انتهيت من رواية بين القصرين، وأستطيع القول إنها بالنسبة لي تتفوق بوضوح على اولاد حارتنا من الناحية الأدبية. لغة نجيب محفوظ هنا أكثر جمالًا وثراءً، والوصف طويل أحيانًا، لكنه في معظمه يخدم بناء الشخصيات والعالم الذي تدور فيه الرواية. أكثر ما أعجبني هو قدرته على الغوص في دوافع الشخصيات وأحاسيسها، فلا يكاد يوجد شخص يمكن اختزاله بأنه خير أو شر مطلق.
شخصية أحمد عبد الجواد كانت أكثر ما شدني. لا أراه شريرًا ولا مأساويًا، بل إنسانًا أنانيًا يعيش بمنظومة من القيم -و لا اسميها أخلاق- تبرر له أن يبيح لنفسه ما يحرمه على غيره. والرواية لا تكتفي بإدانته، بل تشرح كيف يصنع المجتمع هذا النموذج ثم يعيد إنتاجه جيلاً بعد جيل. أعجبني أيضًا كيف كشف محفوظ قدرة الإنسان على تبرير تناقضاته حتى يحافظ على صورته أمام نفسه، سواء كان صاحب سلطة أو خاضعًا لها.
ما أزعجني أكثر من أي شيء آخر هو واقع النساء في الرواية. إذا كان هذا الوصف يعكس فعلًا حال المجتمع المصري في تلك المرحلة، فهو واقع مؤلم للغاية. أمينة، وخديجة، وعائشة، وحتى الشخصيات الهامشية، يعشن داخل منظومة تحدد لهن مصيرهن قبل أن تتاح لهن فرصة اختياره.
أجمل ما في الرواية أنها لا تقدم التغيير على أنه حدث مفاجئ، بل نتيجة تراكم بطيء من الشروخ الصغيرة التي تبدأ في إضعاف أكثر الأنظمة صلابة. لذلك شعرت أن نهاية الرواية لم تكن نهاية قصة، بل بداية تحول أكبر سيكتمل في الجزأين التاليين وأظن أن محفوظ يميل إلى أن المجتمع يترك بصمته العميقة في الإنسان، لكن الإنسان يبقى مسؤولًا عن استمرار هذا الواقع أو تغييره.
رواية عميقة، إنسانية، ومليئة بالتفاصيل النفسية والاجتماعية، وأفهم تمامًا لماذا تُعد واحدة من أهم الروايات العربية.
