وكالة عطية - The lodging House
خيري شلبي
دار الشروق
عدد 519 صفحة
نشر عام 2019
الكتاب رقم 11 من العام 2026
تطبيق ابجد
---------------
ربوة عالية خارج مدينة دمنهور تفاجئنا أسوار هذه الوكالة الرهيبة كالقصر المسحور، مغلقة الأبواب، معتمة، تدخلها فلا تلبث أن تنجذب بقوة لا تقاوم إلى أعماق عالمها السفلى، الذي يمور بحياة الفقراء واهل الغناء او العوالم والمدمنين والفاشلين والمظلومين، نفوس جواهر تعيش جنباً إلى جنب، وتتشابك أقدارها في نسيج روائي محكم يعكس فترة من أحلك فترات الفقر والضياع في مصر وأوجاعها
تقدم رواية “وكالة عطية” صورة صادقة فكريًا وخيالية للغاية عن المدينة وعلاقتها بالمناطق الريفية النائية، وعلاقتها بالمجتمع في مدبنة دمنهور والتي أصبحت ملجأ للمرتدين من طبقات المجتمع المصري، وتحمل سمعة أنها ملجأ للمضطهدين.
العالم السفلي – وكالة عطبة – ادب الشوارع:
كأنني هنا امام سلسلة الخبز الحافي لمحمد شكري او ادب الشوارع واحاول الربط لأنني لم أجد وصفا متشابها الا في وكالة عطية، أبدع نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس في وصف الحارة لكن ليس كهذا الابداع، اجدني هنا مع مقولة "أوم برتو إيكو" حين قال (ماذا يعني تخيل قارئ قادر على التغلب على كفارة الصفحات المائة الأولى؟ لكني وجدت أكثر من ذلك في الوكالة.
في احداث “وكالة عطية” يختبر شلبي القارئ بشكل غير مباشر من خلال استكشاف الشخصية الرئيسية للمجتمع المصري خلال عهد عبد الناصر، وتتغير أحداث الرواية بين مسافتين في محاولة لحل المعضلات التي يطرحها سعي الراوي لمحاولة التوفيق بين هويته كطالب ناجح تحول لفاشل والعيش في العالم السفلي.
شوادفي او ملك الوكالة وحاكمها، مع راوي الحكاية وهو الطالب حيث أبدع الكاتب في وصف هذه الشخصية كأنه عكس الواقع المصري وخاصة القاهرة في فترة الخمسينات على الوكالة، فالرواية التي عرضت على التلفزيون 2009 وقام بدور الشوادفي احمد بدير ومصطفى فهمي بدور الطالب فهي تحكي بلسان الطالب عن الحياة لشخص نشأ في الريف متنقلا من شوارع دمنهور إلى فناء وكالة عطية، المنطقة فوضوية، ليرشد الراوي المجهول القارئ عبر متاهة من الاضطرابات الوجودية والشك الذاتي والرهبة.
الرواية التي نشرت في نهاية الخمسينات، واحتلت المرتبة الثامنة والثلاثون في قائمة أفضل مئة رواية عربية، وترجمت الى الإنجليزية والفرنسية بالإضافة الى اللغات الأخرى وقد حازت على جائزة نجيب محفوظ 2003، هي إذا ملحمة رمزية للمهمشين والفقراء في مصر، حيث تمثل الوكالة بحد ذاتها "العالم السفلي" أو مأوى الصعاليك والشطار. تدور الرموز حول الصراع بين قوى الهامش والسلطة، البقاء، والتحولات الاجتماعية، معبرة عن ذلك عبر شخصيات غريبة (مثل سيد زناتي، شوادفي) في سياق روائي .
أبرز رموز ودلالات رواية وكالة عطية:
• المكان ليست مجرد سكن، بل هي "لوكاندة الغلابة" ورمز للقاع الاجتماعي والمناطق الفوضوية في دمنهور التي تعج باللصوص والمظلومين. كما تعتبر "كواليس مسرح" للبشر الذين يمارسون أفعالاً خارجة عن القانون.
• سيد زناتي: صاحب العدة (العدة بشر وليس مالاً)، ويمثل الفتوة والمنظم لحياة الفوضى، والقوة التي تحكم الوكالة بقانونها الخاص.
• شوادفي: الملك الذي يحرس الوكالة، ورمز للوفاء والرهبة في آن واحد وهو سيد بدير في المسلسل
الراوي (الطالب المتفوق): مصطفى فهمي يمثل المثقف الهارب من رتابة المجتمع إلى عوالم الهامش، وتجربته تمثل "غربة الروح" وفقدان الجذور.
• الوكالة كمنفى/ملاذ: تمثل الوكالة رمزاً للنجاة من السلطة ومكانًا للهروب، ولكنها في الوقت نفسه منفى اجتماعي.
تعد الوكالة الجزء الثاني لرواية "موال البيات والنوم"، وتجسد وعي خيري شلبي الطبقي وانحيازه للمهمشين
إذن ما الحدث الذي جعل بطل روايتنا يقع بين فكي (وكالة عطية)؟؟ ولا يستطيع الخروج منها بعد ذلك !! يقول الطالب (ما كنت أحسب أن الحال يمكن أن يتحدر بي إلى حد قبول السكن في وكالة عطية. بل ما كنت أتصور أنني قد صرت صعلوكا حقيقيا، ومن زمرة الضياع والمدمنين، إلى حد إن أعرف مكانا في مدينة دمنهور اسمه "وكالة عطية"... المفروض أنني طالب بمعهد المعلمين العام، أقصد كنت كذلك لما يزيد على عامين. إلا أنني رزئت بمدرس... لم يعجبه أن أبناء الفلاحين المعدمين، القادمين من القرى والعزب أشبه بالجرابيع الحفاة، يمكن أن يتفوقوا على أبناء المدارس الأصلاء من أبناء الذوات).
وكالة عطية... المسرح المفتوح على الحياة هنا التفاصيل الصغيرة، تشعر أنك تتجول في مدينة او مملكة ولنسميها العوالم السفلية، تتساءل هل صحيح ان هذا العالم موجود؟
لكن الكاتب فصل هذا العالم بشكل عميق الوكالة مكونة من طابقين اثنين رغم علو جدرانها، حجرات صغيرة متلاصقة متداخلة؛ كل حجرة يلتصق بها سلم حلزوني من الخارج متآكل الدرج يوصل إلى الحجرة العلوية. أمام كل حجرة مساحة يزيد عرضها على المترين مسقوفة بالخشب القملون فوق عمدان خشبية تأخذ شكل البواقي. معظم الحجرات مفتوحة في الطابقين، يطل من بعضها ضوء خافت، مع أصوات خافتة بلغط كـالعراك، كالمودة، كالمزاح، كالمناهدة، كالموادعة الجنسية، كل ذلك يطـن في الفناء الواسع. روائح تجثم على الأنف دفعة واحدة: عطانه، عرق، كحول محترق، دخان محمص، سردن ورنجة، روث، صنان، لكن الهـواء من حين لآخر يحمل لفحة عطر عابرة تلط الأنف بزخم ثقيل كريه) ثم مع تأثيث المكان (الوكالة) يأتي شلبي لخلق عوالم هذه الوكالة بشخوصها، بلحمهم دمهم، صورهم قصة حياتهم، بل حتى مكنوناتهم وكل نفس أطلقوه.
إننا هنا حيال نسيج اجتماعي ممتد، على نحو ملحمي، من الحياة في أشد صورها، يجمع بين الحكمة والفوضى والعاطفة والصراع المحتدم والممتد بلا انتهاء. الرواية التي سنسافر معها على امتداد قرابة خمسمئة صفحة عبر السرد بضمير المتكلم، بكل مساوئه ومزاياه، هو شاب أخفق في تحقيق أحلامه في حياة أفضل بعد اضطراره للتخلي عن دراسته في معهد المعلمين بمدينة دمنهور بشمالي الدلتا، عقب اعتدائه على أحد مدرسي المعهد والذي دأب على الإساءة إليه والاستهانة به باعتباره من الفقراء الحفاة الذين قدموا من الريف لغزو المدينة.
هذا السقوط الذي يعانيه الطالب السابق سيلقي به في وكالة عطية ، والتي كانت في وقت من الأوقات خاناً للتجار وتحولت الآن إلى منطقة سفلية موحشة تضم أصنافاً شتى من بشر عالم سفلي مروع. يلتقي صاحبنا بحشد من اللصوص والمحتالين والشحاذين والغواني وقطاع الطريق، ولا يدري أحد في الكون كيف يفلح في أن يجد لنفسه مكاناً وسطهم، بل ويتعايش معهم، بحيث يصبح واحداً منهم، ويروي لنا قصص الكثيرين منهم.
أياً كان الأمر، فإن تردي صاحبنا في هذا العالم السفلي المروع يبدأ ثم لا ينتهي، ويتخذ العمل أبعادا ملحمية فيما صاحبنا يمضي بنا في رحلته إلى جحيمه هذا الذي يحفل بشخصيات لا تتوقف عن البروز عند كل منعطف من هذه المتاهة، التي قد لا نبالغ إذا قلنا إنها تعيد إلى أذهاننا أصداء جحيم دانتي، أو رسالة أبي العلاء المعري الشهيرة، إذا واكبنا المؤلف في إصراره على السعي وراء الأغوار الأصلية لأعماله.
رأيتني أستسلم لنوم عميق لم أعهده في حياتي من قبل حتى على الفراش الوثير. ثم رأيتني أمشي متسكعاً بمزاج رائق وبلا أدنى خوف داخل غابة كثيفة الأشجار لا أول لها ولا آخر. وكانت الذئاب والثعالب والسباع والنمور نائمة تتثاءب في ملل غير عابئة بخطواتي النشوانة الحمقاء. وكان يبدو أنني أعرف كل هذه الوحوش معرفة شخصية وأنها هي الأخرى تعرفني حق المعرفة وأن بيننا وداً قديماً لعله رابطة البحث عن لقمة في النهار ومأوى في آخر الليل.
الرواية تُقدّم صورة مختلفة عن المجتمع المصري، لا تلك التي تُروّجها السلطة، بل تلك التي تعيش في الظل. إنها رواية عن المهمشين، عمن لا صوت لهم، عمن يعيشون في الوكالات، وفي الأزقة، وفي القاع. لكنها لا تُقدّمهم بوصفهم ضحايا، بل بوصفهم أبطالا، لهم صوت، ولهم منطق، ولهم قدرة على المقاومة. هذا البعد الاجتماعي يجعل الرواية وثيقة أدبية، تُضيء الزوايا المعتمة، وتُعيد الاعتبار للهامش، وللناس الذين يعيشون فيه. وخيري شلبي، بأسلوبه الشعبي، وبعينه الحادة، يُقدّم هؤلاء الناس كما هم، لا كما تريد السلطة أن تراهم.
الصراع الطبقي في الرواية:
1. صراع التعليم ان وائل أفندي الأستاذ يمثل الطبقة العلوية المتعلمة التي تنظر الى الفلاحين بنظرة دونية بالرغم من ان الرئيس المصري جمال عبد الناصر، جعل التعليم متاحا للجميع وللفلاحين أيضا مما ساهم في خلق فرص ولكن أيضا الحياة في بيئة مليئة بالتوتر بين الفلاحين الريفيين والاستعماريين. ويسرد الطالب هذه الأزمة عندما يروي كيف كان وائل أفندي لم يكن سعيدًا لأن أبناء الفلاحين من القرى والنجوع، مثلهم مثل حفاة القدمين، يمكن أن يتفوقوا في التعليم على أبناء المدارس الحقيقيين، مما أثار غضب النخبة، في إشارة إلى صراعات القوة الاستعمارية السياسية. يتضح عدم قدرة الراوي على إدارة هذه الدوافع التاريخية والاجتماعية والسياسية العميقة عندما يبدأ وائل أفندي في الحديث لدرجة أنه عند طرده من حجرة الدراسة، يهاجمه الراوي قائلا: "مثل كلب مسعور". مما جعل الطالب او الراوي ينتقم لذاته عبر تشويه وائل بقلع عينه في إشارة قوية الى الثورة ضد السلطة
2. الصراع ضد السلطة: تحدث الكاتب هنا من خلال الزواج بين بيومي وصبحية بأمر الملك شوادفي في إشارة الى مؤسسات المجتمع المصري شوادفي هنا الحارس والامر والملك والقانون. فعندما تم الحديث عن عقد زواج ملزم قانونا صادر عن الدولة، قال عم شوادفي ساخرا: “قانون؟ ما نوع القانون الذي تتحدث عنه؟ القانون للحمقى! فقط افعل ما أقوله لك، أنا أضمن. حتى أنني سأدفع لك مقابل القيام بذلك”.
(ويتابع: "أؤكد وأقر بأنني عبد الفضيل بيومي التوددي من قرية الطود البحيرة، وأنا مقيم في وكالة عطية في نهاية شبرا القديمة بدمنهور، ومهنتي مزرية، أنا أغسل الموتى - تزوجت، أي زيجة، صبيحة حسنين، وأعيش أيضًا في وكالة عطية؛ زواجنا متوافق مع الشريعة الإسلامية وسنن الرسول. وهو مهر لا يعرفه إلا كل منا، ورصيد مهر قدره خمسة جنيهات، ألتزم بدفعه لآخر مليم إذا أردنا الطلاق بشروط عادلة) ".
عبر شلبي بجرأة عن قضايا اجتماعية مهمة مثل العلاقات الحميمة والهوية الجنسية، بشكل غير مألوف، وسلط الضوء على المحظورات الاجتماعية المرتبطة بتعبيرات الشهوة في المجتمعات المحافظة.
وكانت ميزة اخرى في وكالة عطية هي إبراز النظام الاجتماعي المتماسك والدور المركزي الذي تلعبه الأسرة والمجتمع في المجتمع المصري، ويجسد بوضوح فاعلية وجوهر وعبثية الوجود الإنساني في المجتمع الحديث

