هذه الرواية ليست مجرد حكاية رجل وامرأة، بل مستنقع نفسي يغوص فيه القارئ حتى يختنق. الفكرة في ظاهرها عادية: طبيب في الأربعين يعيش علاقات متعددة مع نساء في أعمار مختلفة. لكن ما إن تقترب حتى ترى أن الأمر ليس تنوّع تجارب، بل تنوّع ضحايا… أو بالأحرى تنوّع مرايا يقف أمامها رجل لا يرى إلا نفسه.
هاشم — ولا أجد في نفسي قدرة على مناداته بالدكتور — نموذج متكامل للنرجسية المتوحشة. شخصية لا تحب إلا ذاتها، ولا ترى في الآخر إلا أداة لتغذية غرورها. يتعامل مع النساء كما يتعامل الجرّاح مع مشرطه؛ يقترب، يفتح الجرح، يراقب الألم، ثم ينسحب ببرود علمي. لا غضب، لا تأنيب، لا شفقة. قسوة باردة، محسوبة، متعالية. يتلذذ بالسيطرة، يستمتع بأن تبقى امرأة معلّقة به عشر سنوات كاملة، يعرف أنها تتآكل، يعرف أنها تُهين نفسها لأجله، ومع ذلك يواصل اللعب. يطردها ثم يستدعيها. يهينها ثم ينثر عليها بعض المال كأنه صدقة على روحٍ ذليلة. يعلن بوضوح أنه لن يتزوجها، يكررها عشرات المرات، ومع ذلك لا يقطع الخيط؛ لأنه يحتاجها معلّقة، تحتاجه أكثر مما يحتاجها. هذه ليست علاقة، هذه عملية استعباد نفسي.
هو لا يبحث عن حب، بل عن إثبات دائم لسلطته الذكورية. يخاف الشيخوخة فيتعلق بأعمار أصغر، يخاف الفراغ فيملؤه بأجساد وقلوب. كل علاقة عنده ليست مشاركة، بل امتحان: هل ما زلت قادراً على الجذب؟ هل ما زلت محور الكون؟ هذا ليس رجلاً عاشقاً، بل طفلاً متضخم الأنا، يرتدي معطف طبيب.
وفي المقابل… أمينة. شخصية مرهقة إلى حد الغضب. لم أرَ في حياتي نموذجًا أوضح لمازوخية عاطفية بهذا الشكل الفج. ليست شهوانية كما قد يظن البعض، فهي نفسها تعترف بتصنّعها للنشوة. إذًا المسألة ليست رغبة جسدية، بل حاجة مرضية للإهانة. كأنها لا تشعر بوجودها إلا حين تُداس. عشر سنوات من الضرب اللفظي والجسدي، من الطرد والإذلال، من الوعود المكسورة والبرود القاتل، ومع ذلك تبقى. تخون خطيبها، تخون زوجها، تخون كل من يدخل حياتها… لكن الخيانة عندها ليست تمردًا، بل وسيلة لاستفزاز هاشم. تريد أن تغار عليه، أن يحترق، أن يشعر بفقدها. تخبره أنها باتت في أحضان فلان، وهذه هدية من علّان، وهو يبتسم ببرود. فيتحول استفزازها إلى صفعة ترتد على وجهها هي. تبكي، تزداد تهورًا، تغوص أكثر في الطين، ثم تعود إليه.
هي ليست ضحية بريئة. كانت تستطيع أن ترحل. كانت تعرف الحقيقة منذ البداية. هو لم يخدعها بوعد زواج ثم نكص، بل أعلنها صراحة: لن أتزوجك. ومع ذلك أصرت أن تبني حياتها كلها على وهم. هنا تتحول المأساة إلى اختيار. الإهانة تصبح إدمانًا، والتعلق يتحول إلى سجن اختارته بيديها. ما حدث لها مؤلم، نعم، لكنه نتيجة مسار طويل من العناد العاطفي وإنكار الكرامة.
ثم يأتي محمد… صورة أخرى من السذاجة العاطفية. شاب عشريني يرى كل شيء بوضوح، يعرف تاريخها، يعرف خياناتها، يعرف أنها لا تزال أسيرة رجل آخر، ومع ذلك يركض خلفها. يدفع المال، يحلم بالزواج، يبكي، يتوسل. أي فراغ داخلي يدفع إنسانًا إلى هذا الحد من التنازل؟ كأن الرواية تقول إن النرجسية لا تعيش وحدها؛ تحتاج إلى من يقدّسها، كما تحتاج المازوخية إلى من يسحقها.
الرواية ثقيلة، خانقة، تثير الاشمئزاز لأنها صادقة. لا أحد هنا بطل، ولا أحد ضحية كاملة. الجميع شركاء في الخراب. النرجسية تجد أرضًا خصبة في نفس تبحث عن التعذيب، والضعف يجد سيّدًا يعتاش عليه. دائرة مغلقة من الاحتياج المرضي، حيث كل طرف يغذي أسوأ ما في الآخر.
شعرت بالغضب وأنا أقرأ. شعرت بالقرف من هذه الشخصيات، ليس لأنها خيالية، بل لأنها واقعية أكثر مما نحب أن نعترف. كم من “هاشم” يعيش بيننا، وكم من “أمينة” تظن أن الألم حب، وكم من “محمد” يظن أن الإصرار بطولة؟
الرواية مرهقة نفسيًا، لكنها حقيقية. ولهذا تستحق التقييم الكامل على واقعية الأحداث، لا لأنها جميلة، بل لأنها تجرؤ أن تكشف القبح دون رتوش. إنها تضع إصبعها على جرح حساس في المجتمع: حين يتحول الحب إلى ساحة صراع بين نرجسية متعطشة للهيمنة، ونفوس لا تعرف قيمتها إلا حين تُهان.

