▪️رواية أخرى أضيفها على مجموعة روايات الصحراء التي قرأتها و أحبها ... و التي أعدها ( الصحراء) مدرسة كبيرة في هذه الحياة ... و لكن الدرس هذه المرة قاس جدا ...
رواية أخرى من روايات الدستوبيا ..
و رواية أخرى من روايات الرعب من أشياء غير مرعبة الأصل ....
رواية مليئة بالتفاصيل و الفلسفة التي لن توفيها المراجعة ...
▪️يسكن الزمان و المكان و يتحرك الاشخاص و ..... البهائم ..
هناك في المثلث الواقع على الحدود مع السودان و المطل على البحر الاحمر ... مثلث تتعدد فيه التركيبة السكانية ... قبائل تعيش على الصيد أو الرعي ... موظفون منتدبون من الدولة الى المناطق النائية ... مهرِبون ... هاربون متسللون عبر الحدود ... و وافدون مؤقتون ( ككتاب في معتكف أدبي مثلا )
تحكي الرواية عن مجموعات بشرية متفرقة تواجه خطرا غامضا من حيوانات مستأنسة تحولت الى مفترسات و شرعت في عض أو ( نهش) هؤلاء البشر ....
▪️الرواة ثلاثة ... و رابع ...
- ياسر .. مهندس منفي الى تلك البقعة البائسة ... ساخر ساخط على الحال المتردي هناك و على المستقبل المظلم ...
- صوفية ... كاتبة مغمورة تعيش بعقدة الذنب عن خطيئة دفعت ثمنها وحدها ... و تقيم مع كتّاب غيرها في معتكف أدبي مريب ...
- ميكيل ... سوداني غامض نكتشف حكاياته اثناء المضي في احداث الرواية
- أما الرابع ... فستكشفه الأحداث ...
▪️الرواية تحمل أبعادا أعمق بكثير من مجرد قصة رعب ... و تناقش إسقاطات كثيرة على أرض الواقع من خلال حياة الشخصيات و دواخل نفوسهم ... فداخل النفوس وحوش كامنة تنتظر ( نهشا ) ما كي تظهر على السطح .. فتتحول تلك النفوس من ضحايا منهوشين إلى نهّاشين .... تقول الكاتبة على لسان أحد الأبطال أن ❞التحضر ما هو إلا هدنة من البدائية سرعان ما ستنتهي و نرتد إلى الحروب بالرماح و التراشق بالحجارة ❝...
- أحيي اختيار الكاتبة لهذا اللفظ بالذات و جعله عنوانا لروايتها .. فهو لفظ شامل جامع له ظلال تمتد الى أبعد من معنى ( عضة حيوان ) ...
تشبه كلمة ( النهش ) كثيرا كلمة ( النهب ) التي استخدمتها الكاتبة كثيرا أيضاً... كلاهما اختطاف للحق في غياب العدالة ... واحد بالأسنان و الثاني بالأيدي ...
و ربما تتشابه مع الاثنين كلمة ( الهبش ) أو ( الهبر ) بالعامية .... ربما يوحي حرف الهاء بالالتهام بعنف و بشهوة ...
❝ إن النهش هو لحظة يتوقَّف فيها الإنسان عن انتظار العَدْل، ويبدأ في اقتسام العالم بأسنانه. ❞
ترى الرواية أن النهش فعل يومي من فرط ما نراه لم نعد نراه .. الإبادات الجماعية لشعوب بأكملها على مر التاريخ المخجل للإنسان نهش جماعي لا يخفى على أحد .. قصف المدن في عصرنا البائس نهش ... الفقر نهش .. المرض نهش ... الجهل نهش ...
صراع على ميراث بين عائلتين نهش .. خوض في الأعراض نهش .. إصدار الأحكام المسبقة و قولبة الناس أيضا نهش ..
الاستحقاقية الرهيبة التي يعيشها الناس في مجتمعنا من أكل الحقوق و استحلال ما ليس لهم نهش يومي عادي وسطي جميل ... للنهش صور كثيرة يمارسها ناس يبدون متحضرين و مسالمين ... فلماذا إذاً نرتعب من حيوانات نعرف أنها مسالمة لمجرد خروجها عن النص .... إنه الاعتياد .. و القولبة ...
- النهش كلمة لازمت الإنسان منذ بدأ الخليقة .... مهما وصل من الحضارة .... و من الشرائع المنظمة لحياته .... لابد دوما أن يخرج هو أيضا عن النص ....
هل من سبب لهذا الخروج ؟ تجيب الرواية أن الفقر و الجهل و التهميش و غياب العدالة و مراكز القوى في المجتمع كلها أسباب للخروج عن النص. .. لانحراف الفطرة ... لسيادة الفوضى و العبث .... و النهش ...
ثم تطرح الرواية سؤالا آخر ... هل كانت ذنوب البشر سببا في غضب الطبيعة و ثورتها ؟ أم أن هذه سنة الحياة تسير بغض النظر عن وجودنا أصلاً ؟ هل كل ناهش ينهش و لو بعد حين ؟؟ ... أجاب الأبطال قولاً و فعلاً ...
- لم يسلم أحد من أبطال الرواية من الذنوب .. حتى أكثرهم براءة ... حتى الأطفال ... حتى آكلات العشب المسالمة صديقة الإنسان ... حتى النوارس البيضاء التي ربما تمثل أرواح بحارة غرقوا و هم يحلمون بالبر البعيد ... هل هناك أطيب من كل هؤلاء ؟ .. لكنه الصراع على البقاء ... يفقد البريء براءته لكي يبقى .... و يستحيل الطيب مسخاً مفترساً .... في ظل معضلة مستجدة يكون البقاء للأقوى .... الطعام للأقوى.. الوقود للأقوى .. السلاح للأقوى .. ... حتى المال سيد العالم .. يفقد بريقه و ينسحب من المشهد .... و يكون النهش هو الحل ...
اذا غاب العدل ... و عجز القانون عن ضمان حق الانسان سد الوهم هذا الفراغ ... و سادت الخرافات التي يرتاح العقل لها دون جهد ضائع في التفكير ... يعمل الجهل و الفقر عمل الحشيش في الأدمغة .. فيسهل تغيير الوعي الجمعي و تغييب العقول و القيادة بسياسة القطيع .... و لا شيء أسهل من قيادة قطيع جاهل جائع ... يذكرني وعد حمّاد الشبلي و ما خلف سوره بقصة حسن الصباح و قلعة الحشاشين...
هل المثقف و المتعلم دجال آخر يثرثر بكلام لا يتحقق عن العدالة ؟ ... يملأ الدنيا ضجيجا عن الانسانية بينما في داخله وحش ينتظر الفرصة فقط لينهش ؟ ... هل ما يهمه هو حب الظهور و جمع المعجبين ؟ هل نسي دوره الأعظم في كف أذى الجهل عن المجتمع ؟ .... يتضح لنا في الرواية الفارق بين الدور المؤذي لسليمان ... و بين الأدوار الإيجابية لنوارة و لياسر و الأزهري و طه .. و بين صوفية التي انقادت للقطيع ووقفت على الأعراف ...
صوفية ... الشخصية الأكثر وضوحا في الرواية ... تحمل عار الجسد .. و الخوف من الفضيحة .. حرصت الكاتبة على إظهار خوفها الدائم من انتقاد الآخرين ... و من فض سترها ... و حرصها على ستر الآخرين و اعتبار الوباء عقوبة على خطايا البشر ... أكلها لأصابعها كندم و تكفير عن ذنب هي متأكدة من براءتها منه ... صوفية نهشها المجتمع فنهشت نفسها ... صوفية كلما قاومت عوقبت فعاقبت نفسها ...
ياسر ببدانته و تواجده في بيئة غير مناسبة لعمله يمثل عجز الشاب المتعلم عن خدمة بلده في ظل البيروقراطية و المصالح و خنق الموهبة ....
يواجه عبثية حياته بسخرية مريرة و محاولات غير مسموعة للإصلاح ... يواجهه الجهل و ( هذا ما ألفينا عليه آباءنا ) و ( خليها على الله ) و ( مافيش فايدة ) ... ياسر دفع فاتورة تمرده على الكبار ..
❝ إن ما يجري عكس التيار، لا بد للتيار من تدميره. هذا ما تعلَّمته من البحر… ❞
و إن البهيمة التي تجري عكس اتجاه القطيع لابد لها أن تهرس تحت الأقدام ....
▪️بقية الشخصيات أدورها فاعلة و هامة جدا لبناء الرواية ...
- نوّارة ... و نوّار ... شخصيتين ثائرتين يُحَكِمان العقل .. كنور في عتمة الجهل و العبث المخيم على الأحداث ..
- رفعت و سليمان .. شخصيات قذرة .. عضة واحدة كانت كافية لتسقط عنهما أقنعة التحضر ...
- سارة و رامي ... الشخصيات الأكثر عادية ... يصيبون و يخطئون ...
- أعجبني الأدوار الايجابية لشيخ الجامع و موظف الوحدة المحلية و المدرس طه ...
- أعجبني مشهد المدرس حين أخذ الأطفال معه لينقذهم من أن يصبحو نهاشين ... في رمزية واضحة للعلم منقذا للمستقبل ...
- أعجبني شهامة ميكيل على الرغم من تاريخه ...
-اعجبني حواوشي بكل تفاصيله 😊
▪️جاء السرد سلسا .. متدرجا في فك الغموض ... اللغة بسيطة بلا تعقيد .. بصيغة المضارع و ليس الماضي مما يعطي انطباعا بآنية الأحداث أمام عيني القارئ ..
لكن الحوار جاء مشتتا لذهني قليلا في بعض المواضع ...
▪️ما بين هذيان صوفية .. إلى حكمة و غموض ميكيل ... إلى سخرية ياسر و حساباته المنطقية .. دارت حوارات فلسفية في خلفية الأحداث و أثارت الكثير من التساؤلات حول الإنسان وتناقضاته ... الخطيئة و التوبة ... الخير و الشر ... الثواب و العقاب ... التيه و السكن ...الشتات و الديار ...
▪️فكرة عناوين الفصول المستوحاة من قصائد أو أغاني أعطت جمالا حزينا يلطف جو القسوة و السوداوية السائد في الرواية .. شيئا يشبه صوت موسيقى تصويرية لفيلم ...
سيد حجاب و نجيب سرور و الأبنودي...
قصائد و أغاني سودانية عن الحنين و الاغتراب ....
كما كان ورود بعض الابيات بين الفصول و داخلها كان معبرا جدا و متداخلاً في نسيج الحكاية ... بحثت عن تكملة الأبيات و الأغاني و وجدتها في غاية الجمال ...
▪️تفاصيل الغلاف معبرة .. و الألوان تعطي انطباعا بعاصفة ترابية و جو شديد الحرارة خانق و مقبض .. وهو الجو السائد على الأحداث .. لوحة بألوان الجحيم ...
▪️ النهاية جاءت مفتوحة و غامضة و مقبضة .. لست متأكدة أنني فهمتها .... لكن يظل القطيع قطيعا .. و الحُر حُرّاً ... يظل الجحيم جحيما .. و لا مدد لأهل الجحيم ....
لا ندري ❞ كم ستصمد القرية؟ ❝
و لو ❞ فني السعير فأين سيذهب المُعَذَّبون؟ لا بد من طبقة أخرى احتياطية من جهنم تمنع التسريب! ❝
ظننا ❞ أن هذا النَّهب ( النهش ) سيتأجَّل قليلًا حتى ييأس الناس من وصول المدد، لكن الناس في جهنَّم يعرفون أنه لا مدد، فمَن سيتذكَّر المتدلين من طرف الدنيا؟ ❞
❞ قل إن الحياة ... شبهُ كابوس رهيب، ❝

