أتدرى تلك الجلسة الحانية التي يدخل فيها ابوك في طور الاعتراف وتجلس قبالته وتتمتع بحكاياته وذكرياته وكلامه ونصائحه حتى تتمنى الا ينتهي الليل وان يتوقف العالم عن الدوران حتى تحلق فوق كل معالم العالم السري لأبيك وافكاره
هكذا هو هذا الكاتب جلسات عديدة شديدة الحنان والرقة بين اب وابنه وحديثه هو بالتالي عن يوم كان فيه ابنا وله اب وما أجمل الجلوس بالتناوب على مقعد الاب ومن ثم مقعد الابن وأحيانا على مقعد الجد في حلم قادم لمستقبل الابن
الغلاف فكرته من أروع ما يكون وقد نال اعجابي جدا
بداية من العنوان فهو فعلا معجم فيه العديد من الكلمات والافعال وأسماء الشرط ودلالات الأشياء وجغرافيا الإباء ودليل العبارات بين المنطوق والمقصود والتي نقع كلنا في نصابها ومنها يولد الصراع، تداعيات الألوان ودلالاتها واجابة الأسئلة المحرمة التي ينبثق عقلنا بها منذ بداية تعلمنا الكلام وأخيرا يذيل الكاتب كتابه بحكايات لم ترو ورسائل وصلت متأخرة واجمل ما اتى في الكتاب تصويب القواعد النحوية وتصويب المفاهيم وأخيرا الاعترافات والوصايا من اسرار الاب وبوحها للابن وترك وصايا شديدة العذوبة تلهم كل انسان علي ان يكتب مثلها لابن حتى لم يوجد بعد
"انما الحب وفق تلك النماذج المبسطة حالة بهجة واحتياج ومشاركة وبعض جنون وهو ارتواء بعد عطش وسكن من بعد ترحال وامان سبقته حروب عدة لهذا لا أحب ان يقول قائل ان فلانا غرق في الحب إذ ينبغي ان يقال فلان نجا بالحب من الغرق"4
وهكذا يتألق الكاتب في وصف الحب والاوطان والعروبة والغربة وحتى حرب فلسطين الحبيبة ومعاني التناحر والغضب والثورة والاستسلام والانهزام والكثير الكثير من الكلمات التي لها معان تساوي كتب واعمار وحروب يتألق الكاتب في القفز من واحدة لأخرى بين سطوره ويريك عظمة لغته في وصف لم أرى له مثيل في حياتي حتى أنى احتفظت بالكثير من التشبيهات في كراستي الصغيرة من شدة عذوبتها وجمالها
الكاتب فعلا عبقري واعتقد ان هذا الكتاب هو ما كان يجب ان يفوز بالبوكر واعتقد انه لو قام كل اب بما فعله الكاتب ستكون العلاقات بين الإباء والابناء أكثر حميمية وتقارب واندفاع في التلاصق والتفاهم، أحببت جدا أولاد الكاتب واباه وأمه وزوجته وتمنيت لو أنى انتمى لتلك العائلة الدافئة الصغيرة وتفاعلت مع طفولة الكاتب التي ابتدأت بالغربة بين العراق وليبيا وعودته الي مصر وبين مصير ابيه وقصته الصغيرة وبين أشياء عديدة وتفاصيل في لوحة هذا الكتاب تحتاج الي إعادة قراءة مرة واثنان وثلاثة
كم هي رائعة الابوة وأجمل ما فيها ان يتعب اب في كتابة مثل هذا الكتاب الملهم الذي يجعلك ترغب أولا بالإنجاب وثانيا بتأليف كل ما لا تستطيع قوله لابنك في ساعة صفاء علي أوراق امتدت لسنوات كما كتب الكاتب كتابه هذا في ثلاث سنوات ولكني اظن انه لو قدر للأبناء فهم ما يدور في ذهن اباءهم وعقولهم لكانت الحياة ابسط وأسهل ولما قام أحد بتضحية غير مطلوبة منه او غير ضرورية
كم تمنيت لو كان ابي مثل الكاتب وكم تمنيت لو انه يرغب في ان افهمه كما يرغب الكاتب من ابنه ان يفهمه وكم تمنيت لو ترك لي ابي شيئا يساعدني على فهم مساحات الصراع بيننا ووأدها تماما بحيث لا يتبقى بيننا سوى ما احلم به وما كان يتمناه ومحاولات التوفيق بينهما.... هذا كتاب يجعل الاب أقرب كصديق ويجعل الابن حبيب ابيه لا شيء يفصله عن عناقه سوى كتاب يقرأه ليفهم نصايح ابيه وافكاره وما درسه في طول سنين حياته ليلقمه لابنه بعيدا عن صقيع العالم الخارجي
أحببت الكتاب جدا واعتقد ان موهبة الكاتب تتألق اكثر فاكثر واتشوق لكتابه التالي

