تبدو "دبيب الفناء" للكاتب أسامة حيدر لوهلة رواية سردية تقليدية، لكنها خلال مجرياتها تستفزك على أكثر من صعيد في آن واحد، وهذا إنجاز يُحسب للمؤلف؛ فللحبكة عدة أوجه مركبة فوق بعضها بطبقات متدرجة كألوان لوحة زيتية. ولأنني طبيب وقارئ لا بأس باطلاعي، استطعت قراءتها بالمنظور القرائي الانطباعي أولاً، ثم أعدت تأملها وتفكيكها بالمنظور الطبي التحليلي، واستخلصت دلالات وأفكارًا كثيرة فاتتني في القراءة الأولى.
إن قرأتها بالمنظور الطبي النفسي، أجد نفسي أمام مروحة واسعة من الأمراض النفسية واضطرابات الشخصية الموصوفة بدقة عيادية تشخيصية حذقة، ولعل أبرزها: الاكتئاب، الفصام، القلق، واضطراب الشخصية الحدية، واضطراب الشخصية المعادي للمجتمع، إلى جانب كم هائل من الأمثلة الحية على الانحرافات والإدراك المعرفي الشديد المغالطة. وقد تطورت هذه الاضطرابات ببناء درامي ذي دقة طبية عالية مع تتابع الأحداث، حتى إنني كنت أتو
قف مليًا لأتفقد درجة تطور كل حالة مرضية.
ما يثير الاهتمام أيضًا أن الكاتب لم يقتصر على السيكولوجيا المرضية، بل أجرى ربطًا عضويًا عبقريًا بين البنية النفسية للشخصيات وسيكولوجيا المجتمع وعلم النفس الإجرامي—اللذين يبدوان جليين لعين نقادية مهتمة بهذه الثيمات—إذ تستطيع أن ترصد دوافع الجريمة وتطورها في المنسوج السيكولوجي للشخصيات، مثل: دافع "الملل" (وقد يُستغرب هذا الدافع الإجرامي رغم أنه مؤصل في أدبيات علم النفس الإجرامي)، ودافع تحقيق الذات، والنقمة على الواقع والمجتمع لكونه حال دون تحقق ذوات الشخصيات أو تبلور أحلامها.
هذا من الناحية النفسية، أما من الناحية الإنسانية والاجتماعية، فقد وظف الكاتب أحداثًا واقعية مألوفة من التفاصيل اليومية تكاد تشمل تجارب القراء جميعهم، بل قد يشعر بعضهم أن النص يتناوله مباشرة؛ غير أن الكاتب قدم "ما وراء الأحداث" وسبر أغوار أسبابها العمقية. لوهلة، قد تظن أنه وقع في مجانية الوعظ المباشر—وهي سقطة شائعة لدى الكتاب المبتدئين—لكن عبر التفكيك المتأني والقراءة الحصيفة، ستكتشف أن الكاتب استخدم الخطاب الوعظي كـ "قناع أسلوبي" لإضمار رؤى وأفكار أعمق تحت هذه الطبقة الظاهرة. ستشعر بوجود "نص موازٍ" أو قصة مضمرة في
الخلفية منذ البداية؛ قصة تتسامى عن المباشرة، بلا شخصيات محددة ولا مكان، لكنها ذات امتداد زمني واتجاه واضح منذ فجر الوعي الإنساني، بل وربما قبل ذلك، خاصة أنه صدمنا باستهلال أسطوري يتقاطع مع متخيل قصة الخلق الأولى. قصة في الخلفية تشبه بنية أسطورية مألوفة لكنها متوارية في أعماق الذاكرة الجمعية الإنسانية ومحتجبة خلف صخب العصر وحداتِ حركة المادية. لقد كان الكاتب عبقريًا في هندسة الأفكار بحسب تراتبيتها الحالية في الذهنية العامة، إذ ارتأى أن يترك الموروث الأسطوري حافلاً وفاعلاً وخلفيًا في الوقت نفسه، تمامًا كما يتشكل في وعينا المعاصر.
أعتقد أن هذه الرواية تقتضي شرطين إبستمولوجيين هما: القراءة التفكيكية المتأنية، وإعادة القراءة بوعي نقداني مغاير. وبتحقق هذين الشرطين، ستلمس التأثير ذاته، وتكتشف أنك أمام نص جديد كليًا في القراءة الثانية؛ وهذا في الحقيقة أفق إبداعي هائل ونادر الحدوث في نص أول لكاتب ناشئ.
إن كنت مهتمًا بالتفكيك النفسي للأدب، ستجد بغيتك وعلى أصعدة متعددة؛ وإن كنت مهتمًا بالأبعاد الإنسانية والاجتماعية، فأنت أمام حبكة واقعية مؤلمة تتمنع على الفانتازيا والغرائبية، حتى إنك لن تضطر إلى قبول حلول درامية مقحمة أو "افتراضات غير مبررة" لإكمال السرد. لم يت
كلف الكاتب عناء افتعال أحداث أو اختلاق صدف مجانية لربط النسيج الروائي، فكل حادثة—مهما بلغت هامشيتها—تمتلك وظيفة بنائية في تقدم السرد ولها أثرها العضوي في المحصلة النهائية.
وإذا كنت تبحث عن البعد العاطفي، ستجد نموذجًا فريدًا من "الرومانسية الواقعية"—ولعل هذا التوصيف يبدو مصطلحًا إشكاليًا أو هجينًا في النقد الأدبي—لكنه التعبير الأكثر دقة لوصف العلاقات العاطفية في هذه الرواية، حيث الحب العذري الذي لا ينجرف نحو التخييل المرضي أو الشطح المثالي.
وإن كنت مولعًا بالطرح الفلسفي، فأنت أمام كم هائل من الأسئلة الوجودية المؤرقة التي أجرى الكاتب بؤرتها على ألسنة الشخصيات كمعاناة يومية؛ ينبثق كل سؤال في سياقه وبنيته الزمنية بقوة وألم، وفي مناخ درامي مُعدّ له ببراعة. ستكتشف أن هذه الأسئلة حيّة في وعيك اليومي، لكنها مقموعة في اللاوعي لتجنب ألمها وآثارها المربكة؛ والكاتب يلسعك بها عبر مكاشفات مؤلمة تشعر معها باستحقاقك لها إثر إهمالك لها في خضم الحياة المعاصرة الصاخبة.
ورغم الضخامة الحجمية للرواية وإيقاعها السردي البطيء—الذي قد يعطي انطباعًا أوليًا بقلة خبرة الروائيين الجدد في الاستفاضة وشحن العمل الأول بكافة أفكارهم—ستكتشف أنه لا يوجد فائض لغوي ولا إفراط أو حشو سردي حالما تستوعب الغاية الثيمية للبناء الطبقي المتعدد، وحالما تسبر غور ما وراء المباشرة اللفظية وتلمس التنوع (الفلسفي،التاريخي، النفسي، الاجتماعي، والرومانسي) المتواري خلف الأحداث العادية.
كذلك، يقدم النص ما يشبه "المسح السوسيولوجي" من خلال المهن والتنشئة الاجتماعية للشخصيات، مفسحًا المجال للقارئ لتوقع المصائر والمآلات.
وكما دعتني الرواية لتجاوز الأحكام المسبقة والمسلمات التأويلية، وشوشت أفق انتظاري وأثارت الفوضى في خطاطاتي الفكرية، أجد نفسي بعد إغلاق الغلاف أمام حالة من الإرباك الفكري وموقف انطباعي غير محدد، وكأن النص يرفض أدوات التقييم الانطباعي التقليدية، ويدفعني بعيدًا عن معايير النقد الكلاسيكية المتبعة لسبب أنه هاجم طريقة التفكير البشرية ومغالطاتها ا
لكثيرة.
في النهاية أعتقد أن لكل قارئ سيكون له انطباعه الخاص كما أنه سيكون له انطباع ثاني وثالث مع القراءات المتعددة.


