"آدم ليس من بني آدم"، هكذا تُباغتنا الكاتبة بعبارة صادمة، تزرع في وجدان القارئ تساؤلاً ملحاً لا يهدأ: مَن يكون هذا الكائن؟ هل نحن بصدد سيرة إنسيٍّ غامض، أم جنِيٍّ متمرد، أم أنه طيفٌ عبر إلينا من عوالم لا ندرك كنهها؟
تتجلى لنا "فريدة"، بطلة الحكاية التي كانت اسماً على مسمى؛ فقد تفردت في كل شيء، تفردت في لوعة الألم، واستثنائية الحب، وحتى في غربتها وسط عائلتها. كأنما خُطَّ لها قدرٌ مُحاكٌ من كوابيس سرمدية، كوابيسُ لم تكن مجرد أضغاث أحلام، بل كانت القوة الدافعة التي ألقت بها في "عرين الأسد". هناك، حيث يلتقي الخوف بالغموض في شخصية ذلك "الآدم" الذي وقف أهل بلدته حياله حائرين، عاجزين عن فك طلاسم هويته: أهو من طين الأرض أم من نار السموم؟ فكيف ستتقاطع سبل تلك الروح الرقيقة مع قدره المهيب؟ وماذا يخبئ لهما الغد في جعبته؟
لقد استبدَّ بي الإعجابُ وأنا أطوي صفحاتِ هذا العمل؛ إذ وجدتُني أمام حبكةٍ رصينة وقصةٍ رومانسيةٍ تتدفقُ عذوبةً، وتستحثُّ في الوجدانِ ذكرى "الحبِّ الأول" بنقائهِ الفطريِّ ودهشتهِ البكر. ولا يسعني إلا أن أُشيدَ بذلك التحولِ الجوهريِّ في أدوات الكاتبة؛ فقد شهدنا ولادةً جديدة لأسلوبها الذي ارتقى في هذا العمل إلى مَصافِّ الإبداعِ الرائق، متجاوزةً بداياتها بنضجٍ أدبيٍّ لافت يُحسبُ لها بامتياز.
لقد نفخت الكاتبةُ من روحها في شخوص الرواية حتى استوتْ حيةً تنبض، وتفوقت في رسم المشاعرِ بدقةٍ تُلامسُ شغافَ القلب. ورغم أنَّ ذائقتي كانت تتوقُ لتوغلٍ أعمق في ثنايا بعضِ الشخوصِ الثانوية أو تفصيلٍ أوفى في بعضِ المشاهد، إلا أنَّ سِحرَ البيانِ وعمقَ التجربةِ غطيا على كلِّ نقص، فجاء العملُ لوحةً فنيةً متكاملةَ الأركان.
إني أنصحكم أن تمنحوا أنفسكم فرصةَ الغرقِ في لُجّة هذه الرواية؛ فهي رحلةٌ أدبيةٌ تسمو بالروح وتُنعشُ الذاكرة.
الرواية: ازهار الخريف
الكاتبة: مرڤت خالد
دار النشر: ابهار للنشر والتوزيع
التقييم: 4/5

