في «جنون مصري قديم» يفتح طلال فيصل نافذة على التاريخ لا لتأمل ما مضى فقط. بل ليرينا انعكاسه الواضح على حاضر لم نغادره بعد. تنطلق الرواية من إطار سردي يبدو مألوفًا: أستاذ تاريخ يستعد للتقاعد يعثر بالمصادفة على كنز معرفي مخبوء—مخطوط مملوكي مجهول الكاتب. وُجد في عصر كان يعجّ بثلاثة من أعظم مؤرخي الحقبة.
يبدأ الأستاذ في قراءة المخطوط ومراجعته وتدقيقه. فنصاحبه في رحلة إلى زمن مضطرب. زمن نظن أنه دفن مع أصحابه بينما يشير لنا الكاتب—من بعيد جدًا—أننا ما زلنا نعيش إحدى نُسَخه المعاصرة.
❞ وإذا كان بدر العيني قد آمن بأن التاريخ تحركه الظروف الطبيعية والإرادة الإلهية ليتجه نحو هلاكه الحتمي. وإذا كان المقريزي يؤمن بحركة المال والصراع الاقتصادي في تحريك التاريخ للأمام. فإن ابن تغري بردي—وهذا منطقي من شخص ولد وفي فمه حرفيًا ملعقة من ذهب—كان يرى أن التاريخ لا يصنعه إلا الملوك والأمراء وأصحاب المواهب والأفذاذ وأهل السلطة… أو بتعبيره هو: النجوم الزاهرة. ❝
من خلال هذا المدخل. يكشف لنا طلال فيصل اختلاف تصوّرات المؤرخين الكبار حول معنى التاريخ نفسه. ويستخدمها كعدسات نطلّ بها على حاضر مرتبك بالقدر نفسه.
وفي مقطع آخر شديد الدلالة. يربط الكاتب بين مشاهد الماضي وحكايات اليوم. من خلال تعليق يبدو عابرًا لكنه لاذع ومعبر:
❞ أتذكر ما سمعته من نية هدم المقابر التي تضم ابن خلدون والمقريزي. ولم أفهم سر التعليقات الغاضبة. فليهدموا أو ليبنوا. هل ثمة فارق؟ أظن المقريزي نفسه ما كان ليهتم لو سمع بالخبر. وكان سيدونه في أوراقه بدأب وهدوء كما فعل لسنوات. ❝
هذا المزج بين الماضي والحاضر هو ما يمنح الرواية قوتها: فالمخطوط ليس مجرد مادة أثرية. بل مرآة تكشف سخافات وتناقضات لا تزال تتكرر.
ورغم أن إطار «القصة داخل القصة» استُخدم كثيرًا في السرد التاريخي. فإن ما يميّز طلال فيصل هنا هو القدرة على إحكام النسج بين الحكايتين. كل فصل مُخصّص لشخصية رئيسية. دون أن يشعر القارئ بأنه يقرأ تقريرًا أكاديميًا أو مادة بحثية جافة. الكاتب لا يتردد في الاستعانة بخياله لرتق الثقوب في التاريخ غير المكتوب. فيخلق رواية متماسكة ومشيّدة بعناية. تُشبع القارئ معرفيًا دون أن تُثقل عليه.
«جنون مصري قديم» رواية تُقرأ بشغف. خاصة لكل مهتم بالتاريخ وكيفية إعادة تخيّله.
هي ليست فقط رحلة إلى العصر المملوكي. بل إلى طريقة تفكيرنا نحن… وما نختار أن نراه أو نتجاهله في تاريخ هو أبعد ما يكون عن الانتهاء.

