صلاة القلق
محمد سمير ندا
مسكيلياني للنشر والتوزيع
عدد 358 صفحة
نشر عام 2024 الطبعة الاولى
الكتاب رقم 16 من العام 2026
(إلى جموع الصامتين، الذين شهدوا على كلّ تاريخ لم يُكتب بعد)
تتوسط هذه العبارة الغلاف كإهداء رئيسي يعبر عن روح الرواية التي تستحضر تاريخاً موازياً يمزج بين الواقع والخيال في نجع مصري منعزل، حيث تحاول الرواية إعطاء صوت لمن غابوا عن صفحات التاريخ الرسمي من 1948 فما قبله – تاريخ اليوم: "بيد أن الحرية لا تفيض من أنفاس المذعورين، والأكوان لا تُخلق تحت الحصار، والأحلام لا تراود المأسورين داخل الصناديق المعتمة، كم نيزكاً يستلزم الأمر حتى تتكون لدينا ذاكرة جديدة؟ كم قتيلاً ينبغي أن يسقط، وكم حرباً يتوجب أن تأكل أبنائنا حتى تروي العجائز تاريخاً مغايراً لما يرونه اليوم، أدرك للتو أنه عاش غريبًا في مدنٍ ظاهرُها ألفة وعمار، وواقعها عِداء وخواءُ بلا قرار".
على الجهة الأخرى: قرية مزروعةٌ في النسيان، يهزّ أديمها انفجارٌ غامضٌ لجسمٍ مجهولٍ سنة 1977، فتتحوّل فجأةً إلى عُلبةٍ مُحكمةِ الغلق يعيش فيها كلّ قرويّ ملحمته الخاصّة: المتمرّدون المضطهدون يطلبون الحريّة والطغاة المستبدّون يُحكمون قبضاتهم على الأرواح والأعناق. لكنّ خيط السّرد لا يتقدّم إلّا ليعود بنا إلى الوراء، فتُلقي الرواية الضوء على عشريّةٍ قاسية تمتد من نكسة حزيران سنة 1967 إلى لحظة وقوع الانفجار وانقلاب وجوه القرويّين إلى سلاحف.
حدثٌ واحدٌ في النجع ترويه ثماني شخصيّات مختلفة، تُشكّل مرويّاتها فسيفساء الحكاية تشكيلاً ساحرًا. أمّا قاع الرواية فمساءلة سرديّة للنّكسة وما تلاها من أوهام بالسيادة والنصر. فمَن يكتب التاريخ الحقيقيّ: الجزمة والبندقية وسلاسل الحديد أم صرخات التمرّد التي لا تموت؟ وما الّذي يوقظه فينا العام 1977؟ موت المعنى والفنّ أم عبث المصير والسلام الزائف؟
أليست قرية المناسي استعارةً كُبرى لجيلٍ من الممسوخين؟
مهما كانت الإجابة فحسبُ «صلاة القلق» أن تجمع في خيطٍ واحدٍ: تناثرَ الدلالة ومتانة الحَبْك.
في نجعٍ مُتخيل لم تعرفه الخرائط الرسمية لصعيد مصر، يُدعى «نجع المناسي» يُحاصر سكانه بحزام من ألغامٍ يفصل بينهم وبين الواقع، بل وبين الحياة، وخاصة بعدما ظن الجميع أن انفجارًا قد وقع في سماء النجع، أرجعه البعض لسقوط نيزك من الفضاء، فانعدمت الحياة، واستمر انقطاع كل سبلها لعشر سنوات كاملة بداية من لحظة الإدراك الأولى ١٩٦٧ خاصة بعد نكسة الخامس من يونيو والتي تزامنت مع دوي الانفجار المجهول، والتي أيضًا انقلبت انتصارًا حقيقيًا داخل النجع.
أبرز شخصيات الرواية المتعددة:
. خليل الخوجة (محتكر المجال): الشخصية المحورية التي تمثل "ذراع السلطة الطاغية" في النجع. هو صلة الوصل الوحيدة بالعالم الخارجي، ويملك المتجر الرئيسي، ويطبع صحيفة محلية بروبا جندا تسمى "صوت الحرب". يتحكم في أرزاق الناس ويشرف على تجنيد شباب القرية للموت في الحروب. والمفارقة أن الكاتب حرمه من امتلاك صوت خاص في الفصول، فالجميع يتحدث عنه وعن طغيانه دون أن يتحدث هو.
الشيخ جعفر (السلطة الدينية المتواطئة): شيخ مسجد النجع الذي يمثل التبرير الديني للسلطة السياسية. يدور في فلك الزعيم ويحرف تفسيرات النصوص لتناسب الحاكم خوفاً من التنكيل. هو من يخترع "صلاة القلق" كطقس للخروج من محنة الوباء والنيزك الذي ضرب القرية.
نوح النحال (رمز اليأس والبحث): شخصية وجودية حزينة، يمثل يأس البحث عن المعنى في عالم مشوه. يبحث طوال الوقت عن ابنه الغائب في غياهب النسيان، ويقود نوعاً من الثورة أو الاحتجاج ضد الواقع المفروض.
شواهي الغجرية (رمز الحرية المطلقة): تجسد الرمز الأثير للحرية والانعتاق في الرواية. تمثل بجسدها ورقصها السافر خروجاً عن قمع النجع السائد، مما يجعلها مكروهة من نساء النجع والزوجات التقليديات ومحط فتنة لرجاله.
زكريا النساج (المقاومة الصامتة): رجل من أصول فلسطينية، يعيش في النجع وتطوع أبناؤه الثلاثة في الحرب للخروج من هذا الحصار. لا يؤمن بقدسية الزعيم السياسي ويقوم بتمزيق صوره وملصقاته، وينتهي مصيره مقتولاً.
محجوب النجار (عاشق المجهول): شخصية نشأت منذ الطفولة على حب المخاطرة ومعانقة الطيران والحرية. يرى أن الحرية هي المصل الوحيد للنجاة، لكن أحلامه بالخروج تتوازى مع ولادة طفل له يؤمن بنبوته.
وداد الداية (القابلة وشاهدة المواليد): تولد أطفال النجع وتشهد على الوباء الذي بدأ يشوه المواليد الجدد أيضاً. تعبر في حياتها عن حسرتها لأن الحيوانات (كالذئاب خلف حزام الألغام) تنعم بحرية أكبر من البشر المحاصرين داخل النجع.
الرواية حديث مرتكز عن المحرمات الثلاثة في بلادنا العربية: الدين، الجنس، السياسة
صلاة القلق هي مساءلة للدين، ومدخل طالبي الظلام والجماعات التي تعمل على تدمير الشعوب عبر تحريف الدين فالصلاة التي ابتدعها الشيخ أيوب امام المسجد وشيخ النجع وابن «جعفر الولي» العائد من الموت، هي سلطة ما سنّها الشيخ لينقلب الناس على أنفسهم، فالجُرم في نفوسهم الضالة، التي لم تعرف إلى الله سبيلًا، وما النيزك والوباء سوى عقاب يستحقه أهل النجع كما استحقه المفسدون في أساطير الأوليين، الدين هنا أداة في يد السلطة، وكسلطة في حد ذاته، فيبدل تكوين العقول، ومنطق التفكير، فتشعر دائمًا بالذنب، وبأنك تستحق العقاب، وبأنك مُلام، ولكن ليس من منظور يدفع نحو العمل للتغيير، لكنه منظور يثبط الهمم، يدعو فقط إلى الانعزال، البعد عن التفكير، النقد، العمل الجمعي، تجنب الاشتباك مع الواقع وتجنب مساءلته.
وليس هذا فحسب، فللدين خصوصية في النص، وفي العالم العربي عامة، وهناك سردية ما تسيطر على الدين، وتتعارض بالكلية مع التصور الحديث للدولة، والعمل السياسي، وهي تجنب الاختلاف والدعوة الدائمة نحو توحيد الصف، واعتزال الفتن، رغم أن العالم الحديث، والقديم أيضًا قائم على الفتن، فطالما وُجد صراع ما بين تصورات حول شيء ما، والواقع والتجارب في كل العالم تثبت ألا سبيل للخلاص إلا الخوض في تلك الصراعات، .
وأخيرًا، التلاعب بالوعود الاخرى للدين التي تتعلق بالأخرة، يجعل الناس أكثر صبرًا وتقبلًا للواقع لأن نعيمًا ما قادم لا محالة، تَقَبُل يتحول مع الوقت إلى انسحاق تام أمام قسوة هذا الوقع، ويزيد الهوة الفاصلة بين لحظة المأساة الراهنة ولحظة الحُلم أو التغيير.
السؤال المُحرّم الثاني في النص هو سؤال الوعي السياسي، عبر شخصية خليل الواصل الوحيد بين أهالي النجع والعالم الخارجي، صاحب الراديو الوحيد، والجريدة الوحيدة: صوت الحرب، حيث تتشعب المسؤوليات والإدانات، يفرض سلطة ما بدءًا من الطعام» فهو من يشتري كل ما ينتجه أهل النجع، وهو من يبيع لهم كل احتياجاتهم، هو من يحدد سعر البيع وسعر الشراء، هو من يقتطع نصيب «المجهود الحربي» من أموال الأهالي، وربما كانت له صلة باليافطة التي كانت سببًا في عزل النجع عن الواقع من حوله، رُسِمَ «خليل الخوجة» ليكون سيد هذا النجع.
ومن جهة الأهالي هناك خنوع مفرط، انبطاح لم يكسر ركوده سوى بعض المحاولات الفردية التي فشلت جميعًا، ويبدو لي أن هذه هي سُنة الحياة وقانونها، فالعمل لا يكون ناجحًا إلا جماعيًا. وعبر طيف واسع من النضالات لن ترى إلا ذلك التكتل الجمعي، بداية من حروب التحرير ومقاومة العبودية والحركات النسوية وصولًا إلى الحركات الخضراء التي تدق جرس إنذار أزمة المناخ. أما العمل الفردي، فيبتعد كل البعد عن الواقع، ويتحول إلى تراجيديا يمكن أن تكتب كمأساة وأحيانًا كملهاة.
وهنا مساءلة أخرى حول مسؤولية الأهالي، ويبدو أن الكاتب بذلك الوباء الذي حولهم إلى مسوخ أدانهم بقدرٍ ما، وكذلك يبدو جليًا أن للحرية والكرامة ثمنًا، ولن ينالهما إلا من يقدر بشجاعة على دفع ذلك الثمن.
والسؤال الثالث عبر الرواية، هو سؤال الجنس، وحرية الجسد، والذي بدا خلال الرواية أن الكاتب لم يستقر على مسعى محدد بشأنه، أو لم يملك إجابة واضحة حوله، فالكاتب وعبر شخصية «شواهي» الغجرية الراقصة صاحبة الخمارة، التي يرتادها كل رجال النجع، رسم شخصية مستهلكة ليست بأصالة وتميُّز بقية الشخصيات التي تعبر عن سؤال مركزي في النص، ولمحورية دور «شواهي» كان مفترضًا أن تكون أكثرهم فرادة.
يتم التعرف على شواهي عبر الروايات إلى أن يحين دورها كسادس شخصية يسمح لها بالحديث. الاستهلاك جاء من الرغبة المفرطة في جسد شواهي من كل رجال النجع، وهذه الفكرة ليست أصيلة، وراجت في أفلام المقاولات لعدد ممن عُرِفن بنجمات الإغراء «نادية الجندي» وغيرها. لكن الأزمة لم تقف عن ذلك الحد، فبعد تصدير صورة «شواهي» كحرة منطلقة لا تأبى بأحكام النجع الرجعية، وحين جاء دورها لتحكي قصتها، جاءت القصة خاضعة بالكلية لذلك المنطق الرجعي، بالحديث حول الطهارة والشرف والعذرية، وكل ذلك من المفردات التي تتعارض مع الثورية التي رُسمت بها، ومع النضالات حول حرية الجسد.
لكن ومع شخصية نسائية أخرى ستشعر أن ثمة محاولة للكفاح تترنح بين الجديّة والتشوّه، والاعتراض الغاشم على المفروض حتى وإن كان القدر بمفهومه الديني.
وداد أو قاتلة الأطفال المشوهين، بفلسفة لن تقدر أبدًا ما دمت طبيعيًا على التعاطف معها، لكن شيئًا بداخلك لن يقدر على مقاومة مرورها إليك، فهي تسعى لما تراه طبيعيًا، وترفض ما عاداه، ربما مدفوعة برغبة الأمومة التي حرمت منها، ربما هي فلسفة عن الوجود الإنساني وكيف له أن يكون منضبطًا خالصًا، للدرجة التي ترفض إصبع زائد بكف اليد، فهذا الإصبع تشوّه لم ولن يُفرض له أن يوجد. ويتطور الرفض إلى النجع وأهله وتبنى شواهي الثورة.
نلاحظ أيضا استخدام عبد الحليم حافظ فنان الثورة في اغانيه وإعلان موته بعد انتهاء كل شيء في تعرية واضحة لأذرع السلطة التي تمارس التبرير والتغييب، فهذه الأذرع، يتم الاشتغال عليها بدقة، حيث تمارس وظيفتها في تفسير أو تبرير أي توجه من السلطة التي تدور في إطارها، وكلاهما – أي التفسير والتبرير – يلجم بدايات أي خروج أو تذمّر، وكأنهما معا يشكلان أداة للتنويم والتغييب. وأمام هاتين الوظيفتين يجد القارئ نفسه في مواجهة تاريخ مصنوع مملوء بالفجوات والثقوب، ويصنع ذاكرة جمعية مشوّهة، يستفحل وجودها بالسرديات المصاحبة، وتتأصل في هيئة مقدسة، لها قدرة على الفعل حتى في ظل الغياب.
هذه رواية عن صناعة الطاغية وكيفية اختطافه للعقول. كيف يحاصرك بأكاذيبه حتى يضمن خنوعك وتحقيقك لمصالحه. عن الحرب وويلاتها، الحرب التي تسرق الأبناء فلا يعودون. الحرب التي تستكثر عليك حقك في أخذ أبنائك في حضنك بعدما هشمتهم على الجبهات، ولا تمنحك إياهم، ولو كانوا جثامين، ليهدأ قلبك بدفنهم فتعرف أنهم ينامون الآن بسكينة بين أحضان أمهم الأرض.
هذه رواية عن الحب، حتى لو كان مسروقاً في زحمة الفقدان والموت. عن تمجيد القادة، حد نصب تماثيل لهم وتأليهها " نحن شعوب ينقصها كل شيء إلا سير الزعماء الأسطورية!"
يطرح الكاتب أسئلة مشروعة عن الهوية والانتصار والهزيمة والنصر والثورة ما معنى ضياع المدن والحروب ومعاني أخرى تائهة في ظل ابادة متكررة ربما بدأت في فلسطين 1948 وانتهت ببداية عام 2023 في فلسطين وبين كل هذه السنوات أيضا يوجد متاهات وأنظمة وقمع وقتل وثورات لكن يجمعها شيئا واحد الخراب والهزيمة لكل بلد عربي ومدينة جميلة تريد ان تكبر
صلاة القلق صلاة المكسورين وصلاة الهزيمة حيث لا وجود للنصر او الصمود وحيث الوهم كان أكبر من الحقيقة

