لم يكن المعطف في قصة غوغول معطفا…
كان اعترافًا متأخرًا بوجود رجل لم يره أحد.
أكاكي أكاكيفيتش لم يكن بطلًا، ولم يحاول أن يكون كذلك. لم يحارب العالم، ولم يرفع صوته في وجه الظلم، ولم يحلم بأكثر من حياة هادئة لا يلتفت إليها أحد. ومع ذلك، كان العالم قاسيًا معه كما لو أنه ارتكب خطيئة عظيمة: خطيئة أن يكون عاديًا.
أثناء القراءة شعرت أن المعطف لم يكن قطعة قماش تحميه من البرد، بل هوية جديدة. للمرة الأولى نظر إليه الناس. للمرة الأولى أصبح له حضور. وكأن الإنسان لا يكفي أن يكون إنسانًا كي يُرى، بل يحتاج إلى شيء يبرر وجوده أمام الآخرين.
ثم يُسرق المعطف.
وفي اللحظة التي سُرق فيها المعطف، لم يُسرق الشيء الوحيد الذي امتلكه أكاكي، بل سُرقت منه إمكانية أن يكون مرئيًا.
لكن أكثر ما أثارني لم يكن موته، بل عودته.
طوال حياته كان هامشًا في قصة الآخرين، ثم عاد بعد موته شبحًا يفرض نفسه على المدينة كلها. كأن غوغول أراد أن يقول إن المظلومين لا يختفون حقًا، وإن الأشياء التي نتجاهلها في وضح النهار تعود لتطاردنا في الظلام.
انتهيت من القصة وأنا لا أفكر في المعطف، بل في أولئك الذين يمشون بيننا دون أن نلاحظهم. أولئك الذين لا يملكون صوتًا مرتفعًا ولا مكانة ولا نفوذًا، والذين قد لا يطلبون من العالم أكثر من أن يعترف بأنهم موجودون.
ربما لهذا السبب بقي شبح أكاكي في ذاكرتي أكثر من المعطف نفسه.

