تنتمي هذه الرواية إلى الأدب التشيلي، وهي العمل الأول للكاتبة بلن يانوس، وقد حازت جائزة مانويل مونت لأفضل عمل أدبي لعام 2023. تتمحور أحداثها حول محاولة الكاتبة تدوين الألم الذي عصف بها خلال مرض والدتها وانطفائها البطيء. فموت الأم، كما تصوّره الرواية، ليس مجرد فقدٍ عائلي، بل هو يتمٌ للهوية ذاتها؛ إذ مع غيابها يفقد الإنسان مرآته الأولى وملاذه الأكثر أمانًا. لجأت الكاتبة إلى فعل الكتابة لتواجه هذا الحزن، وجعلت من اللغة وسيلتها الوحيدة لالتقاط تلك الحساسية المرهفة التي ولّدها الفقد، متحديةً قدرتها على نقل ما يصعب قوله.
بدأتُ قراءة الرواية بعين ابنةٍ ذاقت مرارة فقد أمها بالمرض، لذلك بدت الصفحات قريبة إلى حدّ الألم. ترصد الكاتبة رحلة والدتها مع السرطان، وتدهور جسدها شيئًا فشيئًا أمام زوجها وأبنائها ومحبيها، متنقلة بين المستشفيات والعلاجات، فيما يتساقط الشعر وتخبو الملامح. كما تتوقف عند علاقة الأب بزوجته، تلك المرأة التي كانت محور حياته والأهم من كل شيء، حتى من أبنائه؛ كان يتمنى لو يرحل هو قبلها، لكن الأقدار لا تسير وفق رغباتنا.
تؤكد الرواية أن فقد الأم ليس فقدًا عاديًا؛ فهي أول نافذة نطل منها على الحياة، وأول اسم نتعلم النطق به، وأول يدٍ تمتد إلينا حين نحتاج الحب والطمأنينة. نظن أنها ستبقى إلى الأبد، لكنها غالبًا أول من يُنتزع منا، فنكتشف عبر رحيلها المعنى القاسي لكلمة الفقد.
إنها رواية حزينة تشعل في القارئ مواجع الغياب، خصوصًا لدى من فقد والدته؛ إذ يمر شريط الذكريات أمامه كأنه يعيش تجربته الخاصة من جديد. عملٌ يوجع بقدر ما يلامس الحقيقة الإنسانية العميقة، ويجعل من الكتابة مساحة لمصالحة الألم ولو قليلًا.

