بدأت هذه الرواية وأنا أتوقع حكاية يابانية خفيفة، بفكرة غرائبية وعنوان لطيف، ولم أتوقع أن أخرج منها بذلك الشعور الثقيل الذي تتركه بعض الكتب الصغيرة حين تضع يدها، ببساطة شديدة، على أكثر مخاوف الإنسان بدائية: الموت، الفقد، والندم على ما لم نعشه كما ينبغي.
ينطلق غينكي كاوامورا من فرضية بسيطة تكاد تقترب من الحكايات الرمزية، ليطرح من خلالها سؤالًا أكبر بكثير من حجم الرواية: ما الذي يمنح حياتنا قيمتها فعلًا؟
بطل الرواية إنسان عادي جدًا، وهذه العادية تحديدًا كانت من نقاط قوتها بالنسبة إليّ. لا بطولة استثنائية، ولا حياة حافلة بالمغامرات، بل إنسان يشبه كثيرين منا، يمضي في أيامه إلى أن يجد نفسه مضطرًا إلى النظر إليها من زاوية مختلفة تمامًا. وعندما يصبح وجوده نفسه موضع سؤال، تبدأ الأشياء التي اعتادها في اكتساب معانٍ جديدة.
أحببت الطريقة التي جعل بها الكاتب التفاصيل اليومية جزءًا من تأمله في الحياة. فنحن غالبًا نربط قيمة وجودنا بالأحداث الكبيرة: نجاح، حب عظيم، سفر، إنجاز، لحظة تغير كل شيء… بينما تقترح الرواية، بهدوء، أن حياتنا قد تكون في الحقيقة مجموع أشياء أصغر بكثير؛ أشياء نمر بجانبها كل يوم من دون أن نمنحها أي أهمية، مع أنها تحمل أجزاء كاملة من ذاكرتنا.
وهذا ما جعل فكرة الفقد فيها مؤثرة بالنسبة إليّ.
فالإنسان لا يفقد الأشياء وحدها، بل يفقد معها ما ارتبط بها من نفسه. قد يكون الشيء في حد ذاته بسيطًا، لكن ذكرى شخص نحبه التصقت به، أو مرحلة من حياتنا سكنت داخله، أو شعور بالأمان لم نكن نعرف أنه مرتبط بوجوده. عندها يصبح السؤال عن قيمة الأشياء سؤالًا عن قيمة الذكريات نفسها.
ومن أجمل ما وجدته في الرواية علاقتها بالوقت. نحن نعرف جميعًا، من الناحية العقلية، أن حياتنا محدودة، لكننا نعيش غالبًا بعكس هذه الحقيقة تمامًا. نؤجل المكالمات، والمصالحات، والزيارات، والكلمات التي كان ينبغي أن تُقال، وكأن «لاحقًا» مكان مضمون سنصل إليه جميعًا.
كاوامورا لا يعظ قارئه حول ذلك، وهذه نقطة تحسب له. لا يحوّل الرواية إلى درس مباشر عن اغتنام الحياة، بل يترك الفكرة تنمو داخل الحكاية حتى يجد القارئ نفسه، من دون أن ينتبه، يفكر في حياته الخاصة وفي الأشخاص والأشياء التي أصبح وجودها بديهيًا بالنسبة إليه.
كما أحببت حضور العلاقات الإنسانية في الرواية، وخصوصًا ما يتعلق بالعائلة والذكريات والمسافات التي قد تنشأ بين البشر من دون أن يعني ذلك بالضرورة اختفاء الحب. هناك أشياء كثيرة لا نقولها لمن نحب، ليس لأننا لا نشعر بها، بل لأننا نتصرف وكأن الوقت سيمنحنا دائمًا فرصة أخرى.
أما أسلوب الرواية، فهو شديد البساطة، وربما تكون هذه البساطة نقطة قوة وضعف في الوقت نفسه. من يبحث عن لغة أدبية كثيفة أو معالجة فلسفية عميقة ومعقدة قد يجد الأفكار مباشرة أكثر مما ينبغي، وبعض جوانبها كان يمكن، بالنسبة إليّ، أن تحظى بمساحة أوسع. لكنني شعرت أيضًا أن الإطالة كانت ستفسد شيئًا من روحها؛ فهي تشبه حكاية فلسفية حديثة تريد أن تترك أثرها ثم تنسحب بهدوء.
ولعل أكثر ما بقي معي بعد القراءة هو أن الرواية التي تبدو ظاهريًا منشغلة بالموت، كانت في حقيقتها شديدة الانشغال بالحياة.
ليس بالحياة بوصفها عددًا من السنوات، بل بوصفها روابط وذكريات وتفاصيل صغيرة وأشخاصًا وكائنات نحبها. فالقيمة الحقيقية ليوم إضافي لا تأتي من كونه يومًا آخر فحسب، وإنما مما يوجد داخل ذلك اليوم ومن نتقاسمه معه.
أغلقت الكتاب وأنا أفكر في كل الأشياء التي اعتدت وجودها إلى درجة أنني لم أعد أراها، وفي كل من أحبهم وكأن وجودهم حقيقة ثابتة لا يمكن أن يمسها الزمن.
وربما هذه أجمل هدية قدمتها لي الرواية: لم تجعلني أخاف الموت أكثر، بل جعلتني أخاف أن أمر بالحياة من دون أن أنتبه إليها.
أن نحب قبل أن يصبح الحب ذكرى، وأن نقول ما نشعر به قبل أن يتحول الكلام إلى أمنية متأخرة، وأن نمنح التفاصيل الصغيرة بعض الامتنان وهي لا تزال معنا.
كل ذلك وجدته في رواية تحمل عنوانًا يبدو أبسط بكثير من الأسئلة التي تخبئها صفحاتها.
كتاب صغير، بسيط، دافئ وموجع في آن واحد، خرجت منه وأنا أكثر اقتناعًا بأن الأشياء لا تحتاج إلى أن تكون عظيمة حتى تجعل حياتنا عظيمة.
أحيانًا، يكفي أن نتخيّل غيابها لندرك كم كنا نحبها…
