《جليلة السيد... تذكروا هذا الاسم جيدًا》
قبل شروعي في قراءة رواية مدن الحليب والثلج للكاتبة البحرينية جليلة السيد كان سقف توقعاتي عاليًا لما سمعته وقرأته عنها من إشادات وإطراءات. وقد صدق حدسي بل وأجزم أنها فاقت توقعاتي ولبّت كل ما كنت أرجوه منها.
ما هذا السرد يا جليلة.. وما هذه اللغة.. وما هذه المشاعر الفياضة.. أحسست أن الكلمات تنطق وتتنفس، وإن كان صوتها يئن من الألم والحزن والمرارة التي رأتها لولوة على مدار حياتها.
في "مدن الحليب والثلج" تخوض لولوة ـ بطلة الرواية وراويتها الوحيدة ـ رحلة شرسة مليئة بالصعاب والمآسي من البحرين إلى سوريا فالسويد، تتعرض خلالها لكل أنواع الصفعات، بداية من فقد أبيها في سن مبكرة جدًا. ثم تتوالى عليها الضربات الضربة تلو الأخرى، إذ يفرض عليها أخوها من أبيها، وهي تخطو أولى خطواتها في عالم المراهقة، زواجًا بالقوة من صديق له، بخيل وسكير، أذاقها كل أنواع الإهانات الجسدية واللفظية.
تنجح بطلتنا بعد سنوات من العذاب والقهر أن تتحرر من هذه الزيجة وفي رقبتها طفلة مثلت لها الأمل في المستقبل الأفضل، لكنها وبدون أن تدري تتسبب لها في حدوث عقدة نفسية بعد وقوعها فريسة للتحرش من قبل الشخص الذي ظنت لولوة لوهلة أنه الرجل الذي سيُنسيها آلامها وأوجاعها في تجربة زواجها الأولى.
ويبتسم القدر للولوة ابتسامة محتشمة بعد زواجها من حب عمرها ابن خالها عصام وانتقالهما سويًا للعيش في السويد. وهنا تبدأ صفحة أخرى من حياتها، حزينة متشحة بالسواد، إذ تنجب طفلًا مصابًا بالتوحد ثم تأتي الطامة الكبرى عندما تقرر مؤسسة الرعاية الاجتماعية بالسويد بكل بساطة وبرودة دم انتزاع ابنتها الكبرى منها، بزعم أنها أم مضطربة ولا توفر استقرارًا نفسيًا كافيًا لها، لتعيش في كنف أسرة سويدية كانت بمثابة بداية النهاية.
ما الذي فعلته لولوة كي تُخطف ابنتها منها بجرة قلم؟
وما مآلات ذلك القرار عليها وعلى ابنتها؟
وهل اكتفت تلك المؤسسة بالابنة الكبرى فقط أم أن أيديهم امتدت إلى بقية الأبناء؟
هذا ما ستكشفه لنا فصول هذه الرواية، التي ناقشت عدة ملفات وقضايا مهمة وحيوية أبرزها:
العنف الأسري،
الخرس الزوجي،
التحرش،
اتساع الفجوة بين الآباء والأبناء،
التعامل مع الأطفال المصابين بالتوحد،
سوريا.. ما قبل الأسد وما بعده وما تعانيه من انقسامات وفُرقة.
ما يُميز كتابة جليلة السيد أنك لن تشعر بأن كل هذه القضايا مفروضة بالقوة على سياق الرواية، بل برعت الكاتبة في الحديث عن كل قضية في سياق الحبكة والبناء الدرامي للعمل، فكانت النتيجة خلطة روائية متناسقة متماسكة.
كما أعجبتني حنكة الكاتبة في توظيف اللغة بإتقان شديد لإظهار مشاعر الحزن والألم والفقد التي لازمت لولوة طيلة أحداث الرواية. فأنت في هذه الرواية لا تقرأ مجرد كلمات مرصوصة بجوار بعضها البعض، إنما كلمات تنطق بما يعتمل داخل لولوة من حزن وألم وخذلان وفقد وتعاسة واكتئاب وانتقام وتحدٍّ وأمل.
يكشف لنا العمل، من خلال تجربة لولوة في السويد، تناقضًا صارخًا في منظومة حماية حقوق الأطفال هناك، فالقائمون عليها ليس لديهم مانع في أن يقيم الأبناء والبنات في سن مبكرة علاقات جنسية كاملة طالما كان بالتراضي، تحت مسمى الحرية. لكنهم في الوقت ذاته ينصبون من أنفسهم أوصياء على الآباء والأمهات، لا سيما المهاجرين منهم، ينتزعون أطفالهم منهم باسم الرعاية، غافلين أو متغافين عن تسببهم في تفريق شمل أسرة جاءت إلى تلك البلاد لتتنفس هواء الحرية، فإذا بفلذات أكبادهم تُسلب منهم باسم الحرية.
مدن الحليب والثلج رواية تستحق العلامة الكاملة بكل جدارة، فكل عناصر العمل الأدبي الناجح متوافرة. ربما لم تأخذ بقية الشخصيات نفس العمق والتطور الذي حظيت به شخصية لولوة، وإن كنت أتفهم ذلك لأنها الشخصية المحورية التي تدور حولها أحداث الرواية.
الرواية صادرة عن دار الرافدين عام ٢٠٢٥، وتقع في ٢٢٤ صفحة.
مدن الحليب والثلج رواية تستحق القراءة بكل تأكيد، وأرشحها بقوة لأعضاء أبجد، متمنيًا أن تلامس شغاف قلوبكم كما لامست شغاف قلبي.
اقتباسات راقت لي وما أكثرها وما أجملها:
✓ الأمومة؛ أن تضعي طفلك جهة القلب، وتضعي بقية العالم، على وضع الطيران. أن تكوني أول من يستيقظ على شهقة، وآخر من ينام على نبضه، و أن تتذكري في نومك أنّ طفلكِ سيبكي بعد قليل، فلا تعرفين النوم أصلا. أن تخيطِي النهار على مقاس بكائه، أن تنسي صوتكِ لتتقني لغته، وتُذيبي جسدكِ كي يشتد عوده أن تنجبيه بعد تسعة أشهر، وتحمليه بعدها كل العمر.
✓ آمنتُ أن بعض الفقد يشبه ثقباً لا يُردم، مهما حاولنا، تهزمنا هشاشته.
✓ أحيانًا، لا تكمن القوة في صخب المواجهة، لا في رفع الصوت وصدّ الهجوم لإثبات الحق المسلوب. كثيرًا ما يكون السكوت في وجه الظالم أكثر حزمًا.
✓ الأطفال الذين تَسحَبُهم مؤسسات الرعاية الاجتماعية لا يفقدون أسرهم فقط، هم يفقدون ذواتهم، يتحولون إلى كائنات هجينة، هائمة بين ثقافتين دون أن تنتمى حقا لأي منهما، أطفال تائهون بين ما فُرض عليهم، وبين ما كانوا ليكونوه لو لم ينتزعوا من جذورهم.
✓ الهوية ليست اسماً على وثيقة، ولا علماً فوق مبنى قنصلية. الهوية جذر عميق. حين يُقتلع، لا يتبقى إلا ساق ذابل.
✓ الغربة ؟ ليست لهجة غريبة ، ولا طقسًا باردًا. الغربة حين تهمسين باسم طفلك، ولا يرد عليك. حين تصبح الأمومة «قرارا»، والأبوة «إثباتا»، والعائلة «ملفًا في درج».
✓ ظننتُ أنّ الحرب في الشرق، وأنني نجوتُ منها؛ لكني أدركت الآن أنها لم تنتهِ، تَبَدَّلت أسلحتها ليس إلا. في غزة وسوريا ولبنان تتساقط القنابل كالمطر، نيران ورصاص يقتنص الأطفال، يُدفنون تحت الركام، وفي العراق يُبعن الإيزيديات في سوق النخاسة، تُجتثّ براءتهن كما تُجتث الأرض من جذورها. وفي الغرب، يلبس الموت قناع قانون، يتسلل عبر الأوراق الرسمية، ينتزع الأطفال من الجذور ، تُسلخ منهم الأسماء، يُعاد تشكيل الهوية، كأن الانتماء خطيئة يجب التخلص منها.
✓ أنا لستُ ورقةً يعود لها إذا بقي مقعدٌ شاغر. أنا اليقين الذي لا يُؤجل. أنا في حياته قدر، ولا رجعة في القدر.
✓ الحياة ليست تلك الخطط التي نرسمها ونراجعها كل حين، الحياة مفاجآت تضرب كالعواصف، تقتلع كلّ شيء من جذوره، تتركنا عالقين في الخواء.
✓ حين تضيق الأرض، يبحث المرء عن جذوره. آخر خيطٍ يتشبث به حين تتلاشى الخيارات. الغربة شعورٌ قاسٍ بالعجز، بالتيه في أرضٍ لا تعترف بك مهما حاولت.
✓ ظننت أنني أعرف معنى الخسارة حين جربت موت أمي؛ كيف أشرح لها الآن أنّ فقد الضنى لا يكسر القلب فحسب، هو يلتف كأفعى حول الرغبة في الحياة، يعتصرها حتى تبهت ثم تتلاشى.
✓ حين نقرأ مذكرات من رحل، لا نفعل ذلك بدهاء ومكر غالبًا، إننا نحاكم أنفسنا ونحن نقلبُ ،الصفحات، بحثًا عن خيط قد فاتنا، عن صرخة لم نسمعها في وقتها، عن كلماتٍ لم نقلها قبل أن يصبح الصمت سلاح الجريمة. نحن لا نقرأ فحسب، نحن نحمل إرث الغائب على أكتافنا، نحمله كأنه عبء وعقاب لا فكاك منه.
✓ النوايا حين تصفو تعيد ترتیب فوضى القلب، تمنحه دفئًا كاد ينساه.
✓ أدركتُ أخيرًا أنّ الإنسان لا يُصقل بالكمال، بل بالتشظي. وأن في كل شرخٍ داخلي، بذرة وعي تتفتح... تمامًا كما يولد الضوء من قلب الانفجار.














