[بعد آخر دقيقة] لفاطمة نجيب قصة قصيرة تتألف من ثلاثة فصول، يضيف كل فصل منها طبقة جديدة إلى الحكاية، بحيث تستمر الأحداث في التصاعد دون حشو أو إطالة. ومع قصر النص، تنجح الكاتبة في المحافظة على فضول القارئ حتى السطور الأخيرة.
تبدأ القصة بأميرة، التي تحمل مشاعر نفور وكراهية تجاه جدتها سعاد بسبب ارتباط الأخيرة بالسحر. وبعد وفاة الجدة، تتوجه أميرة إلى منزلها لترتيبه وإفراغه من مقتنياته، لكنها تعثر أثناء ذلك على رسالة تحمل نذيرًا مشؤومًا بوقوع مصيبة قريبة. ومن هنا تبدأ خيوط التوتر بالتشكل.
في الفصل الثاني تتعقد الأمور أكثر؛ إذ تتبدل علاقة أميرة بزوجها شادي وتبدأ الشكوك بالتسلل إلى نفسها، خصوصًا بعد ساعات قليلة من دخولها منزل الجدة. ثم يقودها اكتشاف مخبأ سري إلى مواجهة سر مخيف يغير فهمها لما يجري حولها.
أما الفصل الثالث، فهو موضع انكشاف الحبكة، حيث نرى أمًا مستعدة لفعل كل ما تستطيع لحماية ابنها من الخطر المحدق به، حتى تصل القصة إلى خاتمتها التي تمنح الأحداث معناها الكامل.
أميرة هي الشخصية المحورية في العمل، وقد بدت لي أكثر شخصيات القصة إثارة للتساؤل. فمن جهة، تؤكد مرارًا كرهها لجدتها وخوفها من إرثها المرتبط بالسحر، لكنها من جهة أخرى تدخل منزلها براحة لافتة، بل وتحضر زوجها وابنها معها إلى مكان تنظر إليه أساسًا بوصفه مصدرًا للشر والريبة. كان من الممكن أن تبدو هذه التصرفات أكثر إقناعًا لو منحتنا الكاتبة دوافع أو مبررات أوضح تفسر هذا التناقض.
كما أنني تساءلت أثناء القراءة عن سبب إصرار أميرة على الاستمرار في البحث والتنقيب داخل المنزل. فالإنسان العادي غالبًا ما يفضل الابتعاد عن كل ما يمت بصلة إلى شخص يعتقد أنه مارس السحر، خاصة إذا كانت العلاقة بينهما ضعيفة أصلًا، وكانت الجدة غائبة عن حياة حفيدتها معظم الوقت.
ورغم هذه الملاحظات، تبقى القصة ناجحة في أداء ما تعد به. فهي قصة قصيرة تدور أحداثها في مساحة محدودة وزمن قصير لا يتجاوز بضع ساعات داخل شقة الجدة، لكنها تستثمر هذا الحيز الضيق بكفاءة. وقد برعت فاطمة نجيب في تصوير التحولات النفسية لأميرة؛ من التوجس إلى الشك، ومن الغضب إلى الهلع، ثم إلى ذلك الإصرار الغريزي الذي يدفع الأم إلى الدفاع عن فلذة كبدها مهما كان الثمن. وهذا الجانب العاطفي تحديدًا هو ما منح القصة قوتها الإنسانية وجعلها قادرة على الاحتفاظ باهتمام القارئ.
#أبجدي
