نبي أرض الشمال > مراجعات رواية نبي أرض الشمال > مراجعة Ahmed Elsukkary

نبي أرض الشمال - أسامة عبد الرءوف الشاذلي
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
5

هل نحن مجرد أسرى لتأثير الفراشة؟.. عن رواية "نبي أرض الشمال"

لستُ ناقداً أكاديمياً يرتدي نظارة سميكة ومكفهر الوجه طيلة الوقت، لكني كعاشق للسينما والورق المطبوع، أعرف جيداً متى أقف أمام عمل ينجح في أن يدير رأسي. وفي رواية "نبي أرض الشمال" للدكتور أسامة عبد الرءوف الشاذلي، نحن أمام تجربة روائية يمكن ببساطة أن نطلق عليها "سينما ورقية خالصة".

تبدأ الحكاية بـ "مونتاج تبادلي" مذهل، يقطع بنا جيئة وذهاباً بين خطين زمنيين؛ الأول في مارسيليا المعاصرة مع الفيزيائي الشاب "عمر القداح"، والثاني قبل الميلاد بقرون في نفس البقعة الجغرافية مع الشاعر "قدموس" ومعلمه الرحالة العظيم "بيثياس". وكما علمنا أساتذة المونتاج، فإن وضع لقطتين متجاورتين يولد في ذهن المشاهد فكرة ثالثة لم تكن موجودة في أي منهما. هكذا فعل د. أسامة؛ جعلنا نلهث بين تعقيدات العلم الحديث وبين سحر المجهول في العالم القديم، لنكتشف في النهاية أن الإنسان هو الإنسان.. نفس الخوف، نفس الغرور، ونفس السعي المضني لاحتكار "الحقيقة".

لغة الرواية بديعة وسلسة كعادة الكاتب، تأخذك من يدك لتمشي في أزقة مارسيليا القديمة وتشعر بلسعة صقيع الشمال. لكن ما استوقفني حقاً هو تلك الوجبة الفلسفية الدسمة المبثوثة على ألسنة الأبطال. في بعض اللحظات، شعرت وكأنني أستمع إلى حوارات الفيلسوف السينمائي العبقري "محمود أبو زيد" في ثلاثيته الشهيرة (الكيف، العار، جري الوحوش). نعم، قد تبدو بعض الحوارات الفلسفية قريبة من الـ "كلاشيه" المألوف عن صراع العلم والدين، لكن دعني أخبرك أنها صُنعت ووُظفت ببراعة شديدة لتخدم الحدث الرئيسي، ولتصل بنا إلى تلك القناعة التي نطق بها أحد الأبطال: "إن المعرفة هي ذلك النور الأزلي الذي سبقنا إلى العالم.. فإن اقتبس أحدكم من ذلك النور شيئاً فلا يحبسه عنده".

يعرف المتابعون أن د. أسامة طرح نظريته الجريئة والصادمة في كتاب بحثي سابق وبودكاست شهير، يربط فيه بين الظواهر الكونية الجبارة (البراكين والتسونامي) وبين يأجوج ومأجوج (قاقتوق وإيمارتوق، النار والماء). قد يتهم البعض الكاتب بأنه يعتصر فكرته القديمة ليخرج منها بعمل روائي، لكن صدقني، التوظيف هنا كان مثالياً . بل إنني لو كنت أملك آلة للزمن، لتسللت إلى مطابع دار النشر وأجبرتهم على إصدار هذه الرواية قبل الكتاب البحثي! تخيل معي حجم الانبهار والمفاجأة لو أننا اكتشفنا هذه النظرية لأول مرة بين طيات هذا السرد الروائي المشوق؟

على أن الرواية – ككل عمل بشري – لا تخلو من بعض الملاحظات التي نهمس بها في أذن الكاتب بعشم. إيقاع الثلث الأول بطيء نوعاً، كأن الكاتب يمهد المسرح ويرتب الديكور طويلاً قبل أن يسمح للدراما بالانفجار. لكن ما يعوّض هذا البطء هو ذلك النحت العبقري لشخصيات العالم القديم. لقد خرجت شخصيات مثل قدموس وبيثياس حية تنبض بين الصفحات، وتعلقتُ شخصياً بالصراع بين أبناء فيثاغورس و تابعي بيثياس ، وتلك اللمحة الرومانسية العذبة مع "إيولا" الفاتنة التي قال عنها الكاتب ببراعة: "مهما وصفت، فلن أفلح في وصف فتاة لثمتها ربة الحب في ثغرها عند مولدها، فمنحتها كل تلك الرقة". قصص الحب في ذلك الزمن البعيد لم تكن مجرد حشو درامي، بل جاءت كمرآة صافية تعكس تخبطاتنا وعواطفنا في واقعنا الحالي، وكأن مشاعر الإنسان لا تشيخ أبداً. في المقابل، وبسبب هذا التألق الطاغي للخط التاريخي، بدا لي أن شخصيات الزمن المعاصر (عمر، أبريال، ومن حولهم) كُتبت على بشكل أكثر نمطية وجاءت باهتة قليلاً ولا تحمل نفس ذلك السحر فيما عدا شخصية عمر.

برغم هذا، ينجح الكاتب في أن يترك في حلقك غصة وتأملات لا تنتهي. لقد أرعبني بصدق حين وصف ذلك الصقيع في أقصى الشمال: "وشعر قدموس بالخوف، لأول مرة يدرك أن الأبيض يمكن أن يكون لوناً مخيفاً حين يبتلع كل ما حوله... النور أيضاً مخيف حين يستحيل إلى فراغ". صورة عبقرية عن اللحظة التي نبلغ فيها حدود المعرفة المطلقة فنتوه فيها! كما لم ينسَ الكاتب أن يلامس وتراً دافئاً وسط كل هذا الصخب، فيلخص تعلقنا بالأماكن والأشخاص قائلاً: "تعجبت كيف تنمو ألفتنا بالمكان في سرعة شجرة جهنمية بمجرد أن نجد من نحب! وأن مغادرته بعد ذلك تصبح مؤلمة كاقتلاعها من جذورها".

"نبي أرض الشمال" ليست مجرد رواية تُقرأ لتمضية الوقت، بل هي رحلة متخمة بالتأمل، مكتوبة بعين مخرج سينمائي يعرف متى يوسع الكادر ومتى يقترب من وجوه أبطاله. عمل جريء ومختلف أنصح به بشدة لكل قارئ يبحث عن أدب يجعلك تفكر كثيرا بعد قراءته

"من فمي خذ الحقيقة، قد تبلغون حد المعرفة، ولكن حد الإدراك أبعد!".

إذن، اصنع كوباً من الشاي، وضع هاتفك في وضع الصامت، وافتح هذه الرواية.. أعدك أنك لن تغلقها قبل الصفحة الأخيرة.

Facebook Twitter Link .
4 يوافقون
اضف تعليق