دفتر الغربة > اقتباسات من رواية دفتر الغربة > اقتباس

المترجم الحمار

⁠‫أبو علي سائق «هونداية»، ولكنه يمارس السياسة منذ زمن بعيد، ويمكن القول إن كثيرين ممن هم في قيادة الحزب الآن انتسبوا إلى هذا الحزب على يدي أبي علي. غير أن محدودية أبي علي وضحالته الفكرية (كما كان البعض يعبر عند وصف أبي علي) منعته من الارتقاء في المناصب الحزبية، بينما ارتقى الآخرون، ولهذا فإن لأبي علي مكانة في الحزب تفوق مكانته في الحياة بما لا يقارن، فمن يراه في سوق الهال يرمي السحاحير في صندوق "هوندايته" وعلى قميصه بقع تركتها عصائر مختلفة لخضار وفواكه "ممعوسة"، لا يقول إنه الشخص نفسه الذي يدخل إلى مكتب الوزير دون "إحم ولا دستور" ويخاطبه ويقبل شاربيه قائلاً:

⁠‫- «كيفك خاي أبو عبدو؟».

⁠‫ثم يرتمي على الكنبة الوثيرة في مكتب الوزير وينتزع قدميه المتعبتين من الحذاء ويضعهما على الترابيزة الزجاجية طالباً:

⁠‫- «وصيلنا على شاي خاي».

⁠‫فيمتثل الوزير لطلبه وينتقل ليسترخي بدوره على الكنبة المقابلة ويبث إليه همومه في الوزارة، ولعل أبا علي هو الشخص الوحيد الذي شكا إليه الوزير أنه في الوزارة مجرد رجل كرسي لا يحل ولا يربط، الأمر الذي جعل أبا علي يرد عليه بعبارته التي يرد بها دائماً على منتقدي سياسة الحزب الداخلية، فيقول:

⁠‫- «معليش خاي معليش… طول بالك. مضطرين ننخ تكتيكياً منشان الهدف الاستراتيجي».

⁠‫المهم، فإن أبا علي، وبسبب ما ورد ذكره، وإن كانت لا توكل إليه مهمات حزبية حساسة، إلا أن الحزب يعامله كرفيق ذي مكانة عالية وأهمية خاصة، ولذلك فعندما مرض في إحدى المرات تمت معاملته مثلما يعامل عضو اللجنة المركزية، حيث تم إرساله إلى بلغاريا لكي يعالج هناك في مشفى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري.

⁠‫وفي بلغاريا عومل أبو علي على هذا الأساس أيضاً، فتم تعيين مترجم له يرافقه في جولاته على الأطباء ويساعده في تدبير أموره إن احتاج إلى شيء، وعلى الأغلب فإن لهذا المترجم صفة أمنية ما، ويتحمل مسؤولية ما فيما يخص أبا علي.

⁠‫لم يكن أبو علي مسروراً جداً لهذا المترجم، وكان كلما ترجم له عبارة، يعلق مغمغماً دون لفظ

مشاركة من ناهد الخلو ، من كتاب

دفتر الغربة

هذا الاقتباس من رواية