غلاف كتاب فقراء التعليم والعدالة الاجتماعية : دراسة في الأندلس منذ عصر الخلافة حتى سقوط غرناطة محمود أحمد هدية. يصور رجلًا حكيمًا يقرأ لطفل في مشهد تاريخي دافئ، بألوان ترابية ودرجة عنابي داكنة.
تحميل الكتاب
شارك Facebook Twitter Link

فقراء التعليم والعدالة الاجتماعية : دراسة في الأندلس منذ عصر الخلافة حتى سقوط غرناطة

تأليف محمود أحمد هدية (تأليف)

نبذة عن الكتاب

كم من دراسة تناولت الحياة العلمية والثقافية والفكرية في الأندلس، هادفة لإبراز أهم المجالات العلمية وطرق التدريس والعلوم والمناهج الدراسية وكذلك المؤسسات والمعاهد التعليمية، فضلًا عن الدراسات الجمة التي أسهبت في حديثها عن الكتب والمكتبات الأندلسية، فشغلت حيزًا كبيرًا في الإنتاج العلمي خلال الفترات السابقة -رغم مجيء بعضها بشيء من العمومية في الطرح- كل هذا يؤكد على ثراء الحركة العلمية في الأندلس. وبما أنّ مهمة الباحث في التاريخ تناول الجزئيات والبحث فيها والتعمق في تفاصيلها محاولة منه كشف الصورة كاملة بقدر الإمكان، والتقاط الجزئيات والتفصيلات الصغيرة التي توطد لقيمة تلك المؤلفات السابقة وتدعم النظريات المتصلة بها. جاء من هنا موضوع هذه الدراسة عن فقراء التعليم والعدالة الاجتماعية في الأندلس منذ عصر الخلافة حتى سقوط غرناطة (316هـ/929م-897هـ/1492م)؛ ليمثل حبة في عِقْد هذه الدراسات ويطرح تساؤلات جديدة عن محاولة فهم التأثير السلبي للفقر على المجتمع، وتداعياته على التعليم كونه عاملًا أساسيًّا مؤديًا لارتفاع معدلات العزوف عنه.
عن الطبعة

تحميل وقراءة الكتاب على تطبيق أبجد

تحميل الكتاب
كن اول من يقيم هذا الكتاب
25 مشاركة

اقتباسات من كتاب فقراء التعليم والعدالة الاجتماعية : دراسة في الأندلس منذ عصر الخلافة حتى سقوط غرناطة

الفصل الأول:‏

‫فقراء التعليم - الإشكالية والاصطلاح

‫ الفقر مفهوم مجرد ونسبي، يصف ظاهرة اجتماعية واقتصادية بالغة التعقيد والتشابك، ويختلف باختلاف المجتمعات والفترات التاريخية، والخلفية الفكرية والأخلاقية، وبتغير الزمان والمكان اللذين يفرضان تفاوتًا وتباينًا في الحاجيات والضروريات وهي من أهم المعايير المحددة للفقر ومستوياته ودرجاته، وهذه أمور تختلف من فرد لآخر، وبالرغم من ذلك لا يشكل العامل المادي بصورة دائمة معيارًا مناسبًا ولا شرطًا ضروريًا للحكم بالفقر والحاجة على هذا الفرد أو ذاك، أو هذه الجماعة أو تلك إلا أنّه يُعد أهم تلك الشروط.

‫ المجتمع الأندلسي والفقر

‫ طيلة العصور التاريخية في الأندلس وما مرت به من تغير اجتماعي طرأ على التركيب الديموجرافي –السكاني- والطبقي في المجتمع الأندلسي نجد أن الفقراء جزء من العوام وهم السواد الأعظم في المجتمع، كما عرفهم الصفدي العوام بأنّهم «خلاف الخاصة، قيل ذلك لما كانوا كثيرين لا يحيط بهم البصر في ستر عنه»(13)، وهم من الأصناف الاجتماعية المحرومة والمهمَّشة في المجتمع ويمثّلون كُنْهَ الأندلس الحقيقي وثقافتها الحقيقيّة وشريحة مهمة لكثرة أعدادها ولدورها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالرغم من سوء أوضاعها(14).

‫ وفقراء الأندلس بصفة عامة هم من انتموا لفئة المعسرين ممن عاشوا حياة بسيطة ومتقشفة، تشكلت قاعدتهم في الغالب من الملاك الصغار، والشركاء بنسبة معينة من الإنتاج الفلاحي، والتجار البسطاء، والحرفيين والصناع، والأجراء، وغير هؤلاء من المتكسبين والمشتغلين الذين لم يتوفروا على وسائل إنتاج أو رؤوس أموال أو ممن عانوا من عسف المتحكمين فلم يستطيعوا بسبب ذلك تحسين أوضاعهم المعيشية فلم تستقر في أغلب الأوقات على حال، نظرًا لكثرة التقلبات المرتبطة بالظروف السياسية والاقتصادية والأحوال الجوية والمناخية في بعض الأحيان(15)، كما هو الحال في المرحلة الثانية من حكم المرابطين، حيث تشير المصادر لتدهور الأحوال وسوئها كما في عهد علي بن يوسف (476- 537هـ) حيث «أهمل الرعية غاية الإهمال ولذلك بات بديهيًا أن تزداد أوضاعها سوءًا حتى أصبحت وثائق العدم»(16)، على عكس سابقيه من الخلفاء الأمويين في الأندلس حيث نال الفقراء والمحتاجون اهتمامًا بتحسين أوضاعهم الاجتماعية والمادية من خلال توزيع الصدقات وهو ما فعله الأمير هشام بن عبد الرحمن (172-180هـ) وتجوله في شوارع قرطبة وتفقده لأحوال الفقراء والإشفاق عليهم وتلبية احتياجاتهم(17)، وما فعله الحكم المستنصر (350هـ/961م-366هـ/976م) من خلال وقف ربع ما ورثه عن أبيه على الفقراء في جميع مدن الأندلس(18)، بينما غاب هذا الدور عن ملوك الطوائف في تقديم الدعم المالي للفقراء والصدقات الاختيارية للمساكين، وذلك لانشغالهم بالصراعات والحروب الداخلية فيما بينهم وحروبهم مع النصارى من جهة أخرى، وقد أدى غياب دور السلطة على ذلك النحو لتصدر القضاة والفقهاء والصلحاء في تقديم الصدقات والتخفيف من ألم الجوع والحرمان(19).

‫ هذا في مجمله يومئ إلى الطبيعة الخاصة التي تميز بها المجتمع الأندلسي، والذي عُرف طيلة الوقت بالكد والعمل فضلا عن الدقة والجد والصبر في أداء الأعمال والسعي إليها كما تؤكد على ذلك أمثالهم وأقوالهم «الرزق في البير»، وقولهم أيضًا: «اخدم باطلًا ولا تجلس عاطلًا»، لتقديرهم للعمل وأهميته بينهم فقالوا: «غُبَار العَمَل اخير من زَعفران العُطلة»، وكذلك ذكروا «ارفع من خُبْرك، ولا ترفَع من شُغلَك»، وأيضا «الجلوس بلا شغل يحمق»، وجاء في المثل كذلك «مَنْ خَلا شُغل اليَوم لغَدٍ، ما يفلَح أبدًا»، وقالوا: «مَنْ جَلَس بِلا شُغْل، يطْلُب في رَأسْ قُولُ وعَظْم»، هذا بخلاف قولهم: «تبكي علي الزرق بالوظف»، بالإضافة إلى المثل «مَا كَان من الرزق ما يَمضْي»، و«إذا يجي الرزق يجي يدول»(20).

‫ لهذا استنكر المجتمع الأندلسي من عزِفَ عن العمل خاصة من يملكون القدرة عليه ويتقاعسون ويتكاسلون عن أدائه، واتخذوا من الفقر والعوز وسيلة للحصول على الأموال والمساعدات دون جهد، وهو ما يؤكده المقري عند حديثه عن أهل المشرق الإسلامي ومقارنته وربطه غير المباشر لهذه الفئة في الأندلس بغيرهم من المجتمعات العربية والإسلامية في رسالة مضمونها أن المجتمع الأندلسي لم يَعْتَد على السؤال ولم يحبذ الساعين له ونتيجة لهذا فقد احتاط أهل الأندلس واتخذوا تدابيرهم لمواجهة الأزمات خوفًا مد اليد والسؤال وطلب الحاجة فكانوا «أهل احتياط وتدبير في المعاش وحفظ لما في أيديهم خوف ذلّ السؤال، فلذلك قد يُنسبون للبخل، ولهم مروءات علي عادة بلادهم»(21).

‫ ورغم تقلب الأحوال في الأندلس بين الرخاء طيلة فترات طويلة نتيجة التقدم والرخاء الاقتصادي ومن ثم الرقي الاجتماعي، والتدهور الناتج عن الفتن والثورات والكوارث، فقد اختلف تعامل المجتمع الأندلسي مع الفئات الفقيرة والمعدومة والتي لم تلقَ الاهتمام الكامل في معظم الأحيان، ففي أوقات الرخاء حظيت العامة برعاية الخلفاء والأمراء، فكان لهم نصيب من الصدقات والمساعدات للتخفيف من وطأة الضيق والعسر الذي رضخوا له في أوقات الأوبئة والغلاء وارتفاع الأسعار، فقدمت الهبات وأقرضت الأموال على الناس كافة في المناسبات ولا سيما الضعفاء والغرباء، وقد تباين موقف المجتمع الأندلسي من أولئك المتسولة فتارة أحسن إليهم وتعاطف معهم، وحُبست عليهم الدور والأراضي والزوايا لتدر عليهم ما يدبرون به أحوالهم، وتارة أخرى اتخذوا تجاههم موقفًا حادًا علاوة على موقف الدولة متمثلة في المحتسب وأصحاب النفوذ(22).

‫ تلك الأمور دفعت الأندلسيين لتمييز الفقير لضمان وصول الصدقات إليه بشكل صحيح، فأعطوا الفقراء والمحتاجين ما يفيد بأنّهم فقراء بشهادة تُمنَح فقيرَهم، ولشخص يشهد عليه شخص أو مجموعة بأنّه فقير سواء بالعلم أو بالبت -الدليل- وهل يحتاج للمساعدة أو لا، في محاولة السلطة الحدَّ من أعمال التسول والتكاسل «واختلف الناس في الفقير والمسكين، أيهما أبلغ في الحاجة، وفي حقيقة الفقر، وعلى ما تطلق هذه التسمية، فلهذا وقع الالتباس»(23)، في وجود شيخ للفقراء يتولى أمرهم من المسنين وكبار السن عُرف بـ «شيخ الفقراء»(24)، يحدد المستحقين للمساعدات كيلا يقع الالتباس والشك، وهذا الأمر يعكس ما تمتعت به الأندلس من رقي حضاري وإنساني راعى هؤلاء المحتاجين بتخصيص من يتولى أمرهم وهو أشبه بالنقيب أو العريف، فخصصت له خطة تهتم به عرفت بخطة الناظر للمساكين للصرف على المحتاجين والمساكين(25)، وناظر الأحباس من يتولى اختيار المساكين المستحقين للصرف لهم من ريع الوقف، وتحديد مقدار ما يستحقونه وفقا لاجتهاده، ففي بعض الأوقات كان يؤجر بعض الأوقاف المحبسة على المساكين ويأخذ ثمن الكراء ويشتري به ثيابًا لتوزع عليهم لكسوتهم في الأعياد(26).

‫ ونتيجة لحالة الخلط والالتباس والتباين بين أبناء المجتمع نراهم يطلقون على المتصوفة في الأندلس «الفقراء» ووصفوا بالمتسولة –لتشابه الحال- حيث وردت فيهم العديد من المسائل الفقهية الّتي تتناول حياتهم وصفاتهم، لأنهم كثيرا ما اتصفوا بالفقر والسؤال، فبُنيت لهم الزوايا يجمعون فيها ما يقوتهم ويؤنسون بمجالسهم، ويجتمعون فيها على الذكر والأكل وإنشاد الأشعار(27)، وهم من ينطبق عليهم قوله تعالى ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾(28).

مشاركة من Muhammad Qadah
كل الاقتباسات
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم

  • مراجعات كتاب فقراء التعليم والعدالة الاجتماعية : دراسة في الأندلس منذ عصر الخلافة حتى سقوط غرناطة

مراجعات

المؤلف
كل المؤلفون

الأسئلة الأكثر شيوعاً عن كتاب فقراء التعليم والعدالة الاجتماعية : دراسة في الأندلس منذ عصر الخلافة حتى سقوط غرناطة

من هو مؤلف كتاب فقراء التعليم والعدالة الاجتماعية : دراسة في الأندلس منذ عصر الخلافة حتى سقوط غرناطة؟

مؤلف كتاب فقراء التعليم والعدالة الاجتماعية : دراسة في الأندلس منذ عصر الخلافة حتى سقوط غرناطة هو محمود أحمد هدية.

في أي عام نُشر كتاب فقراء التعليم والعدالة الاجتماعية : دراسة في الأندلس منذ عصر الخلافة حتى سقوط غرناطة؟

نُشر كتاب فقراء التعليم والعدالة الاجتماعية : دراسة في الأندلس منذ عصر الخلافة حتى سقوط غرناطة عام 2023.

كم عدد صفحات كتاب فقراء التعليم والعدالة الاجتماعية : دراسة في الأندلس منذ عصر الخلافة حتى سقوط غرناطة؟

يبلغ عدد صفحات كتاب فقراء التعليم والعدالة الاجتماعية : دراسة في الأندلس منذ عصر الخلافة حتى سقوط غرناطة 216 صفحة.

ما هي دار النشر لكتاب فقراء التعليم والعدالة الاجتماعية : دراسة في الأندلس منذ عصر الخلافة حتى سقوط غرناطة؟

دار النشر لكتاب فقراء التعليم والعدالة الاجتماعية : دراسة في الأندلس منذ عصر الخلافة حتى سقوط غرناطة هي نماء للبحوث والدراسات.