نبي ارض الشمال
Prophet of the Northern Land
د. أسامة عبد الرؤوف الشاذلي
دار رواق للنشر والتوزيع
عدد 420 صفحة
نشر عام 2026 الطبعة الاولى
الكتاب رقم 5 من العام 2026
تطبيق ابجد
وشعر قدموس بالخوف، لأول مرة يدرك أن الأبيض يمكن أن يكون لونًا مخيفًا حين يبتلع كل ما حوله، الماء والسماء والضباب، وحتى الشمس التي فقدت وهجها وتحولت إلى قرص أبيض باهت معلق في مكانه ليل نهار. كان يخشى الظلام، ولكن النور أيضًا مخيف حين يستحيل إلى فراغ، وأفق بلا حدود
تعجبت كيف تنمو ألفتنا بالمكان في سرعة شجرة جهنمية بمجرد أن نجد من نحب! وأن مغادرته بعد ذلك تصبح مؤلمة كاقتلاعها من جذورها توطدت علاقتي بـها، وجمعتنا أحاديث تليفونية كنا نبدأها في أول الليل وننهيها مكرهين قبيل الفجر حتى نتمكن من الاستيقاظ للعمل في اليوم التالي. وتعجبت من حالي! تعجبت كيف تطورت قدراتي للحديث مع امرأة، من عبارات قليلة كقطرات الغيث الحذر، إلى حوارات طويلة متشابكة، كروافد نهر لا ينقطع، أسبح فيه عاريًا وقد خلعت عني عباءة الانطواء والخجل.
في رواية نبي ارض الشمال، الرواية التي رشحت لجائزة البوكر 2026 او رواية الثنائيات حيث يأخذنا الكاتب في بناء متواز بين عالمين، من "ميت البز في الدقهلية" عام 1998 إلى "مسرح الأجورا بمارسيليا" 325 ق.م.، متنقلاً بين شخصيتين، عمر القداح (المصري) وحبيبته ايربال وقدموس مارسيليا القديمة والتي تعد جزء من فرنسا حاليا في رواية فلسفة، صوفية، تاريخ، جغرافيا، هندسة، جيولوجيا، قصص، ودين. فهي رواية في الوعي وبعض المفاهيم المرتبطة وخاصة مفاهيم الهجرة لدى الشباب ومشا كلها المختلفة وصراع المشرق والمغرب عبر نظرة المجتمع الغربي للعربي والإرهاب السياسي، ونقاش الخلود والزمن القديم عبر استعادة رواية يأجوج ومأجوج وبناء السد عبر الحديد والنار.
“هنا ثول الأرض التي تخون الحقائق، فلا ليل يتعاقب مع النهار ،ولا شمس تعرف متى ترحل، ولا ظل يطيع صاحبه ،هنا يعانق الشرق الغرب وتتهاوى الأكاذيب، فلا شياطين تقف على حافة الأرض، ولا آلهة يحبسها الجليد ولا وهم اسمه سيد النار"
تبدأ الحكاية او حبكة الرواية بزمنين الأول في مارسيليا المعاصرة مع الفيزيائي الشاب "عمر القداح" وطموحه وحبه وبحثه وعمله في مركز البحث حول الزلازل نهاية بمرضه والثاني قبل الميلاد بقرون في نفس البقعة الجغرافية مع الشاعر "قدموس" ومعلمه الرحالة العظيم "بيث ياس".
فهي اذن بين تعقيدات العلم الحديث وبين سحر المجهول في العالم القديم، لنكتشف في النهاية أن الإنسان هو الإنسان.. نفس الخوف، نفس الغرور، ونفس السعي المضنى لاحتكار "الحقيقة".
الرواية في مجملها هي حديث عن نظرية الدكتور في كتابه يأجوج ومأجوج ولقاء مع ذي القرنين الصادر عن دار الرواق للنشر للعام 2025 حيث ربط فيه بين الظواهر الكونية الجبارة (البراكين والتسونامي) وبين يأجوج ومأجوج (قاقتوق وإيما رتوق، النار والماء).
وتعلقتُ شخصياً بالصراع بين أبناء فيثاغورس وتابعي بيث ياس، وتلك اللمحة الرومانسية العذبة مع "إيولا" الفاتنة التي قال عنها الكاتب ببراعة: "مهما وصفت، فلن أفلح في وصف فتاة لثمتها ربة الحب في ثغرها عند مولدها، فمنحتها كل تلك الرقة". قصص الحب في ذلك الزمن البعيد لم تكن مجرد حشو درامي، بل جاءت كمرآة صافية تعكس تخبطاتنا وعواطفنا في واقعنا الحالي، وكأن مشاعر الإنسان لا تشيخ أبداً. في المقابل، وبسبب هذا التألق الطاغي للخط التاريخي، بدا لي أن شخصيات الزمن المعاصر (عمر، أبريلا، ومن حولهم) كُتبت على بشكل أكثر نمطية وجاءت باهتة قليلاً ولا تحمل نفس ذلك السحر فيما عدا شخصية عمر.
فنحن هنا بين العلم والظلام في مشهدان وزمنين هامان متقابلان يكشف لنا توازي رمزي بين *نور المعرفة وبهجة الفهم*، وبين *ظلام الجهل الذي يتحول إلى تعصب يعمي البصيرة ويهلك أصحابه ومن حولهم*.
حين يصف منير القداح (عم عمر) الشيخ حسونة شيخ القرية بأنه "رجل أعماه القدر فقاد قرية من العميان يعيشون في ظلام الجهل".
ويكتب خطابه: إلى نبي هذا الزمان *العلم* والذي يراه سفينة النجاة التي تنحسر أمامه جيوش الظلام.
يقابله مشهد إخوة بفيثاغورس وأطفالهم وهم يرقصون ويغنون: "تحت الزيتون نرقص ونميل"
توقفت طويلاً أمام هذه الأبيات. لم أكن أعلم أن دكتور أسامة قادر على كتابة الشعر بهذا الوعي. وشاهدت فيديو له يشرح معنى الأبيات والأرقام .
تأثير الفراشة وهو جوهر الرواية يأتي اقتباس الباحث المعاصر: "هل تعلم أن كل الظواهر العشوائية التي تحيط بنا هي في مضمونها عشوائية منتظمة؟ وأن رفّة جناح فراشة في الغرب قد تكون سببًا في إعصار في الشرق بعد مئات السنين؟ يسمونها هنا نظرية تأثير الفراشة." إن لحظة صغيرة في زمن بعيد (قرار، كلمة، بحث) لا تنتهي بانتهاء عصرها، تترك أثر في النسيج الإنساني يمتد عبر القرون.
ذو القرنين او بيثا وتلميذه قدموس وجزيرة ثول في طرح واضح، يقدم دكتور أسامة بيث ياس بوصفه ذا القرنين: هو من وصل إلى أقصى الشمال، وهو من واجه ما سماه أهل ثول "سيد النار" - قاقتوق وإيما رتوق - وهي أسماء إذا أُعيد نطقها بتحريفاتنا العربية تقترب من "يأجوج ومأجوج"… و بفضل العلم استطاع بيث ياس أن يصهر الحديد والقصدير، فأقام حاجزاً (سداً) يحميهم إلى أن يأتي أمر الله بزواله.
"ما جدوى المعرفة ما دمنا راحلين؟"
فيأتي الرد: "لأن المعرفة جسر بين عالمين؛ عالم نعرفه، وعالم ننتظره."
"لو ان هناك جدار في الشمال، فهو جدار الخوف من المجهول ولو أن هناك ظلاماً وراءه فهو ظلام الجهل."
هنا بدأ بيث ياس يفكك الأسطورة ويعيد الأشياء إلى حقيقتها!
ويبقى السؤال الذي يرافقني بعد إغلاق الرواية، والذي طرحه البطل على نفسه؛
هل يمكن أن نعيش في عالم يتجاوز حدود المعرفة… إلى تمام الإدراك؟

