مراجعة «سيرة الذي عاش» لأحمد الملواني
ماذا لو لم يكن الموت هو نهاية الحكاية… بل الجزء الأخير منها؟
هناك كتب نقرأها لنصل إلى النهاية، وكتب أخرى تجعلنا نتوقف قليلًا عند أنفسنا ونحن نقرأ.
و«سيرة الذي عاش» لأحمد الملواني من النوع الثاني.
بعد أحد عشر عامًا من آخر مجموعة قصصية له، يعود الملواني إلى القصة القصيرة بمجموعة لا يبدو أن الموت فيها مجرد حدث يقع للشخصيات، بقدر ما يبدو كفكرة تسكن خلف كل حكاية. أربعة نصوص تتقاطع عند الموت والفقد والذاكرة، وكأن الكاتب لا يحاول أن يخيفنا من النهاية بقدر ما يحاول أن يجعلنا ننظر إليها من زاوية أكثر إنسانية.
أكثر ما استوقفني في التجربة هو أن الموت هنا ليس نقيض الحياة.
هو جزء منها.
تلك الفكرة البسيطة في ظاهرها، الثقيلة في معناها، تجعل القراءة مختلفة؛ لأننا نكتشف أن خوفنا من الموت ربما لا يأتي من الموت نفسه، وإنما من الأشياء التي لم نمنحها وقتها الكافي قبل أن نصل إليه: شخص لم نخبره أننا نحبه، ذكرى لم نتصالح معها، اعتذار تأخر، بيت تركناه وفي داخله جزء منا، أو نسخة قديمة من أنفسنا لم نعرف كيف نودعها.
الملواني لا يتعامل مع الفقد باعتباره لحظة واحدة.
الفقد عنده يبدو ممتدًا.
يبدأ قبل الغياب أحيانًا، ويستمر بعده؛ في الذاكرة، وفي الأماكن، وفي الأشياء الصغيرة التي تظل موجودة بينما أصحابها لم يعودوا كذلك.
وهنا تحديدًا شعرت أن عنوان المجموعة «سيرة الذي عاش» يحمل شيئًا شديد الحساسية؛ فهو لا يقول «سيرة الذي مات»، وكأن الحكاية لا تُختصر في لحظة الرحيل. الإنسان يُحكى بما عاشه، بمن أحبهم، بما تركه خلفه، وبالأثر الذي لم يمت برحيله.
وهذا ما أحببته في الفكرة:
أن يتحول الموت من خاتمة إلى سؤال.
سؤال عن معنى أن نعيش أصلًا.
وسؤال آخر أكثر قسوة:
هل يكفي أن نمر بالحياة، أم أن علينا أن نترك فيها شيئًا يشبهنا؟
الجميل أيضًا أن عودة الملواني إلى القصة القصيرة بعد هذه السنوات لا تبدو مجرد عودة إلى شكل أدبي قديم بالنسبة له، بل محاولة لاستعادة مساحة يستطيع فيها أن يضغط تجربة إنسانية كاملة داخل نص محدود، دون أن يفقدها ثقلها العاطفي. وهو نفسه يرى أن المجموعة القصصية ينبغي أن تكون مشروعًا متكاملًا له ملامحه، لا مجرد مجموعة نصوص وُضعت بجوار بعضها.
وهذه نقطة أراها واضحة في «سيرة الذي عاش».
فحتى عندما تختلف الحكايات، يظل هناك شعور واحد يربطها:
ذلك القلق الإنساني القديم أمام فكرة الفناء.
الكتابة هنا لا تبحث عن إجابة مريحة.
ولا تقول لنا إن علينا ألا نخاف.
بل تفعل شيئًا أكثر صدقًا:
تسمح لنا بأن نخاف، وأن نحزن، وأن نفتقد، وأن نفكر في الموت دون أن يتحول الحديث عنه إلى رثاء مباشر.
وهذا تحديدًا ما جعلني أقرأ المجموعة ببطء.
بعض الكتب تنتهي بمجرد أن تغلقها، لكن هناك كتبًا تظل تعمل في داخلك بعد الصفحة الأخيرة.
تستدعي شخصًا فقدته.
مكانًا لم تعد إليه.
صوتًا لم تعد تسمعه.
أو حتى نفسك القديمة التي تركتها في طريق ما دون أن تنتبه.
«سيرة الذي عاش» بالنسبة لي ليست مجموعة عن الموت بقدر ما هي مجموعة عن أثر الحياة فينا.
عن الذين رحلوا، لكنهم لم يرحلوا تمامًا.
عن الذكريات التي نعتقد أننا تجاوزناها، ثم تعود فجأة من تفصيلة صغيرة.
عن فكرة أن الإنسان قد ينتهي جسده، لكن حكايته تظل معلقة في حياة الآخرين.
وربما لهذا أحببت العنوان أكثر كلما تقدمت في القراءة:
سيرة الذي عاش.
لأن أجمل ما يمكن أن نتركه خلفنا ليس تاريخ ميلاد ولا تاريخ وفاة…
بل سيرة حياة تستحق أن تُروى.
تقييمي: ⭐️⭐️⭐️⭐️½ / 5
عمل هادئ في موضوعه، ثقيل في أسئلته، وحساس في اقترابه من الموت والفقد والذاكرة. وأظن أن أجمل ما فيه أنه لا يحاول أن يمنحنا إجابات جاهزة؛ بل يتركنا أمام أسئلتنا نحن، وهذا أحيانًا يكون الشكل الأكثر صدقًا للأدب.

