إنني حائرة،مبلبلة الفكر،مشتتة الخاطر ..هذه هي الحالة التي تصيبني كلما قرأت ل غوركي،يجعلني أحادث نفسي عند كل سطر في دهشة..كيف يتغلغل في وصف مشاعر كل شخصية في الرواية هكذا؟كيف يجيد إيصالنا إلى حالة التمرد والعصيان التي عاشها كل عامل يسعى من أجل ثورته على العبودية وإعلاء الإشتراكية في كل مصانع سيبيريا؟كيف وصف مشاعر الأم بتلك الحميمية ،الأم التي لم يكن لها أي هدف في حياتها السابقة سوى تلقي الإهانات من زوج لم يقدر قيمتها لكن حين رأت ابنها يناضل من اجل قضيته اتبعت خطاه دون تفكير وصار عالمها الضئيل كبيراً بفضله..الرواية لا أستطيع أن أغمطها حقها بقليل من الكلمات لكن يكفيني من تلك الرواية مايعلق في الذاكرة من كلمات "بافل" الابن العظيمة والتي يدافع بها عن مبادئه أثناء محاكمته.. ❝ إنكم جميعًا، يا أسيادنا، أكثر شبهًا بالعبيد، منا نحن؛ فأنتم مستعبدون روحيًا، بينما نحن جسديًّا فقط. أنتم عاجزون عن التخلص من نير عبودية التقاليد والتحيز، ذلك النير الذي قتلكم روحيًّا. لكن لا شيء يحول بيننا وبين أن نكون أحرارًا روحيًّا، فالسموم التي تغذوننا بها أضعف من الترياق الذي تصبونه، رغم إرادتكم، في عقولنا، وإن معرفتنا للحقيقة تزداد كل وقت، وتجذب أحسن الناس وأفضلهم، كل أولئك الأنقياء روحيًّا، حتى أولئك الذين من وسطكم. انظروا فقط… فقد أصبحتم الآن لا تجدون من يدافع عن مبادئ طبقتكم، لقد استنفدتم كل الحجج التي في استطاعتها أن تنقذكم من ضغط العدالة التاريخية الساحق، فأنتم عاجزون عن خلق أي أفكار جديدة، فقد أجدبتم فكريًّا، أما أفكارنا فتنمو، وتزداد قوة، تلهم الجماهير وتعبئهم من أجل النضال في سبيل الحرية"ليردد في النهاية بصوت عال يمتلئ بقيمة الحق الذي ينادي به" ولأنني شاهد على هذه المحاكمة الهزلية التي تسمونها محاكمة أوشكت أن أعطف عليكم، فبالرغم من كل شيء أنتم كائنات بشرية، وإنه لشيء مهين دائمًا أن نرى الكائنات البشرية- حتى أولئك الذين يعادون قضيتنا- منحطين إلى هذا الدرك في خدمة القوة الغاشمة، محرومين كل الحرمان من شعورهم بالكرامة الإنسانية!

