في بيتنا لا نكتب المذكرات ...مرآة لواقع مجتمع بأكمله
لطالما قالوا أن كل الجروح تشفى إلا ..جرح العائلة، وأن المجروح من عائلته لا يبرأ من علل يخلفها هذا الجرح طوال العمر، وتأتي هذه الرواية لتؤكد تماما هذا الأمر.
كيف يمكن للأبوين أن يصنعا عللا لا تبرأ في فلذات أكبادهم دون قصد بل عن حب جم!
كيف يمكن أن يكون حب الآباء مؤذيًا أحيانًا؟!
كيف لا يبرأ جرح العائلة حتى إن نجا المجروح؟
من عليه دفع ثمن ما يدور بين الأب والأم؟ من عليه تحمل العبء؟
هذا تحديدًا أبرز ما تناقشه الكاتبة من خلال شخصيات هذا العمل بين من ينبري في سبيل الآخرين ومن يروغ منهم في محاولة بائسة للفرار ومن يرى نفسه وسعادته فقط ومن يستعذب دور الضحية ويجبن عن المكاشفة ويجلد بسياط الذنب من لا ذنب لهم.
أسرة صغيرة ينعكس فيها واقع مجتمع بأكمله، اجتماعيا ودينيا وسياسيا. شخصيات حقيقية للدرجة التي تجعلك تجزم أنك تعرفهم، فإما صادفت نموذجا يشبههم في أرض الواقع من الغرباء وإما في دائرة المعارف والأقارب وربما... أنت شخصيا تجد نفسك واحدًا من شخصيات هذه الرواية! وربما كنت أحد شخصياتها في فترة ما من حياتك!
ماذا لو بنى الإنسان فقاعة حوله كدفاع لا إرادي ضد ما يؤذيه؟ كحق مشروع في الهروب من القيود؟ في هذا العمل نجد الهروب سمة مشتركه فكل يهرب باختلاف الطريقة.
هرب الأب من جمود سهير إلى حب قديم وهربت سهير من هزيمتها بعدم المواجهة والمرور من فوقها كأن لم تكن وهربت نانا تحت عباءة رجال الدين بينما راغت مروة بينهم كما تروغ الثعالب حتى لاذت بالفرار بالزواج! وهل يكون الزواج حلًا لكسر قيد الأهل؟! ربما في حالة مروة ..نعم
ولكن في عموم الأمر قد يكون الهروب الاضطراري من جحيم الأهل هروبا إلى جحيم أكثر سعيرا لدى الزوج.
من الأناني في هذه الأحجية؟!
هل تفكير الأب في سعادة فقدها أنانية؟
هل سكوت الأم وتحميل ابنتها أعباء العلاقة التي تفوق عمرها ..أنانية؟
هل الفرار إلى أول عريس يتقدم رغبة في الخلاص ..أنانية؟!
قد يكون في كل منهم جانبا من الأنانية لكن تبقى نانا وحدها وجه من أوجه "نفيسة" في بداية ونهاية، التي تبدّي الجميع على نفسها.
عندما هربت نانا هربت أولا من اسمها الذي يوجع أمها فأصبحت (نانا) ثم هربت من زواج الأب إلى مسؤولية الأم والأخت الصغرى دون التفكير في نفسها، هربت تحت عباءة الشيوخ لتتقبل واقعها..فزواج الأب حلال إذن ليقهرها بتجهيزه وصبغ شعره كعريس وبر الأم واجب إذن لتتحمل هي تبعات قرار أبيها وعلاقته المتوترة بأمها ... وخفض جناح الذل من تمام البر فعليها تحمل قسوة الأب فقط لأنها واجهته بالحقيقة ذات يوم...والعطف على الصغير واجب فلا يجب أن تحزن أختها مهما تطلب الأمر حتى لو كانت هي نفسها العلة التي يطارد ظلها مروة دائما.
مروة التي بدأ ظلمها من وجهة نظرها منذ أن ولدت لا تشبه نانا! وضعت منذ الطفولة في مقارنات غير عادلة أفقدتها الثقة فيما لديها وخلقت من أختها كابوسا يؤرقها فبداية من أسماء التحبب التي لم يكن لها منها نصيب كما لأختها إلى الشكل والجسد والعلاقة المتصلة مع الأم والأب المنقطعة معها إلا كبديل لنانا وقت الغضب.
قد نفهم نحن أن اسم التحبيب كان هروبا من الاسم الحقيقي للحفاظ على شعور الأم ، ونفهم أن قرب الأب وتفضيله لأنه كان يرى في ابنته الحب القديم شكلا واسما ويبدو أنه لم ينسه أبدا... لكن قلب الطفلة وعقلها في مروة آنذاك لم يفهموا الأمر على هذا النحو.
ولا يفترض بطفل أن يفهم من تفضيل الأبوين لأخيه إلا أمرا واحدا ..أن أخاه أفضل منه وأن أبواب الحب والعطف قد أغلقت دونه.
تسير الفصول سجالا بين الأخت وأختها، ففصل يروى على لسان نانا وفصل يرويه راو عليم بالاشتراك مع مروة أحيانا وكأن السرد نفسه جاء مناسبا لشخصية كل منهما فنانا الفصيحة التي تحب التنظير من وجهة نظر أختها وتتقي الغيبة أحق بسرد حكايتها بنفسها بينما مروة التي كانت دائما تابعا فتجاهد لتجد شجاعة الحكي عن نفسها بنفسها فتنجح تارة ويحل محلها الراوي العليم تارة أخرى.
وفي اللغة نفسها فرق بين شخصيتيهما،فلغة مروة تميل للبساطة والتراكيب السهلة بينما لغة نانا تميل للفصاحة والرصانة وإن كانت اللغة في مجملها رائقة .
ما الذي أخرج نانا من فقاعتها؟هل السياسة التي عرت المجتمع أمامها وكشفت الوجوه؟ أم انسلاخ من كانت تتبعهم كرموز للدين من الدين وفروضه وما لاكته ألسنتهم ولقنتها إياه سنوات وسنوات؟
لماذا تفسخت نانا وانحلت من كل ما نسجته واحدا
واحدا؟ هل لأن الأرض التي حسبتها ثابتة تحت قدميها قد تزلزلت عندما اكتشفت زيف الوجوه وعبء أن تعيّر بدينها وأن يستغل هذا الدين ضدها؟
هل كانت مشكلتها فعلا... ظنها أنها مطرودة من كنف
الله؟! لتصل إلى انتظار الموت واعتقاد أنها يجب ألا تنجب لئلا تكرر جرم ولادتها وتسميتها وتنشئتها!
تنشئتها التي كانت سببا رئيسا في شعورها المستمر بالذنب وجلدها لذاتها حتى وصل الأمر إلى تحميل نفسها كل ما تسمع وترى ثم تضخيمه في عقلها ليحاصرها في الحقيقة والحلم.
الإجابة لا ..ببساطة!
فهي لم تسع طوال سنين تبعيتها لرجال الدين في معرفة الله حق المعرفة! لا نستطيع أن نقول أنها تبعت الدين بل هي تبعت رموز الدين ، وعندما ذهبت الرموز وانقلبت انفقأت الفقاعة تصدمها بواقع يجعل كل شيء محل شك بالنسبة لها.
ثم تطرح علينا الكاتبة سؤالا تناقشه على مدار العمل ...
متى نحب؟ عند أي نقطة على خريطة وعينا نقول هنا: بدأنا؟
كيف السبيل للاختيار السليم إن كانت المخاوف تملؤنا وماضينا يهددنا بتكرار مأساة نشأنا فيها؟
أجابت مروة السؤال من خلال شخصية تامر وعلاقتهم التي توطدت بالتدريج رغم مخاوف لا تبوح بها لكنه يفهمها
وأجابت نانا السؤال في النهاية عندما تحررت من شوك أبيها وفاكهة أمها المسمومة وحتى من صداقة باتت عبئا على روحها ومن مجتمع يعد عليها الخطّاب ومن رجال كوائل لا يرون فيها إلا سلعة مناسبة لما سيدفعونه .. عندما فكرت أخيرا في نفسها اقتربت من من رفضته في بادئ الأمر ثم أحبته في نهايته عندما خاضت رحلتها الخاصة وكان هذا في حد ذاته إثباتا على تغيرها ...من إرضاء الناس لإرضاء نفسها ..من ضغط أمها وسخرية أبيها إلى راحتها وراحة قلبها...من المجتمع وما سيقوله الناس إلى من تحبه وتجد في كنفه عوضها.. من شرح نفسها طوال الوقت إلى رجل خبر نفس التيه والضياع ففهمها دون عناء.
كان للشخصيات الثانوية في هذا العمل دورا لا يمكن إغفاله وقد كتبت بطريقة توصلها بجميع جوانبها إلى قلبك وعقلك مباشرة ...فبهيرة مثلا الحماة التي ربما تتمناها كثيرات من القراء، ووفاء بعاداتها وعادات قريتها الغريبة التي ربما كانت أوفى من صديقة العمر، وصديقة العمر ميمي أو قل نرمين التي ربما صادفها كل منا في عمره مرة على الأقل، ونيرفانا التي لم تعبأ بهم جميعا وعاشت كما أرادت، حتى وائل والحاج أبي وائل الذين يمثلان نصف من يتقدمون لخطبة الفتيات في مجتمعنا الآن تقريبا. نجحت الكاتبة في نقل مشاعر وتحولات كل شخصية لدرجة تجعلك تعيش مأساتهم وتفكر وتفند الأسباب و الحلول، ثم لاتبرح حتى تنهي العمل، ونجحت في طرح ومناقشة قضايا مجتمعية كبرى من خلال أسرة صغيرة. فنحن هنا لسنا أمام عمل تنتظرمنه بلوت تويست فظيعة تفاجئك بل أمام عمل منذ بدايته تعلم جيدا أنه يصوغ الحياة في عدة أفكار وشخصيات، عمل يحكي أحوال البلاد والعباد مجرد حكي قد يراه البعض مملا لكن أسلوب الكاتبة يجذبك لتطوي الصفحات، تنتظر نهايته بشغف فقط لتعرف هل ستكون نهاية عادلة؟ عند أي حد تتوقف حكاية كل شخصية ؟ وردود أفعال الشخصيات مع مختلف القضايا المطروحة، الأسرة، الوطن، الغربة، العمل، الأخوة، الصداقة، الحب، الدين والتدين... كلها قضايا طرحت في هذا العمل ونوقش كل منها من جانب ما بحلول مختلفة باختلاف الشخصيات ولعل حلا من ضمن الحلول التي طرحت فيها كان متمثلا في محاولة التعافي والنجاة بالكتابة، وهي فكرة مميزة لتلفت الكاتبة النظر إليها في عملها.
بينما المعلومات المذكورة في الهوامش وفي العمل ككل سواء طبية أو تختص بالصيدلة أو الفلك أو حتى معلومة عامة ... كانت في حد ذاتها محركا للبحث والمعرفة ولكم أحب العمل الذي يجعلني أبحث.
ربما أعيب على العمل فقط تحريره، التحرير ويشمل التدقيق اللغوي يحتاج اهتماما أكثر على ما أظن، لكنها في المجمل كانت تجربة رائعة مع قلم الكاتبة نهى شوقي التي نقلت إلينا باحترافية شديدة مذكرات أختين من بيت لاتكتب فيه المذكرات.
#مسابقة_ريفيوهات_في_بيتنا_لا_نكتب_المذكرات












