المؤلفون > أحمد همشري > اقتباسات أحمد همشري

اقتباسات أحمد همشري

اقتباسات ومقتطفات من مؤلفات أحمد همشري .استمتع بقراءتها أو أضف اقتباساتك المفضّلة.

أحمد همشري

عدل معلومات المؤلف لتغيير تاريخ الميلاد أو البلد

اقتباسات

  • في عطلة نهاية الأسبوع ينام مغشيًّا عليه، حالمًا بأهله وبأصدقائه، وبأنه مجرَّد "برغي".‏

    ‫ ‏وفي صبيحة يوم الإثنين يطرقُ أسماعه السؤال المضحك المبكي من زميله الألماني:‏

    ‫ ‏- كيفَ قضيتَ عطلة نهاية الأسبوع؟! ‏

  • عموم السكَّان، تعمل بنبض واحد، ودقَّاتٍ مُتجانسة.‏

    ‫ ‏يستيقظ الألماني، مثل مُؤقتٍ مضبوط، في غضون فجر الإثنين، وينطلق كآلة لا تهدأ حتَّى مساء الجمعة، مُتحرِّكًا خلالها مثل "بندول" السَّاعة بين العمل والمنزل، فإذا ما حلَّت عطلةُ نهاية الأسبوع، طابَ لتلك للآلة أن تستريحَ، وطاب للألماني أن يسهرَ، وأن يسكرَ إن شاء، ريثما تهمُّ عجلة الأسبوع القادِم بالانطلاق، حيث تعودُ الآلة لوضعها المعتاد ولدورانها الروتيني، يحدثُ هذا للألماني المدير، والألماني الأستاذ، والألماني العامل، والألماني المهندس.. وجميع سكَّان هذه البقعة الجغرافية، بهذه الدورة الأزليَّة يعيشون، وبهذه الدورة يبرمجون حياتهم ويُرتِّبون مواعيدهم وإجازاتهم وعلاقاتهم، كلُّ شيء عندهم بمقدار، وكُلُّ حركة هي جزء من خطَّة وُضِعَت من قبل، فالسبت القادم، والشهر القادم، بل والسنة القادمة رُسِمَت مُخطَّطاتها ووُضِعَت تفاصيلها بعناية.‏

  • الحجم ليس عِبرةً في عالم البريد، وقد خرَّب فأرٌ سدَّ مأرب، كما قالَت العربُ، إحدى هاتين الرسالتين تبدو سميكة بحواف ناتئة، وغلاف بني اللون، يكادُ قلبي ينخلع من شكلها، أظنُّ أنَّها استمارة سأسهر على حلِّ طلاسمها حتَّى الصباح، والاستمارات في هذا البلد فظَّة وغليظة القلب، وتُصيبكَ وأنتَ تملؤها بلفحة من العجزِ والذُعر والخيبة، وألمانيا بلدٌ مُشيَّد من استماراتٍ، يملؤها السكَّان يوميًا، تأتي الاستمارات مع الإفطار كالخبز وفنجان القهوة، ويطرحُ غيابُ الاستمارات لدى البعض أسئلةً وجوديَّة، وقد يُسبِّب الجوعُ، وشخصيًا لا أظنُّ أنَّه مرّ عليَّ شهر دون أن أملأ استمارة واحدة على الأقل،

  • كُلَّما اقتربتْ من المغلاق، المفتاح لا يعرفُ طريقه بسهولةٍ أمام هذه الرعشة ويخطِئ الهدفَ غير مرَّة، وخلال دورانه داخل المغلاق يُصدر المفتاحُ صوتًا يزيد من وطأة المشهد، ويصرُّ صريرًا يُعذّبني، ومع كُلِّ دورة تدور أفكاري ذات اليمين وذات الشمال: فارغٌ أم ممتلئ؟ ممتلئ بماذا؟! قرار، مُخالفة، مُحاكمة، فاتورة..‏

    ‫ ‏أفتح الصندوقَ، ثمَّة ثلاث رسائل؛ واحدة كبيرة واثنتان صغيرتان، أمَّا الكبيرة فأعتقدُ أنَّها مُخالفة سير؛ في آخر مرَّة تجاوزتُ فيها حدود السرعة المسموح بها بمقدار (خمسة كم بالسَّاعة)، تجلس هذه الفكرة في ناصية رأسي منذ أسبوعين، ومنذ ذلك الوقت وأنا أبحثُ عن المخالفة كُلَّما فتحتُ صندوق البريد،

  • عيد الأمِّ، فيحمل من الودِّ والصدق أكثر بكثير من عيد المُعلِّم، عدا هذين العيدين نحن لا نتهادى إلَّا نادرًا! هنا في هذا البلد يتهادون كثيرًا، ويتبادلون الهدايا، ويفاجِئون بعضهم البعض بها، يتهادون خصوصًا في عيد الميلاد وعندَ تغيير مكان العمل أو حدوث أيّ مناسبة، هذا جميل جدًا، ومن الأشياء الَّتي تعلَّمتُها في هذا البلد.‏

    ‫‏***‏

  • جامعة لودفيغ مكسيمليان في ميونخ، يوجد على الأرض تذكار للمناشير الَّتي نشرتها مع رفاقها.‏

    ‫ ‏في المحكمة سجَّل التاريخ أنَّ صوفيا شول قالت:‏

    ‫ ‏"ما كتبناهُ وقلناه يؤمنُ به الكثيرون من الألمان، غير أنَّهم يخشون عواقِب التعبير عن آرائهم، في نهاية المطاف، على البعض أن يفعلوا شيئًا"‏

    ‫‏***‏

  • صوفيا شول، وهي طالبة أحياء وفلسفة في جامعة ميونخ، بالإضافة لأخيها طالب الطب ومجموعة من رفاقه، كانت نشاطاتُهم تتضمَّن الكتابة على الجدران، وكتابة المناشير وتوزيعها، استمرُّوا بالنشاط إلى أن افتُضِحَ أمرُهم في الجامعة، واعتُقِلوا بتاريخ 18 شباط عام 1943، بعد أربعة أيَّام فقط من الاعتقال، أي بتاريخ 22 شباط، تمَّت إدانة المجموعة في محكمة الشعب بميونخ بتهمة الخيانة العظمى، وبعد انتهاء المحاكمة، قُطعت رؤوس أعضاء المجموعة في اليوم ذاته.‏

  • النساء في ألمانيا عام 1945 أكثر بسبعة ملايين من عدد الرجال، وقتذاك، لم تجلسْ أولئك النسوة مكتوفات الأيدي، ولم يندبن حظَهنَّ، بل قمْنَ ينفضنَ آثار الحرب، يسمونهنَّ اليوم "نساء الأنقاض"، النسوة اللائي شاركنَ بإزالة مخلفات الحرب، واليوم ثمَّة عدة نصب تذكارية لنساء الأنقاض في مدن ألمانية عديدة، كاحتفاء وتذكير بأولئك النسوة.‏

    ‫ ‏هذا في حربهم هم، أمَّا في حربنا نحن، فقد تحوَّلنا جميعُنا إلى أنقاض، وتهدَّمْنا، ليست بيوتنا فحسب، وليست مدارسنا ومرابع طفولتنا، مَن نهشتها مخالب الحرب، نحن أيضًا منهوشون من أعماقنا، ورغم أنَّنا نُغلِّف كُلَّ ذلك بملامح طبيعيَّة وطلاء من الابتسامات فإنَّ قلوبنا وأرواحنا وجوارحنا تحت قشرة الطلاء هذه ما تزال خاوية على عروشها، مجرَّد ركام ممتد وأنقاض لم (ولن) تجد مَن يستطيع محوها وإزالة آثارها.‏

  • وبربروسا تعني ذا اللحية الحمراء، وتقول الأسطورة إنَّ بربروسا سيستيقظ

  • زرتُ معرضًا يوثِّق آثار الحرب العالميَّة الثَّانية على مدينة أوغسبورغ في جنوب ألمانيا؛ صورٌ بالأبيض والأسود، وأفلام توثيقيَّة لمبانٍ مُسوَّاة بالأرض، كان دمارًا مُمتدًا، وكانَت أحياء كثيرة تبدو مجرَّد أكوامٍ من الحجارة، ننظرُ كثيرًا إلى مأساتِنا على أنَّها أكبرُ المآسي، وننظرُ لبقيَّة الشعوب بحسدٍ، ونتساءل مرارًا: لماذا نحن فقط مَن عانَى من الحرب؟ لكنَّ التاريخ يقول إنَّ معظم الشعوب قاسَت الحروب وذاقَت مرارتَها، وقد كتبَت المُؤرِّخة الكندية "مارغريت ماكميلان" كتابًا عن الحرب، طارحة فكرة أنَّ الحرب مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوجود الإنسان، استهلَّت المُؤرِّخة كتابها الصادر عام 2020 تحت عنوان "الحرب، كيف شكَّلنا الصراع"، بقصَّة (أوتزي

  • ‏يروي كارل غوستاف يونغ قصّةً عن طفولته، حين أوقفَه عمّه في الشارع وسأله: "هل تعرف كيف يقوم الشيطان بتعذيب الأرواح في الجحيم؟" فهزّ يونغ رأسه بالنفي، أجابه عمّه: "يجعلهم ينتظرون."‏

  • ألمانيا، عِبارة عن بلدٍ لَم يضع قانونُه حدًا لسُرعة السيَّارات على طرقه السريعة، لكن هو ذاتهُ ما يزال سلحفاة عرجاء، وطوابير من المنتظرين، والمنتظرون تعرفهم بسيماهم، بشر يُدمنون السهرَ والقهوة، ويسكنُهم الوجعُ، وهم يحسبون التقويم بالموعِد المنتظر، وبين حينٍ وآخر تسمعُهم يدندنون كلمات أغنية قديمة تقول: (أغدًا ألقاك، يا خوف فؤادي من غدي، يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد)،

  • وما أشقى أن تكون مريضًا في هذا البلد! كُن فقيرًا، كُن مَدينًا، كُن عاطلًا عن العمل، كُن مطلوبًا للعدالة، مُت إن شِئت، أو كُن ما شئتَ، لكن إيَّاك أن تكون مريضًا في ألمانيا، المرض هو عورة هذا البلد، ونقطة ضعفه، وأبغض أشيائه، هو "تراجيديا" ذاتُ فصول طويلة، وقضية تُرافقكَ شهورًا، قبل أن تنتهي منها.. أتذكَّر أيَّام سورية، يوم كانَ المرءُ يدخل إلى الطبيب الَّذي يشاء، في الوقت الَّذي يشاء، دون اتِّصال أو انتظارٍ أو موعد، هذا كان هناك، أمَّا هنا، فالحصول على موعد عند طبيب اختصاص يحتاجُ لوحده اتِّصالات ومُخطَّطات، ثمَّ يأتي انتظار الموعِد، وهيهات هيهات! إذ ستمرُّ شهورٌ من الانتظار يعرِّش فيها الوجعُ في قلبكَ

  • معظم الوقت بشِعر لمحمود درويش يقولُ فيه: "أنا من هناك، أنا مِن هنا، ولستُ هناكَ، ولستُ هنا"، جسدي الجالسُ في المنتصف، والمتعب من التأرجُح وكثرة التقلُّب، ينتظر نهاية العِراك، هو لم يعُد يكترث مَن سينتصر، ينتظرُ فقط نهايةً لهذا العِراك، أي نهاية!‏

  • الثَّانية، فتكره الحاضِر والغربة وتلتفت إلى الوراء، بقلبها ورقبتها وروحها، هي لا تعترف بواقِعٍ، ولا بتاريخٍ، ولا بجغرافية، ولا بأيِّ شيء آخر سوى العودة؛ العودة إلى هناكَ، إلى الماضي الَّذي رحلَ؛ هي ترى أنَّ كُلَّ ما جرى ويجري قصةٌ مؤقتة، وحالةٌ عابرة، مثل حالات "الواتس آب"، وأنَّ الأمور ستعود أدراجها إلى بدايتها، إلى الحارة الَّتي نزح سُكَّانُها.. شخصيَّة تمقتُ عُبوس الألمان وجديَّتهم وبُعدهم عن المرح، وتمقتُ حبَّهم للمثاليَّة، وهوسَهم بالتدقيق والمواعيد، شخصيَّة تُحبُّ البساطة والعفوية وروح الشرقِ البعيد المُطمئنِّ، هي تعيش بنظامِها الخاصِ الَّذي لا تحيدُ عنهُ، نظام قائِم على الحريَّة والانفلات، ثمَّة نهارٌ عامِر بالتراخي والغيابات والوصول المتأخِّر للعمل

  • ‏تتنازع فيَّ منذ وطئَتْ قدماي هذه البلاد شخصيتان، شخصيةٌ تمارس حياتها كأيِّ كائنٍ بليدٍ في هذا العالم، هي تؤمِن بأنَّ هذا العالم بليدٌ، ولا ينفع معَه سِوى البلادة، استيقاظ، ثمَّ عملٌ، ثمَّ عودةٌ من العمل، في دورة حياةٍ لا تنتهي وروتين مُكرَّر، وشخصيةٌ أخرى تقيم هناك في حارةٍ شرقيَّة نزحَ سُكَّانها، وتُمضِي الوقتَ وهي تُلملم من شوارعها قصصًا وحكايا، وتستمِع ياس خضر وهو يُدنِدن "على شطِّ الفرات تهيم موجات الأمل بيا"، جاعِلًا خلايا الروح تُلامِس الأبدية.‏

  • نصفي الثَّاني ما يزال معلقًا هناك، في عذق نخلة على ضفاف الفرات.‏

    ‫‏***‏

    ‫ ‏ما زلتُ حتَّى هذه اللحظة، كلَّما دخلت محطةً للقطار في ألمانيا، يخامرني شعورٌ مطبقٌ بالغربة، وشعورٌ بالفراغ داخل صدري، وكأنّي "غريبٌ في المجرَّة"، أو "غريبٌ على الخليج"، أشعرُ بذلك، لا لرؤية جموع المسافرين ومشاهد الفراق والوداع، على ما تسبّب من فيضٍ في المشاعر، لكن لأنَّ محطة القطار تُحيلني سنين للوراء، إلى ذلك النهار المشمس من ربيع عام 2015، وقت حطَّت قدماي المتعبتان في محطَّة ميونخ الرئيسة للقطارات، بعد ما يزيد على شهر من الترحال، أتذكَّر ذلك اليوم بحذافيره، أتذكَّر ذهولي مِن حجم المحطة العملاق، ومن كمِّ البشر فيها، كان ثمَّة زحامٌ من بشر بألوانٍ مختلفة، يتحركون داخل المحطة وخارجها،

  • يخرجُ لاجئٌ من سورية‏

    ‫ ‏تقولُ الطائرة: خسرتُ أحدَهم!‏

    ‫ ‏يسيلُ لعابُ السَّمكِ في البحرِ المتوسِّط..‏

    ‫ ‏يشعرُ الأمينُ العامُّ للأمم المتَّحدة بالقلق!‏

    ‫ ‏تتَّهمُه داعش بالردَّةِ‏

    ‫ ‏يُفتي المشايخ: لقد ارتكبَ مُحرَّمًا!‏

    ‫ ‏يخرج لاجئ من سورية..‏

    ‫ ‏يمضي وحيدًا‏

    ‫ ‏مُصغيًا إلى الأصواتِ المتناهية إلى فضاءِ رحلتِه‏

    ‫ ‏فلا يسمعُ سِوى صوتِ بكائه.‏

  • الإهداء‏

    ‫ ‏- إلى روح الأستاذ صالح همشري: ‏

    ‫ ‏كانَ يقطن تحتَ سقفٍ من طين، يتسرّبُ منهُ كلَّ شتاءٍ ماءُ المطر، لكنَّه أقامَ تحتَ ذلك السقفِ – رغم سوء الحال – مكتبةً عامِرة، أثارَت في نفسي منذُ الصِّغر وقارًا تجاه الكُتب، وعلَّمتني، من حيثُ يدري أو لا يدري، أنَّ بناءَ البيوت العامِرة يكونُ بالكُتبِ؛ لا بالطِّين.‏

    ‫ ‏- إلى هانس، وفرانس، والبقيَّة في (إيبانر شتراسه): ‏

    ‫ ‏وطنُكَ حيثُ تشعرُ أنَّكَ بخير.‏

  • أحمد همشري‏

    ‫ ‏أحمد همشري، طبيبٌ سوريٌّ من مواليد البوكمال، عام 1987م.‏

    ‫ ‏يُقيم في ألمانيا منذُ عام 2015م، ويعملُ اختصاصيًّا في أمراض الصدرِ والجهازِ التنفُّسي في ولاية بافاريا.‏

    ‫ ‏يَهوى الكتابةَ والثقافة، ويُعرَف بين أصدقائه بِحبِّه للأدب، وينشرُ بين فترة وأخرى في مُدوَّناتٍ ومواقِع مختلفة، وعلى صفحته الشخصية على "فيسبوك".‏