة إلا أبنائها.

    في رواية "مَنَّا... قيامة شتات الصحراء" للروائي الصديق الحاج أحمد -الصادرة عام 2021 و التي بدورها ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر لدورة 2023- سيعيش القارئ تلك الأجواء الصحراوية الموحشة و الجميلة لقوم عاشوا الشتات لأسباب جغرافية، سياسية و حتى طبيعية.

    لغة الكتاب صعبة بالنسبة لمن لا يتحدث هذه اللهجة خارج المنطقة الجغرافية للأحداث، وأتفهم (وهذا اعتقادي) أن هذا الأسلوب جزئ من إنتماء الكتاب وجعل القارئ ينغمس في الشخصية التوارقية وقضيتها، لكن أعتقد أن استخدام لغة عربية صافية بدون لهجات أو استخدام بسيط للفظات معينة لإظهار الشخصية التوارقية سيجعلها أسهل في القراءة لمختلف الأقطار، ويساعد أكثر على تعريف الناس بقضيتهم.

    اختار الكاتب الجزائري الصدّيق حاج أحمد في روايته «مَنّا.. قيامة شتات الصحراء» عن دار الدواية للنشر والتوزيع والطبع عام 2021، أن يلخص المأساة التارقية بالحديث عن العام الشين (السيئ) وهو عام النَّشف باعتباره الفاجعة الكبرى في تشتيت الأزواد بعد قهر الطبيعة، الذي لم يستطيعوا مقاومته على العكس من أي اشتباك مسلح. وقد أهدى نصه إلى شتات صحراء مالي في ذكرى وجيعة الجفاف التي تتم عامها الخمسين في 2023، وفي اللغة التارقية، تعنى كلمة «مَنّا» القحط والجدب. 

    تدور أحداث الرواية حول الوطن الضائع للأزواد. الأزواد مجتمع قَبَلِي متكون من عرب و توارق تجمعهم معاناة و سؤال واحد؛ "متى الإستقلال؟" تبدأ أحداث الرواية بالضبط عام الشِينْ "1973"، عام مَنَّا و هي كلمة تارقية تعني القحط و الجدب، هذا الأخير حدث تاريخي مُفجع اضطروا بعده مغادرة موطنهم الأصلي إلى مخيمات جنوب الجزائر، موريتانيا و ليبيا طلبا الإغاثة من براثن الموت.

    _حلم الوطن الضائع_

    التدافع على إفريقيا (scramble for Africa) و الذي جعل من إفريقيا قطعة كعك قُسِمَت بين دول أوروبية بعد مؤتمر برلين 1884. تسبب هذا التقسيم و رسم الحدود في حروب أهلية و إثنية عرقية بعد فترات زمنية قصيرة من الإستقلال، كحال الأزواد، الذين يعتبرون الصحراء الإفريقية موطنهم الأصلي، فانتقلوا من إستعمار فرنسي أبيض إلى إستعمار أسود (نسبة إلى دولة مالي) على لسان أحد شخصيات الرواية،

    تستقل دولة مالي من الإستعمار الفرنسي سنة 1960، لتجد حكومة باماكو نفسها تحارب أبناء وطنها "الأزواد" في ثورة "كيدال" من عام 1963. فيمنوا الحقد ضد الحكومة و يكبر حلم الإنفصال. تتوالى المصائب على سكان الصحراء من ثورة 1963، فاجعة الجفاف 1973، تهجير قسري بحثا عن الحياة، اغتراب، مطاردة حلم الوطن و بلع كذبة القذافي، النضال في فلسطين، مقاتلة في صفوف الجيش الليبي ضد تشاد، إلى العودة شمال مالي و شن ثورة التحرير أواخر شهر جوان من عام 1990. و لايزال حلم الوطن المسكوت عنه إقليميا و دوليا قضية منسية، بحيث أكدّ ذلك الناشط الأزوادي علي أغ محمد لمجلة رصيف22؛ "ظلت قضية شعب أزواد غائبة عن أذهان العرب، والآن يتم التطرّق إليها من باب الأمن والإرهاب وليس لكونها قضية شعب يريد العيش بحرية واستقلال وكرامة في أرضه".

    رواية مَنَّا تشبه حكايات الجدات في ساعات متأخرة من الليل، دون قيود للغة و هذا ما لم أستصغ لأن اللغة عندي تمثل أهم ركن في اختيار أي عمل أدبي، و لكن هنا اللغة مختلفة تشبه شتات الأزواد و بيئتهم الصحراوية. الكاتب هنا بأسلوبه الحكواتي توفق في اختيار المفردات التارقية القادرة على تكوين صورة واضحة للمشهد لدى القارئ، فقط لو لم يكثر من إستعمال كلمة "المهم" بين الفقرات أو للإنتقال من جملة إلى أخرى.

    الرواية لم تُحصَر فقط في وصف فاجعة الجفاف بل تُوَثِق ثقافة، تاريخ، فن و كل ما يتعلق بالمجتمع الأزوادي. و هذا إن دلَّ فإنه يدل على البحث العميق للكاتب حول القضية التاريخية للأزواد. استمتعت حقا بالرواية كونها تتحدث عن الصحراء و حكاية شعب نتشارك السكن في نفس الحي و المدينة، بحيث قبل قراءة العمل كنت أجهل ما قد حلّ بهم من مصائب و هنا تكمن غاية الأدب في كونه نافذة مفتوحة على العالم.

    Facebook Twitter Link .
    0 يوافقون
    اضف تعليق
  • لا يوجد صوره
    4

    منا..قيامة شتات الصحراء هى رواية تاريخية بسرد روائى تتكلم عن معاناة إخوتنا العرب والتوارق بعد جفاف 1973 شمال مالى الذى أهلك الحرث والنسل وأدى إلى هجرات قسرية إلى دول الجوار والتى قسمت إلى أربع هجرات الأولى إلى النيجر وموريتانيا وبوركينا فاسو الثانية الجزائر والثالثة ليبيا والرابعة بلاد الحجاز.

    تدور الرواية حول عدة أفكار رئيسية

    *فى البداية يستعرض الكاتب الجفاف وتأثيره على المواشى ومعاناة التوارق

    * الهجرة للجزائر واستيطان المناطق الحدودية وأقامة المساكن الطينية واكتساب الجنسية وحقوق المواطنة وحيازة العقود الرسمية .

    * وعد القذافى لشيوخ قبائل الأزواد بتبنى قضيتهم بإقامة وطن للأزواد فى شمال نيجر ومالى مقابل مساعدته فى الحرب التشادية.

    * انضمام شباب التوارق إلى معسكرات التجنيد في ليبيا ووقوعهم فى الأسر الإسرائيلي والذهاب إلى الصحراء التشادية بعد وعد القذافى بإقامة وطن الازواد

    *أما لغة الرواية فسرد باللغة العربية والتحدث بلسان طوارقى ،فاللغة تعد تحدى لمن هو غير ملم باللهجة

    كما أن الكاتب أبدع فى وصف حياة الصحراء وأهمية الأغنام والأدوات المستخدمة والسلالات القبلية المختلفة والنظم التى تحكم الأزواد والطرق التى تسلكها وأهمية الإبل فى حمل اىمتاع أثناء الهجرة " هذه الإبل لم تكن تحمل متاعنا فى هجرة الشتات فحسب، إنما وطننا المتأرجح على سنامها."

    الشخصيات

    تدور حول شخصية رئيسية هو بادى عثمان والذى بدأ حكايته عن الجفاف والهجرة إلى برج باجي مختار فى الجزائر،ثم ينتقل بالأحداث إلى معتقل نصار جنوب لبنان التابع الاحتلال الإسرائيلي ،وبداية هذا الأمر مع خطاب القذافي 16 اكتوبر 1980 بمدينة اوبارى جنوب ليبيا ووعده بإقامة وطن الازواد، بدأ الشباب بالاستعداد للذهاب لمغسكرات التجنيد فذهبوا لمعسكر 2 مارس بضواحى العاصمة طرابلس الخاص بتدريب الازواديين ،ثم انتقل بادى ورفاقه من مطار معيتيقية العسكرى الليبى إلى مطار دمشق حيث القيادة العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فلقد مكث بادى ورفاقه 3 أشهر قبل الاعتقال ،فى المعسكر جنسيات من جميع الدول العربية و القلة الرباعية من صحراء الملثمين الحائزين على بطاقة العائد الى الوطن الأصل، أو بناء على اتفاقية القذافى مع مختار ولد داداه الموريتاني ،تم تدريبهم على الأسلحة الثقيلة ثم تحولوا إلى جنوب لبنان مع خط التماس مع إسرائيل حوالى خمسة أشهر وفى 4 مايو 1982 شنت القوات الإسرائيلية غارات جوية وبحرية وبعد اربع ايام من المقاومة تم اعتقالهم فى معتقل أنصار وكانت الحياة في المعتقل لا تطاق تتجرد من الإنسانية عانوا من التعذيب والتنكيل وبعد اربع وستين أسبوعا وقع بعض الجنود الإسرائيليين فى يد المنظمات الفلسطينيةوتم تبادل أسرى 4700 مقابل 7 أسرى ،وبقدوم عام 1987قامت حرب بين ليبيا والتشاد حول منطقة أوزو فوعد القذافى الأزواد إن ساعدوه فى الحرب سوف يتنبى قضية وطن الأزواد.

    يقول بادى كانت الكتيبة متكونه من 30 جندى حديثى التخرج وبعض طلبة الجامعات والمدارس الذى غرر بهم أنهم ذاهبون لحملات التشجير،وبعد شهرين وقعوا فى الأسر على يد جنود حسن جاموس التشادي سجنوا فى سجن فادى وكانت المعاملة سيئة ثم جاءت اخبار بتوصل المعارضة الليبية مع القيادة التشادية الإفراج عن الأسرى وعند العودة كانت قد حلت مصيبة كبيرة بالقيادة الأزوادية فلقد هلكت أعداد كبيرة من شباب الأزواد فى الرمال المتحركه بالتشاد،بعد العودة قامت ثورة كبيرة للأزواد عام 1990 ،وبعد ما سمعت فرنسا وانجلترا بهذه الثورة قاموا بدك مفاصل ثورة التوارق وقواعدها الشعبية ولا زال حلم الأزواد بإقامة وطن لهم قائم إلى الآن.

    Facebook Twitter Link .
    0 يوافقون
    اضف تعليق
1 2 3 4