《لعن الله الذكاء بلا إيمان.. ورضي الله عن البلاهة مع التقوى》
حينما انتهيت من قراءة رواية "زنديق بغداد" للكاتب الكويتي جعفر رجب، وهو عمل ضخم يقترب من ٥٠٠ صفحة، كان أول ما تبادر لذهني هذه المقولة للإمام الذهبي التي آثرت أن أستهل بها هذه المراجعة. كتاب زنديق بغداد هو عمل أدبي وفلسفي يتناول السيرة التاريخية والفكرية لـ"أبي الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي" (المعروف بابن الريوندي)، أحد أشهر الزنادقة في التاريخ الإسلامي، وأذكى أذكياء عصره، والذي عاش في العراق في القرن الثالث الهجري في عهد الدولة العباسية.
وأرى أنه من الضرورة والأهمية بمكان ألا يكتفي الإنسان بقراءة ما يوافق أهواءه ومعتقداته الفكرية والعقائدية، ذلك لأن معرفة الله حق المعرفة تقتضي منا قراءة الأفكار، جلَّها، من أقصاها إلى أقصاها. وليس الهدف من ذلك زعزعة اليقين وإضعافه، بل تثبيتًا للقلب والفؤاد، وترسيخًا لما آمنت به واعتنقته، والاقتراب أكثر وأكثر من الله قولًا وفعلًا.
ينطلق جعفر رجب من شخصية ابن الريوندي، المفكر المثير للجدل الذي لم يصلنا أي شيء عنه بقلمه، بل كل ما نعرفه عنه كُتب بأقلام خصومه. الرواية لا تضع ابن الريوندي في قفص الاتهام، ولا تتولى مهمة الدفاع عنه، بل تطرح مجموعة من التساؤلات التي لا تزال حتى يومنا هذا مثارًا للجدل والصراع بين الفرق الفكرية المختلفة، مثل:
من يملك حق اتهام الآخرين في أفكارهم ومعتقداتهم؟
وهل الأفضل مواجهة الفكر بالفكر، أم بالسجن والتعذيب والقتل؟
وهل تموت الأفكار بقتل صاحبها، أم تبقى وتنتشر ربما بشكل أقوى مما لو كانت عليه في حياته؟
هل حرية الفكر مشروطة، أم أنها دون قيدٍ أو شرط؟
وهل نخاف أن نفكر؟ أم نخاف على حريتنا؟
هذه التساؤلات وغيرها طرحتها الرواية عبر سرد روائي كثيف وشيق، وفي رأيي هو أقوى عناصر هذه الرواية، إلى جانب اللغة العربية الفصحى الرصينة والبديعة التي كُتب بها هذا العمل.
ذهب ابن الريوندي في رحلة فكرية طويلة شاقة للبحث عن الحقيقة التقى خلالها بثلة من أتباع الديانات الأخرى السماوية والوضعية، كالمانوية والبراهمية والزرادشتية واليهودية والمسيحية وبطبيعة الحال، الإسلامية. وبحكم طبيعته المتمردة الرافضة للتسليم وتعطيل العقل، لم يجد ابن الريوندي في أي من هذه الديانات ما يروي ظمأه للمعرفة ويزيل شكوكه ويجيب على أسئلته التي حملها في رأسه منذ نعومة أظافره، ليستمر في رحلته وبحثه حتى باتت رأسه مطلوبة لدى خليفة المسلمين بسبب كتاباته وأفكاره التي كانت تنشر الضلال والكفر والزندقة والإلحاد. فكيف كانت نهاية ابن الريوندي؟! هذا ما ستجيب عنه سطور هذه الرواية عندما تبلغ أمتارها الأخيرة.
تاريخيًا، تقدم الرواية وجبة دسمة فيها كل ما لذ وطاب من إحدى الحقب المهمة في التاريخ الإسلامي، ألا وهي الدولة العباسية والصراعات الفكرية التي كان يضج بها هذا العصر، وبالتحديد في زمن الخليفة المتوكل، مستعرضةً المواقف التي تبناها خليفة المسلمين آنذاك من المذاهب الإسلامية المختلفة، وأتباع الديانات والطوائف الأخرى، وهي مواقف كانت تقوم في معظمها على العنصرية والقمع والقهر والعنف بكل أشكاله، من قتل وتعذيب وتشهير وتعريض بالناس.
زنديق بغداد رواية تستحق القراءة بكل تأكيد، ولكن ينبغي التنويه إلى أنها تحتوي على أفكار وأطروحات جريئة قد لا تروق للبعض، لا سيما تلك التي تتحدث عن الذات الآلهية، وكيف يفكر الزنادقة وأتباع الأديان الوضعية في الله عز وجل.
الرواية تضم في نهايتها ملحقًا صغيرًا يتناول أبرز ما كتب خصوم ابن الريوندي عنه ورأيهم فيه. وأرى أن هذا الملحق جاء لإحداث نوعٍ من التوازن بين ما ناقشته الرواية من موضوعات جريئة وأفكار تنطوي على الكثير من الانحراف، سواء ما جاء منها على لسان ابن الريوندي أو غيره، ووجهات النظر المقابلة والرافضة لمثل هذه الآراء، بحيث يبدو في نهاية المطاف أن الكاتب لم ينصب نفسه قاضيًا، وترك الحكم للقارئ.
الرواية تقع في ٤٩٢ صفحة، وهي صادرة عن منشورات تكوين، وصدرت منها حتى الآن أربع طبعات كانت الأولى منها عام ٢٠٢١.
لمحبي الاقتباسات والمولعين بها، هذا العمل يضم مجموعة رائعة بكل معنى الكلمة من المقولات والاقتباسات حول موضوعات متنوعة، منها، على سبيل المثال لا الحصر، القراءة، والعقل، والحرية، والأم، وأن الأفكار لا تموت. إليكم شذرات منها.
اقتباسات راقت لي:
- كان سيد عصره عبقريّاً في كتاباته، مختلف عن الآخرين في كل شيء، شجاعاً، متهوراً، جسوراً، أو لعله مجنوناً، اختفت كل كتبه أحرقت أتلفت، أعدمت مع سبق الاصرار، لم يستطيعوا الرد على آرائه فأحرقوا ما كتب، لم يستطيعوا الانتصار عليه حيّا فتمنوا الانتصار عليه ميتاً، ظنوا أن موت الشخص وإحراق كتبه موت لأفكاره، ونسوا أن الأفكار تدب فيها الحياة وتزداد تألقاً وإن مات جسد حاملها الناس يموتون والكون كله يموت، لكن الفكرة لا تموت.
- عليك بتعلم القراءة والكتابة والقرآن، حتى تتمكن من فهم العالم، الجهلاء وحدهم يسمحون للآخرين بالقراءة بدلاً منهم والتفكير بدلاً منهم، وتوجيه حياتهم بدلاً من أن يسيّروا حياتهم كما يريدون. (أول العلم معرفة الله )، ولا يمكن معرفة الله وأنت جاهل.
ـ المعضلة ليست في أننا نؤمن أو لا نؤمن المعضلة أن البعض يريد منك أن تؤمن بما يؤمن به دون أن تسأل لماذا؟ وكأن مجرد السؤال عما خفي عنا كفر ولعنة وباب للدخول إلى جهنم، يريد منك أن تسير مع قافلته وأنت مغمض العينين، فهو البصير الذي بإمكانه أن يرى ما لا تراه... ألم يخلق العقل الذي يميز الإنسان ويرفع من شأنه، خُلق ليفكر لا خلق ليحفظ ما يدلسه الأفاكون.
- كانت الكتب هي كل عشقي كانت غريبة، جميلة، ملمس أوراقها تشبه سطح الجداول الهادئة، كنت اغمض عيني وأنا ألمس الأوراق الأشعر بها وأشتم رائحة الحبر، ما اعترض أحد على وجودي هناك رغم سني، وكيف لعم وأخ معتزليين أن لا يفرحا بصبي كل لهوه القراءة، بدلاً من ملاحقة الكلاب السائبة!
- كنت أشعر مع كل كتاب أن كاتبها يتحدث معي وأنه كتبها من أجلي، إن همس أسمع همسه، وإن مشى مشيت، وإن ركض ركضت معه، وإن جادل جادلت، وإن نقض نقضت اعرف متى كتب هذه العبارة غاضباً ومتى كتبها عاشقاً.
- من يفقد أمه يفقد حلاوة الأشياء، لا طعم لطعام لم تطبخه، ولا رائحة لورد لم تزرعه، ولا دفء لملابس لم تخيطها، ولا تطرب لأغان لا تسمعها بصوتها، أحمدُ من لا يُحمد إلا هو، إن خطواتي الأولى كانت تحت ظلها، ولا أجمل من حضنها واحتضانها، يكفي أن أضع رأسي على حضنها وأنام متشبثاً بردائها، والآن قل لي ماذا تتمنى؟ أقول لك: سحر تلك النومة في حضن أمي، يقولون إن الكبر ينسي المرء الكثير ، ولكن كلما أكبر أستكشف تفاصيل جديدة في طفولتي لم تمر على ذاكرتي من قبل... مؤلم جداً، كلما نكبر نتذكر أكثر ونشتاق أكثر، ليتنا ننسى دون أن نكبر.
- لا أقبح من وقوف عالم على باب جاهل، وكريم على باب لئيم، وشاعر على باب نخاس.
- إذا لم تكن قادراً على أخذ حقك بإرادتك، وتسعى للعدالة بقدميك، وتتجرأ وتفكر بعقلك، وتنير دربك بمصباح تحمله بيدك، وتزرع فسلة تسقيها من غيمتك ... فلا فائدة من منقذ يخرج آخر الزمان ليدافع عن حقك.
- في عالمنا من بيده اليمنى السيف في اليسرى يحمل الحقيقة، صاحب السيف إلهه سيكون أكبر الآلهة، ونبيه أصدق الأنبياء، وشريعته أسمى الشرائع من ينتصر في الحروب يتنصر ربه معه، من يملك جيشاً قوياً يملك رباً عظيماً... الضعفاء والمهزومين لا يصنعون الآلهة.
- ألم تمر عليك فتاة نظرت إليك نظرة واحدة واختفت ، ثم تعيش عمراً تبحث عنها متحسراً لفقدانها، ويظل طيفها عالقاً في قلبك وتعيش حلم النظر إلى عينيها مرة أخرى؟ ألم يمر عليك سوء أدب من شخص بلا سبب وتتمنى أن يعود الزمن حتى تأخذ بثأرك من ذلك الأحمق ؟ ألم تتذكر لحظة حنان من أم، ضحكة من أب، لعبة وطرفة من ابن، وأحاديث أصدقاء، أو كلمة من عابر سبيل ... هي لحظات تختصر حياتنا، وعند الرحيل لا نحمل من كتاب ذكرياتنا سوى آخر وجه نراه و آخر ید نلمس.
- عندما تريد قراءة كتاب، لا يهم في كثير من الأحيان ما هو مكتوب، ولا من كتب بل كيف كتب ما كتب، وكيف زرع البذرة وسقاها الماء، وكيف نبتت وأثمرت الفكرة، وكيف قطفت الثمار، وكيف جعل مر الثمار حلواً لمن ينهل من الكتاب، هذا هو المهم قبل أهمية ما كتبه الكاتب.
- قلت لك، بعض الناس يخلقون من أجلك، وبعضهم يقف في طريقك ويجيبك دون أن تسأله، يغير قدرك دون أن تطلب منه وكما يقولون: هؤلاء العابرون سبيلاً على حياتك هم الأكثر والأجمل أثراً ممن يعاشرونك وكأنهم عابر و سبيل!
- «اقرؤوا كثيرا، واسمعوا كثيراً، وتكلموا قليلاً، من الجهالة أن تقرؤوا كتاباً في ساعة ثم تتحدثوا عما عرفتم في سنة، عليكم أن تقرؤوا سنة من أجل حديث ساعة».
- من يسمع ليس كمن يرى، ومن يعش اللحظات ليس كمن يرويها.
- من لا يستطع أن يثبت رأيه بالعقل والمنطق، ولا بهدوء الكلام، يستخدم الشتم والصراخ لإثبات حقه، وإن لم يستطع فبيده، وهذا أسوأ الإيمان.
- صار الشيوع بين الناس دليلاً على الصدق والحق، جعلوا إجماع الجهالة علماً حتى ينشروا أكاذبيهم.
- قد ننجو من الزلازل العظام ولكن لن ننجو من لدغة حية حقيرة، صغائر الأمور هي التي تقتل البشر لا كبائرها، فكم من رجل تاب وترك كبائره، ولكن أردته صريعاً صغائره.
- إذا أردت أن تكون حراً في تفكيرك، غير خائف ولا وجل مما تؤمن، عليك أن تؤّمن قوتك أولاً، حتى لا تكون أسيراً لصاحب جاه، ولا عبداً عند الوالي، ولا تكتب رغبة في إرضاء الخليفة.
- كانت ملاكي عندما أحاط بي الشياطين الذين ساموني بشاعة ألسنتهم، وسوء كلماتهم، كانت كنزي عندما اقتحم الفقر داري، ودليلي عندما جعلني اليأس تائهاً بين النجوم، وملاذي عندما أغلقت الأبواب في وجهي، وعندما يقفل باب في وجهك اعلم أن ألف باب غيره سيغلق، لن يفتح لك أحد باب الجنة إلا من أحبك كما أنت.
- الليل رفيقي الذي لا يملني ولا أمله، يشاركني لحظاتي، حزني وفرحي، انتصاراتي وهزائمي ، يربت على كتفي عندما أكبو، ويرفع كأس الفخار لي عندما أنتصر، كثيراً ما شاركني أفكاري، وألهمني بعضاً مما أكتب، إنه خير الأصدقاء إن عرفت كيف تصاحبه.
- رغم بساطته وابتسامته إلّا أن الحزن ما فارقه، وهل يفارق الحزن أبداً ذا عقل عاش بين جهلاء ؟ أو كريماً بين بخلاء ؟ أو شريفاً بين لؤماء؟
- أيَهم كثيراً أن نعرف كيف وجد الكون؟ ومن خلقه؟ مخلوق هو أم قديم ؟ أم المهم كيف نعيش فيه، ونستمتع في اللحظات التي نحياها ؟ ما نحن سوى عابري سبيل على هذا الكون، و من آداب عابر السبيل أن يقضي حاجته ويمضي دون إلحاح في السؤال من صاحب البيت!
- لا فائدة من عين لا ترى سوى ما هو موجود أمامها، ولا تقرأ سوى ما هو مكتوب دون أن تتبصر ما وراء العبارات.
- الجهل واحد وإن تفرقت الأديان، ووحدها المعرفة ترفع من قدر الإيمان وتقرب إلى الله.
- الحقيقة تسير على قدمين في وضح النهار، لا تتخفى بالليل ولا تسكتها غياهب الجب.
- إن هذه الحياة تسير على مبدأين، كلما ابتعد الإنسان من الظلمة كان إلى النور أقرب، وكلما ابتعد عن الظلم كان إلى العدالة أقرب، وكلما ابتعد عن شرور الجسد كان إلى خير الروح أقرب.
- هناك بشر متعتهم أن يهدموا ويحرقوا ويقتلوا، أنها تشبع غرائزهم، وتشعرهم بالتفوق على الآخرين ويكملون بذلك نقصهم، كائنات تعيش على الأطلال، وتقتات على جثث السابقين، يبنون مجداً على ركام أجساد القتلى، وقصوراً على قبورهم.
- لا يرتفع صوت العقل في مدينة الجهل، ولا مكان لصوت دعوة للتفكر بين قوم يدعون الله ليلاً ونهاراً أن يبعدهم عن وسوسات الألباب.
- هؤلاء الصادقون أمامك بكل أفكارهم وأفعالهم هم خير الأصدقاء، وخير من أولئك الذين يتبارون أمامك في إظهار اللطف والأخلاق والتقوى، ويخفون الكثير من شرورهم تحت هذه الأقنعة، إنهم أول من يبيعك حفاظاً على نفسه وصورته.
- مع كل ظلم وظالم هناك نار مستعرة تحت الرماد تنتظر اللحظة المناسبة لتحرق كل شيء حولها.
- يا فتى لا تسمح لأحد كتابة قصتك كما يريد....
لا تسمح لأحد رواية قصتك كما يجب....
لا تسمح لأحد تغيير قصتك كما يشتهي ....
ولا تسمح لأحد إنهاء قصتك كما يتمنى....
إنها قصتك في هذه الدنيا، اكتبها على أوراقك بمدادك، بقلمك ... بقلبك.
رفعت الأقلام وجفت الصحف

