رب إني وضعتها أنثى
الكاتبة :نردين أبو نبعة
التقييم :⭐⭐⭐⭐⭐
هناك روايات نقرأها بلساننافقط لكن هناك مانقرأه ونعيشه بكل جوارحنا، وهذا ماحدث في هذه الرواية فمنذ البداية تأخذنا الكاتبة إلى فلسطين، لا بوصفها مكاناً فحسب، بل ذاكرةً وهويةً وحياةً كاملة تسكن أهلها أينما كانوا.
تدور الأحداث من خلال مريم ووالدها عباس، حيث يروي كل منهما ما اختزنته الذاكرة من تفاصيل الوطن والمنفى،وماشاهده على أرض الواقع فتتشكل أمامنا حكاية عائلة تشبه حكايات كثير من الفلسطينيين؛ حكاية فقد وحنين، وصبر وأمل، وأيام قاسية لم تُفقد أصحابها قدرتهم على التشبث بالحياة.
أكثر ما أعجبني في الرواية أنها لم تعتمد على استعراض الأحداث أو مخاطبة القارئ بخطاب مباشر، بل جعلت القضية تنبض من خلال تفاصيل الحياة اليومية. فالكاتبة تمنح شخصياتها مساحة كاملة لتتكلم، فنقترب منها ونشاركها أفراحها الصغيرة وخساراتها الكبيرة، وكأننا نعرفها منذ زمن.
الرواية لا تكتفي باستحضار الوجع، بل تحتفي أيضاً بالحياة. ففيها الحب، والذكريات، والعائلة، والدفء الذي تصنعه العلاقات الإنسانية حتى في أصعب الظروف. ومن أجمل ما فيها قدرتها على الانتقال بين مشاهد الألم ومشاهد الجمال بسلاسة، فكما تصف الأسر والغربة والفقد، تمنحنا أيضاً صوراً دافئة عن الزيتون، الأعراس، والأمهات،خبزهم، وموائدهم والأماكن التي تظل حاضرة في الذاكرة مهما ابتعد أصحابها عنها.
كما أن اللغة كانت بديعة، رشيقة وسلسة، تميل إلى الشعرية دون تكلف، وتنجح في رسم المشاهد والمشاعر بكلمات قليلة لكنها مؤثرة. بعض المقاطع لا تُقرأ بسرعة، بل تدفعك إلى التوقف والتأمل قبل أن تتابع القراءة، لأن وقعها يبقى في النفس.
كما أعجبني أن الرواية تمزج بين الخيال والواقع دون أن يشعر القارئ بانفصال بينهما. فالأحلام والذكريات والحكايات تتداخل مع الأحداث الواقعية، لتمنح النص بعداً إنسانياً يجعل الشخصيات أكثر قرباً وصدقاً.
الرواية رائعة تضم بين صفحاتها شهادات حية لأحداث عاشها الفلسطينيون، وتستحضر أسماء وقصص أبطال ارتقوا دفاعاً عن الأرض والقضية، فكانت هذه الشهادات جزءاً من نسيج الحكاية، لا مجرد توثيق تاريخي. وهذا ما منح الرواية صدقاً إضافياً. وجعلتنا نعيش مع شخصياتها ونتألم لوجعهم ونفرح لفرحهم. الرواية رائعة صادقة، مؤثرة، موجعة لن تتمكن من حبس دموعك بل ستهطل بسخاء.
اقتباسات راقت لي:
❞ أتسكّع بين ذكرياتي وحدي، أخيط في المساء ثوب الحكايات، أبحث عن مرفأ في ذاكرتي يحملني فوق الغيم علّني أرتاح. ❝
❞ صوت ارتطام عجلات الطّائرة في مطار القاهرة.. يذكّرني بهبوط أبي على أرض ليبيا لكنّ شتان ما بين هبوطي وهبوطه!!
هبوطه قيد وسُهْد ومسامير وجع تتحرّش بذاكرة الوطن، هبوطه تيه فراشة لا تجد نارها.. احتراق الصّوت ورماده... أنين ملهوف... وتر ممزّق ومفتاح ضائع!!
وهبوطي يحملني من تابوت الغربة إلى حِضْن الوطن.. فأغدو كما الياسمين أرش نثاري لكلّ العابرين!! ❝
❞ - ثمّة وطن قد فقدته هناك.. فكلّ البلاد بعده سواء!!! ❝
❞ الشّتاء الذي أحبّ يتحوّل في هذه الزّنزانة إلى إبرة تمارس هواياتها في التّطريز على الجسد المنهك المتعب!! ❝
❞ كم هي صعبة وموجعة الولادة!! أيّة ولادة.. ولادة الأنثى.. ولادة الأفكار... لكن، في أشدّ لحظات الألم واللهب يقلب الجسد على لظاه ينبثق الخلق والإبداع!! يتضاءل الألم ويخفت الأنين وينطفئ اللهب ويبقى المخلوق الأجمل والأبهى (المقاومة). ❝
❞ لعبة الموت اليومية.. الفسفور.. الاجتياحات اليومية.. الأوجاع المشتعلة تكفلت بتشكيل قلب جديد للمرأة الفلسطينيّة وحتّى لا يتوغل سواد الموت في بياض قلبها سيجته بالدم!! ليس خيارًا ما فعلته المرأة الفلسطينيّة إنّها تزفّ قطعة من قلبها وروحها للحرية.. الحرية هنا لها طعم مختلف.. وهبتك لله، هي كلمة المرأة التي تقاوم بها ضعف الأمومة المرهف!! ❝
❞ على دَلْعُوْنا.. وْعَلى دَلْعُوْنا
زَيْتُوْنِ بْلادي أَجْمَلْ ما يْكُوْنا
زيتون بلادي واللوز الأخضر
والميرامية ولا تنسى الزّعتر
وِقْراصِ الْعِجِّةْ لَمّا تِتْحَمّر..
ما أَطْيَبْ طَعْمَا بْزِيْتِ الزّيتونا
عَلى دَلْعُوْنا.. عَلى دَلْعُوْنا
بارِكْ يا رَبّي شَجَرِ الزّيتونا
في مِنُّهْ الأَخْضَرْ.. فِيْ مِنُّهْ الأَسْمَرْ
مِنْ غِيْرُهْ السُّفْرَةْ وَلا مرّة بْتِعْمَر. ❝
❞ اكتشفت من خلالها قدرتي على الصّمود وأنّ العمر لا يساوي شيئًا أمام رجل وهب روحه للوطن، اكتشفت أنّه لا وطن للذين يقفون على الحياد ولمن يقفون مواربة لا إلى هنا ولا إلى هناك!! لم ترهقني هذه الكلمة ولم تقتلني. لقد فتحت لي أبوابًا تفوق الخيال. ❝
❞ وهناك حبّ كحبّها.. طهور كماء السّماء، زكيّ كما الريحان، نديّ كزهر اللوز، ناعم كشمس الربيع، يُغرق روحها بالسكينة يردّ إلى الرّوح بهجة الزهر ويضيف إلى العمر عمرًا ويبعث في الرّميم حياة!! ❝
❞ أدخل الزّنزانة لأصبح مجرّد رقم.. لا يحمل من صفات البشر شيئًا!! الزّنزانة تصبح قبري المتحرك، الشّبابيك والممرات والفتحات والقضبان والشبك والصاج كلها مغطاة بستائر التعمية لحجب الرؤية والضّوء والهواء، ووسط هذه الأجواء أشعر بثعبان كريه يلف أنفاسي.. يحشرها في زاوية ضيّقة فأنبطح أرضًا ألتصق بالبلاط لأستنشق الأوكسجين الذي عز وغلا!! ❝
❞ ضيق هذه الزّنزانة هي اتساع أرواحنا واستشهادنا هو السبيل لتحرّرنا.. وألمنا هو السكين المغروزة في قمة رأس الاحتلال. ❝
#أبجد
#رب_إني_وضعتها_أنثى_السردية_الفلسطينية
#نجم_الأسبوع
#نردين_ابو_نبعة

