لنبدأ من العنوان ونسأل: هل لعنوان الرواية بنية دلالية؟ يُقال: "المكتوب مبيّن من عنوانه"، وهو مثل دارج في بلاد الشام. لماذا "وجهاً لوجهٍ في مونتريال"؟ أمضى بطل روايتنا أكثر من أربعين عاماً وهو يحمل الجنسية الكندية، وعاش في مونتريال عقدين من الزمن، وتعرّف هناك، وجهاً لوجهٍ، وفي مصادفة عجيبة، إلى مستر فرنكوف، الرجل الروسي الذي عاش معظم حياته في مونتريال ولم يغادرها. لم يكن مستر فرنكوف كسولاً، ولم يكن ضعيفاً. كان رجلاً يمتلك عقلاً سليماً وفكراً مستقيماً، ولو حالفه الحظ لأصبح رئيس جمهورية متقدمة في صفوف الدول، فقد كان يعي تماماً ما في نفوس البشر من خير وشر.
كان مستر فرنكوف في الثمانين من عمره، ولديه قضية يهتم بها، هي العودة إلى دياره في القوقاز، في جمهوريات الاتحاد السوفييتي الاشتراكية، لكنه لم يستطع فعل ذلك. كان لديه الوقت والأدوات، ولم يسأم الحياة، بل كان عازفاً ماهراً على الأرغن في إحدى كنائس مونتريال. ولم تكن ثمة روح أكثر صراحة ورهافة من روحه، ولا موهبة أكثر نفاذاً من موهبته، شحذها شحذاً حاداً بالثقافة الموسيقية الروسية والعالمية. غاص في التراث الموسيقي العظيم لمختلف شعوب الأرض، فاستلهم روح ذلك التراث الموسيقي العالمي، وتسلّح بمعرفة أعلامه وشواهقه. ويمكننا هنا أن نعيد قول سيرغي رخمانينوف بثقة مطلقة: "الموسيقى تكفي لحياة بكاملها، لكن حياة بكاملها لا تكفي للموسيقى". وكان مستر فرنكوف، على تقدّم سنه، يتبنّى في الحياة أحدث الآراء وأكثرها معاصرة، رافضاً كل أشكال الزيف، ومنحازاً إلى الجديد إلى أقصاه. وفي كل مرة كان يعيد تأكيدإنسانيته بطرق شتى، حتى الكلمات البسيطة الصادقة على شاهدة ضريحه في مونتريال تؤكد ذلك.
حين يواجه شخص ما مهمة تحمل ثقلاً عاطفياً كبيراً ــ وهذا ما حصل معي من خلال كتابة هذه الرواية ــ يتردد خوفاً من الفشل، وخوفاً من النقص. وكحال أي كاتب، محترفاً كان أم هاوياً، واجهت الصعوبات وحاولت تجاوزها. هل نجحت؟ ربما. كنت أعرف هذا كله من الناحية الفكرية. ما لم أكن أعرفه هو كيف أقدّم لكم روايتي. لست بطبعي رجلاً يتحدث بسهولة عن الأمور الصعبة. وتعلّمت من خلال كتابة هذه الرواية ألّا أتردد. إنها لحظة تشبه الوقوف خارج غرفة تعرف أنك بحاجة إلى الدخول إليها. الباب هناك تماماً. يدك على المقبض، فماذا ينقصك حتى تدخل؟ لا شيء. ادخل. أكتب هذا لأنني أعلم أن هناك أناساً يقرؤون ما وصفتُه ويتعرّفون إليه. ربما تتعرّف إليه في شخص تحبه. وربما -وهذا هو الأصعب- تتعرّف إليه في نفسك.
