دكاكين تغلق أبوابها > مراجعات رواية دكاكين تغلق أبوابها > مراجعة Bassem Khalil

دكاكين تغلق أبوابها - كمال رحيم
تحميل الكتاب

دكاكين تغلق أبوابها

تأليف (تأليف) 3.9
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
3

《ما أقسى أن تكون مغتربًا عن وطنك وأنت بداخله.》

انتهيت من قراءة رواية «دكاكين تغلق أبوابها» للراحل كمال رحيم، والتي تعد أولى تجاربي مع الكاتب، وأظنها كانت تجربة جيدة إلى حد بعيد. قبل البدء في القراءة، كنت على دراية بأن رحيم من المهمومين بالكتابة عن عالم القرية والغوص في أعماقه والنبش في تفاصيله الدقيقة وملامحه التي تميزه، وأن هذه الرواية كانت آخر ما كتب في هذا الإطار، حيث سبق أن صدر له روايتي «أيام لا تنسى» في ٢٠١٨، و«قهوة حبشي» في ٢٠٢٠، بخلاف العديد من الأعمال الأخرى.

في «دكاكين تغلق أبوابها» يتجول بنا رحيم داخل إحدى القرى المصرية في أوائل السبعينات، وقد اختار للقيام بهذه الجولة أحد الفتيان، الذي كان على حافة الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة، وكأنه أراد، باختيار هذه المرحلة العمرية، أن ينقل لنا العالم بعيني الفتى من زاويتين مختلفتين.

زاوية الطفل الذي لا يزال محتفظًا بسجيته وفطرته، وزاوية المراهق الذي بدأت نظرته للأشياء والأشخاص تتغير تدريجيًا. وأرى أن الكاتب وفق في هذا الاختيار، حيث جمعت الحكايات التي نقلها لنا الصبي بعينيه بين الدقة البالغة لدى الأطفال في وصف التفاصيل، وفضول المراهقين القوي وتغير نظرتهم للأمور والأشخاص، لا سيما النساء منهم. وقد أراد الكاتب أن يحصر تلك الجولة على دكاكين القرية، بوصفها أماكن للتجمعات التي يسهل فيها على الفتى رصد الحوارات والأزمات التي تنشب بين الفينة والأخرى. واللافت أن عددًا كبيرًا من أصحاب هذه الدكاكين كانوا غرباء عن البلدة. وهنا في ظني تتجلى الفكرة التي أراد أن يركز عليها كمال رحيم في هذه الرواية؛ وهو الشعور بالاغتراب وأنت داخل وطنك أو بلدك، وأن الحقوق تُنتهك وتُسلب لمجرد أنك تعيش في بلدة غير بلدتك، فنرى بعيني علي واقعة اعتداء بكل الوسائل على أحد أصحاب هذه الدكاكين الأغراب البسطاء، وهو «الدريني» صانع الحصير والحبال والمشايات، على مسمع ومرأى من الحاضرين الذين لم يهتز لهم جفن وهم يرون رجلًا يضرب ويهان أمامهم، ولكن علام التدخل؟! وكأن لسان حالهم يقول هو من الأغراب وليس من بني جلدتنا. ثم يرصد لنا علي الواقعة التي شغلت جزءًا كبيرًا من الرواية؛ وهي واقعة تحرش أحد أبناء القرية المسلمين بزوجة أحد أصحاب الدكاكين الأقباط الذين كانوا قد استوطنوا القرية قبل أشهر معدودة، وكانوا يعيشون بمنأى عن أي خلافات قد تدب بين جناحي الوطن، إلا أن زوج الضحية عندما علم بما حدث لزوجته هرع إلى المتحرش لينهال عليه ضربًا دفاعًا عن شرفه وعرضه، وهو ما كانت نتيجته اقتياد الزوج إلى السجن ونقل المتحرش للمستشفى. أراد الكاتب عبر هذه الواقعة أن يروي لنا كيف تعالج مثل هذه الأزمات التي تغلفها الطائفية في القرية المصرية؟! وهل سيتنصر الحق والعدل للطرف الذي وقع عليه الظلم والضرر؟! أم سيُؤْثِرُ كبراء القرية من شيوخ ورجالات ذوي نفوذ السلامة ويركنون إلى تحقيق الاستقرار واختيار الحل الأسهل؛ وهو أكل حقوق الطرف الضعيف حتى وإن تعارض هذا مع ما يقوله الشرع والدين من نصرة المظلوم؟! المثير للاهتمام في هذه الحكايات هو ما أراد أن يصوره لنا رحيم عن طبيعة الأشخاص الذين يتم اللجوء إليهم للفصل في مثل هذه النزاعات من رجال دين إسلامي ومسيحي، ومن كبراء وأعيان القرية، حيث تجد لديهم أكثر من وجه في نفس الموقف، فها هم يظهرون لك الود والمحبة والرغبة في إصلاح الأمور، بنفس القدر الذي يعلون فيه من كلمة التطرف والتعصب وإذكاء نار الفتنة.

ولابد هنا أن أحيي الكاتب على ما ذهب إليه في بنائه الدرامي ومشهد النهاية الذي تميز بالواقعية الممزوجة بالحزن، وهو ما جسده علي بقوله: 《وصار أصحاب هذا الدكان مجرد حكاية تُحكَى على المصاطب، وفي قلوبٍ قليلةٍ أنا أحدُها..》.‏ هذه النهاية من إحدى نقاط قوة الرواية، لأنه لو كان غير ذلك، وكانت النهاية وردية حالمة لتيقنت أن كمال رحيم يأخذنا لنعيش في بلاد الواق واق أو المدينة الفاضلة. وقد بدا لي واضحًا أن الكاتب يميل في أسلوبه إلى السلاسة، مع حنكة شديدة في الوصف والتفاصيل الدقيقة دون أن تشعر بتململ أو ضجر، وهذه براعة يحسد عليها كمال رحيم. ربما ما عاب الرواية أن إيقاعها واحد لم يتغير طيلة الأحداث، لن تلحظ صعود وهبوط في الإيقاع والوتيرة. تفسير ذلك من وجهة نظري هو أنك لا تتحدث عن رواية البطل الرئيسي فيها الحبكة، بل الفكرة والرسائل التي يريد المؤلف إيصالها من خلال النص. لذا لا تتوقع وأنت تشرع في قراءة رواية «دكاكين تغلق أبوابها» أن تظفر بحبكة قوية ذات خيوط متشابكة وفي غاية التعقيد حتى تبدأ أنت باستخدام كل حواسك لتفكيكها وإزالة الغموض عنها. يؤسفني أن أقول إنك لن تجد ذلك، فالأحداث واضحة ومباشرة ولا يكتنفها أي غموض أو إثارة.

من ناحية اللغة، اتسمت الحوارات - التي طغت على الجانب السردي - بالطرافة والأسلوب الساخر، وامتلأت بالكلمات والعبارات التي تميز أهل القرى، وهذه أيضًا من إحدى نقاط القوة.

الرواية تقع في ٢٠٤ صفحة. وهي صادرة عن دار العين عام ٢٠٢٣.

في المجمل، أرى أنها رواية بسيطة لغةً وأسلوبًا، وهو ما يجعلها سهلة القراءة وتنتهي معك في جلستين على أقصى تقدير.

رواية أرشحها للقراءة، لا سيما الباحثين عن قراءات خفيفة بين قراءتين دسمتين، أو من لديهم بلوك قراءة.

Facebook Twitter Link .
1 يوافقون
اضف تعليق