صلاة القلق، العمل الثاني الذي أقرأه للصديق محمد سمير ندا بعد روايته بوح الجدران، وهو الثالث في ترتيب أعماله الروائية المنشورة. صدرت صلاة القلق عن دار ميسكلياني في حزيران من العام 2024.
تتناول هذه الرواية " نجع المناسي"، كفضاء مكاني لأحداثها. حيث تنفتح السماء على انفجار يُلقي بجسم غامض يحط في أرض النجع، ليتحول بعدها إلى مكان معزول لا يغادره ساكنوه. ينتشر وباء في النجع عقب سقوط هذا الجسم فينتج عنه سقوط شعر الرأس والحاجبين لساكنيه، مما يجعل ملامحهم كما السلاحف.
لا أريد أن أذكر في مراجعتي تفاصيل لأحداث العمل، لأنني بذلك سأفسدُ على القراء متعة التنقل في حقول هذه الرواية وربط خيوطها واكتشاف أسرارها. لا أريد أن أبخس قراء هذا العمل حقهم من الدهشة، وهم يغوصون في جمال هذا العمل وفرادته. لذلك، سأكتب انطباعي عن هذا العمل، والحالة النفسية التي وضعني بها.
هذا عمل لا تستطيع تركه من أولى صفحاته وحتى ختامها. عمل يجعلك تتساءل ما الذي حدا بالكاتب ليجعل "صلاة القلق" عنواناً لعمله. ما هي هذه الصلاة؟ وكيف تُؤدى؟ وما الذي حدا بأهل النجع لأداء هكذا صلاة؟ مرورا بالاستهلال، والذي يعطيك مؤشراً على أنك ستعيش حالة مختلفة بين سطور هذا العمل. يقول لك الكاتب من خلال الاستهلال ويلخص لك ما ستقرأه في الصفحات الـ 354 القادمة.
هذه رواية عن صناعة الطاغية وكيفية اختطافه للعقول. كيف يحاصرك بأكاذيبه حتى يضمن خنوعك وتحقيقك لمصالحه. عن الحرب وويلاتها، الحرب التي تسرق الأبناء فلا يعودون. الحرب التي تستكثر عليك حقك في أخذ أبنائك في حضنك بعدما هشمتهم على الجبهات، ولا تمنحك إياهم، ولو كانوا جثامين، ليهدأ قلبك بدفنهم فتعرف أنهم ينامون الآن بسكينة بين أحضان أمهم الأرض.
هذه رواية عن الحب، حتى لو كان مسروقاً في زحمة الفقدان والموت. عن تمجيد القادة، حد نصب تماثيل لهم وتأليهها " نحن شعوب ينقصها كل شيء إلا سير الزعماء الأسطورية!"
ما يميز هذا العمل وبصراحة: كل شيء. هناك اختلاف واضح في عمل محمد هذا. قرأت له "بوح الجدران من قبل". كان عملاً جيداً، ولكنه ليس كصلاة القلق. لا أقصد بذلك أن أقارن أعمال محمد ببعضها، وأن أفاضل أحدهما على الآخر، فلكل عمل مناخه الخاص وظروفه التي على أساسها خرج للنور، وإنما كان القصد أن أذكر كم أنَّ صلاة القلق عمل متفرّد في كل شيء: لغته، ثيماته، أسلوبه وتقنياته. هذه النقلة النوعية في الطريقة التي أخرج بها محمد عمله هذا، إنما تدل على أنه كاتب متمكن، وكاتب يتقن فن الدهشة.
عليَّ القول أن ذائقة محمد في الأعمال الروائية تختلف عن ذائقتي، فعلى الرغم من أنه يجمعنا حب الكتب والقراءة، إلا أننا أقطاب متنافرة فيما يتعلق بما يعجبنا أو لا يعجبنا من الأعمال، وهذا طبيعي جداً، فلكل شخص ذائقته ومعاييره في تقييم ما يقرأ. نادراً ما نتفق على إعجابنا بعمل معين. لكن، مما لا خلاف عليه، أنَّه كاتب جميل ليُخرجَ عملاً بهذا الألق، وحتماً لن يكون آخر الأعمال الجميلة.
كما ذكرتُ سابقاً، فهو عمل متفرّد بكل شيء، تحديداً المواضيع التي طرحها والأسلوب الذي كتب به العمل، لكن مما أعجبني جداً كان اللغة. اللغة كانت "متمكنة، عميقة، وذات رمزيات عالية. هناك الكثير من العبارات والجمل التي استوقفتني ورددت في سرّي:" الله الله.
هذا العمل الثاني بعد "رباعية الخسوف" لإبراهيم الكوني الذي شعرتُ وأنا أقرأه أنني لا أريد له أن ينتهي. "صلاة القلق" تشحنك بالفضول واللهفة لتعرف مصير الشخصيات ومسار الأحداث، لكنها في نفس الوقت تعطيك شعوراً بأنك لا تريد ترك هذا العمل، وكأنكَ بالانتهاء من قراءته ستنفصل عنه ولا يجمع بينكما طريق مرة أخرى. بعد رباعية الخسوف، لم أرتبط عاطفياً بعمل روائي مثلما ارتبطتُ بصلاة القلق. من أفضل ما قرأت من أعمال.
أورد هنا بعض الاقتباسات، للإشادة بجمال التعبير وجزالة الألفاظ ومتانة اللغة:
"أتساءل: كم نيزكاً يستلزم الأمر حتى تتكون لدينا ذاكرة جديدة؟ كم قتيلاً ينبغي أن يسقط، وكم حرباً يتوجب أن تأكل أبناءنا حتى تروي العجائز تاريخاً مغايراً لما يروينه اليوم؟" ص58
" لماذا ترتضي الدولة أن يعيش في ربوعها بشرٌ حُرموا العلاج وتساووا مع الدواب في استلاب الحقوق؟" ص158
"بيد أن الحرية لا تفيض من أنفاس المذعورين. والأكوان لا تُخلقُ تحت الحصار، والأحلام لا تراود المأسورين داخل الصناديق المعتمة." ص187
"آمن الناس بقداسة الصنم، حتى اقتنع الصنمُ ذاته بقداسته فشرع يتجوّل بين رعيته ويعيث في ديارهم رعباً ومجوناً." ص278
" لا شيء غير الحرب يقدر على أن يجعل الغياب أمراً عادياً طالما ظلّت طبولها تدق. ذلك سحر الحرب الأبديّ، ذريعة كل طاغية، آلته التي تكمم الأفواه وتمسخ الأحلام من دون أن يطلق رصاصاته أو يرفع عصاه." ص317
" نحن شعوب ينقصها كل شيء إلا سير الزعماء الأسطورية!" ص327.
وصلت صلاة القلق في السابع من كانون الثاني للعام 2025 للقائمة الطولية لجائزة البوكر كما وقد وصلت للقائمة القصيرة يوم الأربعاء الموافق التاسع عشر من شباط للعام 2025، وصولاً لفوزها بجائرة البوكر العربية للعام 2025. ألف مبروك لمحمد هذا الفوز المستحق جداً، وألف مبروك عودة البوكر لمصر الحبيبة❤️❤️

