بَعْدَمَا تناولَ الزَّوْجانِ الغَداءَ، وحَمِدا اللهَ تعالى؛ تَمَددَّ حَسَنٌ على البِسَاطِ وهو يستعيد أحداثَ اليومِ العجيبة، وغَمْغَمَ لِنَفْسِهِ بِتِلقائِيَّةٍ: «كَمْ أتمنى كُوبَ شايٍ ساخِنٍ!». وفي لحظةٍ، ظَهرَ بِجِوارِهِ كُوبُ شايٍ ساخِنٍ! فنظرَ الزَّوجانِ لِبَعْضِهِما في ذُهولٍ! لقَدَ ضَيَّعَ حسنٌ - دونَ قَصْدٍ - الأُمْنِيَةَ الأُولى!
وقَبلَ أنْ يَقولَ حسنٌ شَيئًا، اندَفَعتْ زَوجتُه كَالسَّيْلِ الهادِرِ تَسْلُقُهُ بِلِسانٍ حَادٍّ! فغَضِبَ حسنٌ، وصاحَ في غَيْظٍ دُونَ تَفكيرٍ ثانِيَةً: «أتَمنَّى أنْ يَنْسَدَّ فَمُكِ السَّلِيطُ بِحَجَرٍ!». وبالفِعْلِ تَحقَّقَتْ أمْنِيَتُهُ! جَلسَ حسنٌ مَشْدُوهًا يُحَدِّقُ في زَوْجَتِهِ التي سَدَّ الحَجَرُ فَمَها، وصارَتْ تبكي مِنَ الوَجَعِ، فَرَقَّ لحالِها، وقالَ لها: «لَمْ تَتَبَقَّ إلا أُمْنِيَةٌ أَخِيرةٌ، فَسَأَسْتَعْمِل
ُها لِتَخْلِيصِكِ، على أنْ تَقْنَعِي بما نَحنُ فيهِ، ولا تَعُودِي لإِطلاقِ لِسَانِكِ عَليَّ». فَأوْمَأَتْ أمينةُ بِرَأسِهَا مُوافِقَةً، وتَمنّى حسنٌ أُمنِيتَهُ الثالِثَةَ، والأَخِيرةَ! سادَ البيتَ هُدوءٌ قَصيرٌ بَعْدَ تِلْكَ المُفاجآتِ المُتتالِيَةِ، ثُمَّ نَهَضَتْ أَمِينَةُ في أَدَبٍ لِشُؤونِ الدّارِ، ورَجَعَ حسنٌ يَرْشُفُ مِنْ كُوبِ الشّاي في تَلَذُّذٍ!
ومُنْذُ ذَلِكَ اليومِ؛ تَعلَّمتْ أَمينَةُ أنْ تَحْمَدَ اللهَ على رِزْقِهِ، وتَشْكُرَ لِزَوْجِهَا جُهْدَهُ، واستمَرَّ حسنٌ في اجتِهادِهِ لِتَوسِعَةِ الدّارِ وإسْعادِ زوجَتِهِ، ومَعَ أنُّهُ لم يَلْتَقِ ثانِيَةً بِسَمَكَةِ الأُمْنِياتِ الثّلاثِ؛ إلّا أنّهُ ظَفِرَ بِفَضْلِ اللهِ بخَيرٍ ممّا كان لِيَتَمنّى!
المؤلفون > هدى عبدالرحمن النمر
هدى عبدالرحمن النمر
معدل التقييمات
30 مراجعة