تغريبة الدودوك رواية تاريخية اجتماعية
بدأت مهرة الورداني بطلة العمل في كتابة مذكراتها عملًا بنصيحة الطبيب، بعدما بدأت ذاكرتها تتآكل بفعل مرض الزهايمر. لم تكن تلك المذكرات مجرد محاولة لتدوين قصة حياتها أو معاناتها الشخصية، بل كانت شهادة إنسانية كاملة، سطّرت فيها آلامها وآلام أسرتها ذات الأصول الأرمنية، وهدفت قبل كل شيء إلى أن تصل هذه الصفحات إلى شخص بعينه، أرادت أن يعرف عنها كل شيء.
من خلال هذه المذكرات، رصدت ما مرّ به المجتمع المصري على مدار مائة عام، بدءًا من مذابح الأرمن، وكيف استقبلتهم مصر، مرورًا بالحرب العالمية الثانية، والنكسة، وحرب الاستنزاف، وصولًا إلى ثورة يناير.
تغريبة الدودوك ليست مجرد رواية تاريخية، بل عمل إنساني بالغ القسوة والصدق؛ رواية عن الحرب والألم، عن الغربة داخل الوطن وخارجه، عن السلطة وتحكماتها، وعن فقدان الهوية الدينية والإنسانية معًا.
خلال صفحات كثيرة من الرواية، دمعت عيناي رغمًا عني. فالأحداث التي تناولتها الكاتبة — من مذابح الأرمن، إلى أهوال الحرب العالمية الثانية، ثم النكسة وحروب الاستنزاف — تجعل العين تبكي دمًا لا دمعًا. ورغم أننا لم نعاصر تلك الفترات، فإن قسوتها بدت مألوفة ومؤلمة، لأننا رأيناها رأي العين عبر شاشات الهواتف والتلفاز، في مشاهد المذابح التي نشهدها اليوم مع أشقائنا الفلسطينيين.
إعادة قراءة الرواية كفيلة بأن ترسم هذه الأحداث من جديد أمام القارئ، بكل ما تحمله من وجع وذاكرة مثقلة بالخسارات.
أكثر ما أثار انتباهي وأعجبني في العمل هو النصف الثاني من الرواية؛ شعرت أن الكاتبة كتبته بدموعها. يتجلى ذلك بوضوح في اختيار الكلمات، ودقتها، وفي الوصف المتناهي الصادق لأحداث فترة النكسة وحرب الاستنزاف .
ومن خلال قراءة الرواية، يدرك القارئ تمامًا مقدار الجهد الكبير الذي بذلته الكاتبة في البحث والتدقيق، سواء فيما يخص الأحداث التاريخية أو تفاصيل حياة كل فئة إنسانية تناولتها داخل العمل.
هذه هي تجربتي الأولى مع الكاتبة علا عبد المنعم، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة.

