▪️ الجزء الثاني من الرواية ولا جديد به من ناحية الأحداث المتسارعة ، ولكن هناك الكثير والكثير من الأحاديث الفلسفية التي تجعلك تغوص بها ، والمزيد من التشريح النفسي للشخصيات.
الجزء الأول كان لشخصية الأب وديميتري وأليوشا لنتعرف على شخصياتهم ودواخلهم ، لم يتغير الكثير بشأن الأب والابن البكري ولكن أظن أن أليوشا هنا في نهاية مرحلة- وبداية أخرى - من حياته.
وكان الأبرز في بداية الجزء ثبات "فيودور" على عجرفته وفساده وخطاياه.
❞ ولك أن تعرف ذلك أنت أيضاً يا عزيزي ألكسي فيودورفيتش، ولذلك فإنني في حاجة إلى كل فلس أملكه، وكلما امتدت بي الأيام ازدادت حاجتي إلى المال. وقد أفارق الحياة في سن الخامسة والخمسين، ولكنني أريد أن أحيا عشرين سنة أخرى. وأنت تعلم أن شكلي لن يكون مقبولاً إذا ما تقدمت بي السن، ولن تُقبل عليّ الفتيات من تلقاء أنفسهن، وهذا هو سر حاجتي إلى المال. ولذلك فإنني أدخر وأدخر، لا لأحد سواي، بل لنفسي، ❝
❞ ولك أن تعرف ذلك أيضاً، ودعني أنبئك أنني سأظل سادراً في خطاياي إلى النهاية، فالخطيئة شيء حلو، وجميع الناس يحقرونها، ولكنهم جميعاً يعيشون فيها، والفرق بيني وبين سائر الناس هو أني أرتكب الخطايا جهاراً، وغيري يرتكبها في الخفاء. ولذلك يلومني جميع المخطئين على بساطتي. أما فردوسك يا ألكسي فيودوروفيتش فدعني أنبئك أنه لا يتلاءم وذوقي، وهو مكان لا يليق بسيد، هذا إذا كان الفردوس موجوداً. أعتقد أنني سأغفو فلا استيقظ بعد ذلك، وهذا كل ما في الأمر. ❝
▪️ أما هذا الجزء فجاء معظمه على لسان إيفان (الذي شعرت أني ظلمت شخصيته قليلاً) ، والأب زوسيما ، وسميردياكوف الخادم، وأليوشا، وغروشينكا، وراكيتين.
سوف أتحدث عن ماشعرته اتجاه الشخصيات أو ما حاولت فهمه منها. وكان أهمهم بالنسبة لي إيفان..
▫️ تحدث إيفان أول مرة - باستفاضة- عن نفسه وعما يدور بداخله في هذا الجزء، ومع ذلك لا يزال غير مفهوم إلى حدٍ كبير بالنسبة لي. تحدث إيفان مع أليوشا عن الإيمان والحرية بصورة مُرتبكة - ارتباك شخص ممزق بين اعتقادين - ولكن حديثه كان على قدر من المنطقية.
فهو يرفض النظرة المثالية للحياة والدين والتي يراها لا تتناسب مع بني البشر جميعًا، فالحرية على سبيل المثال - كما فهمت من وجهة نظره - لن تنفع الإنسان إلا لو مُنحت لشخصية ذات ضمير يقظ.. لأن من دون الضمير، الحرية لن تكون سوى عبئًا يجعل الإنسان يرمي بحملها على بعض الرموز الدينية في سبيل راحة مزيفة أو منافع دنيوية هي في نظرة الإنسان العادي أهم من الحرية..
أما بالنسبة لإيمانه أو إلحاده ، فبداخله الاثنان معًا.. داخله جزء يؤمن بأن هناك خالق وبجمال الحياة وروعة تدبيرها ،وجزء آخر ينكر الشرور التي تفشّت بين البشر وطريقة التعامل معها.. لا يقتنع بكيفية العقاب أو الغفران أو وقوع الذنب على من ليس له ذنب.
لذا هو شخصية في رأيي مُحزنة وبائسة وفي المنتصف بين الإيمان و الإلحاد ،روحه تنازع بينهما ولا مفر.
❞إنني أؤمن إيمان الأطفال بأن الآلام ستتداوى وتعالج، وأن السخافة المرهقة التي تنطوي عليها المتناقضات الإنسانية ستتلاشى كما يتلاشى السراب الخادع وكما يتلاشى الاختلاف الزري الذي يجول في عقل الإنسان الكليل الضئيل الممثل في عقل إقليديس، كما أومن بأنه في نهاية العالم وفي لحظة الانسجام الأزلي سيحدث شيء غالي القيمة يكون كافياً لجميع القلوب، ويكون كافياً لتبديد أسباب الغيظ كلها، ولمحو جميع ذنوب البشرية ولغسل جميع الدماء المسفوكة، وأن هذا الشيء لن يجعل بالإمكان الصفح عن جميع ما اجترحته يد الإنسان فحسب، بل وتبرير أعماله أيضاً، ومع احتمال وقوع كل ذلك فإنني لا أسلم به ولن أسلم به. ❝
▫️ الأب زوسيما :
مشهد احتضاره الذي رأينا معه جانب من شبابه قبل وبعد أن يصير راهبًا وذكريات قليلة من طفولته. أعجبتني قصة أخيه رغم المثالية الزائدة في أقواله وأفعاله ، وقصة الضيف المجهول الذي جعل يحادثه ويناقشه مدة شهر دون أن يعرف عنه شيء وفي النهاية كان الأمر بمثابة اعتراف ذلك الضيف لراهب في الكنيسة يطلب منه النصح وربما الغفران ، وصاياه ورؤيته للدين وللحياة والتي تأثر بها أليوشا أشد التأثّر.
كان الأب زوسيما مثالا لرجل الدين السمح في عيون دوستويفسكي ، وعلى النقيض منه نموذج الأب فيرابون المُغالي في التقشف وفي الروحيات حد الشطط والجنون، ولكن لكل منهما تابعيه ومريديه.
ومع كل ذلك كان هناك بعض الطقوس التي اختلفوا عليها ، كان هناك نفاق ورياء بين من يُفترض أن يكونوا مثالًا لغيرهم، والكثير من الأطراف المتناحرة التي ما إن مات الناسك حتى علا صوتهم كلٌ يغني على ليلاه.
▫️ أليوشا :
أعتقد أن هذة هي الشخصية الثابتة تظل في جوهرها كما هي من البداية إلى النهاية، مع تطورها بالطبع. أليوشا في هذا الجزء يخطط لتنفيذ وصية الناسك ليخرج من الدير ويعيش بين الناس.. علاقته بـ ليزا كانت جميلة وطفولية إلى حد ما ( دستو حب يمسي بحتة رومانسية وسط الجدال الفلسفي 😁).
لكنه تعرض لحدثين مهمين - او اختبارين - زعزعا ما بداخله مما ظنّه هو ثبات. أولًا محادثته مع إيفان عن الإيمان وحرية الإنسان وشروره و إفساده في الأرض ، وثانيًا الاضطرابات والانقسامات التي حدثت بعد وفاة الناسك. ظننت لوهلة أنه سيترك درب الإيمان والتسامح ويهيم على وجهه.. لكنه لم يفعل، استوعب صدمته وسيكمل طريقه.
▫️ سميردياكوف :
شخصية بدت هنا وكأنها تحرك أفراد عائلة كارامازوف فيما بينهم كعرائس الماريونيت، خرج عن صمته ولكنه تكلم هذرًا واستفزازًا. شخصية انتقامية وتحتقر الآخرين وهو على ما فيه من ضعّة الشأن. وربما هو ضحية بشكل ما.
• غروشينكا.. المرأة التي ظهرت متلاعبة وقاسية في الجزء الأول، ظهر هنا ما خلف ذلك الستار من القسوة من ألم و خوف و رغبةً في أن تُرى، وأن تشعر أن هناك من يفهم حقيقتها وينظر إليها بعين الاهتمام.
• راكيتين : يشبه سميردياكوف في حقده ، ولكن الفرق بينهما أن راكيتين لا يُخفي سخريته أو حقده أو كرهه لأحد ، بل هو يتندر على من يحقد عليهم ويسخر منهم ليُشعر نفسه فقط بأفضليته عليهم من ناحية ما.
▪️ في النهاية وعلى اختلاف الشخصيات، شعرت أن دوستويفسكي يريد أن يرينا - ونجح في أن يرينا - أن كل إنسان بداخله طبيعة متناقضة ومتناحرة مهما ظننا عكس ذلك.. فكلٌ منّا بداخله الخير والشر ، الحب والكره، الحقد والإيثار ، الإيمان والإنكار.. ولكن أيّ من تلك الطبائع تنتصر على الأخرى ؟!

