جاءتني *ليالي ألف ليلة* في الوقت المناسب تمامًا. قرأتها بعد الانتهاء من ثلاثية نجيب محفوظ، التي تركتني في حالة من الخواء والحزن، كأنني خرجت فجأة من بيت عشت فيه سنوات. لم أكن أحتاج حينها إلى رواية ثقيلة جديدة، بل إلى حكاية تعيد إليّ الفضول ومتعة القراءة، وهذا ما فعلته الرواية بنجاح.
منذ الصفحات الأولى دخلت عالمًا غريبًا تسكنه العفاريت والقوى الخفية. شعرت في البداية بشيء من الارتباك أمام الأسماء والكائنات وقوانين هذا العالم، لكن الغموض تحول تدريجيًا إلى جزء من المتعة؛ إذ وجدت نفسي أواصل القراءة لأفهم من هؤلاء، وما الذي يريدونه، وكيف يتداخل عالم البشر مع العالم الخارق.
لغة محفوظ هنا خفيفة ورشيقة، وفيها شيء من سحر الحكايات القديمة. الرواية أقل امتلاءً نفسيًا من الثلاثية، وشخصياتها لا تُرسم بالتفصيل نفسه. السحر في الرواية ليس مجرد زينة. القوى الخارقة تعمل كاختبارات أخلاقية: ماذا قد يفعل الإنسان إذا امتلك قوة لا يملكها الآخرون؟ ماذا يحدث عندما يطمئن إلى أنه لن يُكتشف أو يُحاسب؟ وهل يمتنع الإنسان عن الشر بسبب ضميره، أم بسبب خوفه من العقوبة والفضيحة؟
لا تقدم الرواية إجابة واحدة، لكنها تثير سؤالًا مهمًا حول مصادر الأخلاق. فالبشر لا تحركهم الدوافع نفسها؛ بعضهم يردعه القانون، وبعضهم العادات، وبعضهم الإيمان أو الضمير، بينما قد يحتاج آخرون فقط إلى غياب الرقابة حتى يظهر منهم ما لم يكن متوقعًا.
ومن التيمات الجميلة أيضًا العلاقة بين المحظور والرغبة. فالممنوع يكتسب أحيانًا جاذبية لا تأتي من قيمته الحقيقية، بل من وجود الحد نفسه. لماذا مُنعت؟ من يملك حق وضعي أمام هذا الباب؟ وهل تجاوز الحدود فضول مشروع وبحث عن المعرفة، أم غرور قد يدمر صاحبه؟ الرواية تترك هذا التوتر مفتوحًا؛ فالرغبة في تجاوز المألوف هي التي تدفع الإنسان إلى الاكتشاف والتقدم، لكنها قد تقوده أيضًا إلى الاعتداء والطغيان عندما تنفصل عن المسؤولية.
تتناول الرواية السلطة بطريقة ساخرة وذكية. فالجاه والنفوذ لا يقومان دائمًا على قوة حقيقية داخل صاحبهما، بل قد يصنعهما إيمان الناس بهما. يكفي أحيانًا أن تصدق الجماعة قصة معينة حتى تتحول إلى سلطة ومال ومكانة، ثم ينهار البناء كله عندما يسقط الإيمان به. وهذا يفتح بابًا للتفكير في كثير من السلطات والعادات التي تبدو طبيعية فقط لأن المجتمع اعتاد الاعتراف بها.
يتكرر في الحكايات نمط الصعود والسقوط: إنسان ضعيف أو محتاج، ثم فرصة أو قوة، ثم نفوذ يتبعه سوء استعمال، وأخيرًا نتيجة تعيد شيئًا من التوازن. قد يجعل هذا التكرار بعض النهايات متوقعة، لكنه يخدم طبيعة الحكاية الشعبية وما تمنحه من عدالة شعرية. نحن نعرف أن الحياة لا تعاقب كل مذنب، لكننا نشعر براحة غريبة عندما تقيم الحكاية عدالة افتقدناها في الواقع. مع ذلك، كانت الرواية أقل إقناعًا في البناء النفسي لبعض الشخصيات. أحيانًا تنتقل الشخصية سريعًا من حياة عادية إلى فعل بالغ القسوة من دون أن نعرف بما يكفي كيف نشأت الرغبة أو ما الذي حدث في داخلها. يمكن تفسير ذلك بطبيعة الرواية الرمزية، فالشخصيات هنا تؤدي وظائف داخل الحكاية أكثر مما تقدم بوصفها حيوات نفسية كاملة، لكن بعض التحولات بقيت بالنسبة إليّ محتاجة إلى تمهيد أكبر. كما أن العالم الروائي يظل ذكوريًا في كثير من جوانبه؛ فالمرأة تظهر كثيرًا داخل دوائر الرغبة والغيرة والخيانة والخلاص، أكثر مما تظهر باعتبارها ذاتًا كاملة نعرف عالمها وأفكارها. والرواية تنتقد العنف الذكوري بوضوح، لكنها لا تتحرر تمامًا من المنظور الذي يجعل النساء جزءًا من حكايات الرجال وأزماتهم.
ليالي ألف ليلة رواية ممتعة وخفيفة في قراءتها، لكنها تحمل أسئلة أكبر مما يوحي به شكلها الحكائي: عن السلطة، والضمير، والمحظور، والحرية، والقدرة على فعل الشر عند غياب العقاب. لم تمنحني العمق النفسي الذي وجدته في الثلاثية، لكنها أعادت إليّ بهجة الحكاية، وأثبتت قدرة نجيب محفوظ على الدخول إلى التراث وإعادة تشكيله في صورة حديثة وجميلة.
رواية سهل ممتنع، تمزج الواقع بالأسطورة، وتمنح القارئ متعة الحكاية ومساحة للتأمل من دون أن تثقل عليه.
