بعد محاولات مديدة و عديدة، استطعت أخيرًا أن أقرأ رواية أولاد حارتنا كاملة خلال ثلاثة أيام. كنت أتوقع رواية شديدة التعقيد لغويًا وبلاغيًا، وربما كان هذا أكثر ما فاجأني؛ فاللغة جاءت بسيطة ومباشرة، والبلاغة والصور الفنية أقل بكثير مما كنت أتوقع من عمل لكاتب بحجم نجيب محفوظ، أميل شخصيا إلى الروايات التي تمتاز بجمال لغوي واستعارات وصور بلاغية كثيفة، ولذلك شعرت أن الرواية تنقصها هذه الناحية، رغم أن بساطة اللغة ربما كانت مقصودة حتى تبقى الفكرة هي البطل الحقيقي.
الرواية ليست رواية أحداث بقدر ما هي رواية أفكار ورموز. فالجبلاوي، وأدهم، وإدريس، وجبل، ورفاعة، وقاسم، وعرفة، جميعهم يرمزون إلى شخصيات ومراحل معروفة من التاريخ الديني والإنساني خاصة بالتراث الاسلامي. هذه الرمزية كانت واضحة إلى حد كبير، ولذلك لم أفاجأ كثيرًا بمسار الحبكة، لأن القصة الأساسية معروفة مسبقًا، بينما كان الاهتمام منصبًا على ما يريد محفوظ قوله من خلالها.
خرجت بانطباع أن الرسالة الأساسية للرواية هي أن الأديان (الابراهيمية بشكل اساسي) تنبع من مصدر واحد، بينما يختلف فهم البشر لها، وأن المشكلة لم تكن يومًا في الرسالة نفسها بقدر ما كانت في اقتران الدين بالسلطة. في كل مرحلة يظهر من يحتكر الحقيقة، ويستخدمها لإضفاء الشرعية على القوة، بينما يبقى عامة الناس هم الحلقة الأضعف التي تدفع الثمن دائمًا.
أكثر شخصية أثارت اهتمامي كانت عرفة. لم أفهمها باعتبارها مجرد رمز للعلم، بل باعتبارها محاولة للإجابة عن سؤال: هل يستطيع العلم وحده أن يحرر الإنسان؟ وعندما انتهى الأمر باعلان موت الجبلاوي من قبل السلطة الحاكمة واتهام عرفة، شعرت أن محفوظ يريد أن يقول إن العلم وحده لا يكفي لتغيير المجتمع، وأن الأفكار الراسخة والرموز الدينية والاجتماعية أقوى من المنطق المجرد إذا لم تتغير بنية المجتمع نفسه.
لكن السؤال الذي بقي عالقًا في ذهني بعد انتهاء الرواية لم يكن سؤال الدين، بل سؤال الظلم. لماذا يعيد الإنسان إنتاج الظلم جيلاً بعد جيل؟ ولماذا تتحول كل سلطة، مهما كانت عادلة في بدايتها، إلى سلطة تسعى إلى حماية نفسها وإعادة إنتاج الامتيازات؟ هنا وجدت أن الرواية تتجاوز تاريخ الأديان لتصبح رواية عن التاريخ الإنساني كله. هذه ليست أفضل روايات نجيب محفوظ من حيث الأسلوب الأدبي، لكنها بلا شك من أكثرها جرأة وتأثيرًا فكريًا. إنها رواية لا تنتهي بانتهاء صفحاتها، بل تبدأ بعدها، لأنها تدفع القارئ إلى مناقشة أسئلة الهوية، والدين، والعلم، والسلطة، والعدل، ودورات التاريخ التي يبدو أنها تتكرر بأشكال مختلفة عبر العصور.
تقييمي: ★★★★؛ ليس بسبب جمال اللغة، وإنما بسبب عمق الأفكار والقدرة النادرة على تحويل الرواية إلى مساحة للتأمل الفلسفي.
