فوضى الهويات: بورتريه واحد لوجوه متعدّدة > مراجعات كتاب فوضى الهويات: بورتريه واحد لوجوه متعدّدة > مراجعة Bassem Khalil

هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
3

《تعددت الأسباب واضطراب الهوية واحد》

عبر ١٢ سردية متشابكة لمواطنين عراقيين عانوا بصور وأشكال مختلفة مما أسميته أنا "متلازمة اضطراب الهوية"، جاء كتاب فوضى الهويات للكاتبة العراقية حوراء النداوي، الصادر عن دار الرفدين في طبعته الأولى عام ٢٠٢٥.

تأخذنا الكاتبة في رحلة بين العراق والدنمارك، حيث تتقاطع الذكريات مع الواقع، من خلال قصص لأشخاص عالقين بين ثقافتين، يبحثون عن أنفسهم بين هويات وانتماءات متنازعة، ليصبح سؤال "من أنا؟" أكثر تعقيدًا وغموضًا من أي وقت مضى.

تباينت السرديات ما بين عراقيين وُلدوا ونشأوا وعاشوا حياتهم بالعراق في خضم الحروب والتوترات السياسية والصراعات الطائفية التي عصفت ببلدهم، ودنماركيين - أغلبهم من أصول عراقية - يواجهون صراعًا من نوع آخر مع الهوية والانتماء، حيث التأرجح بين ثقافتين متنافرتين أيما تنافر، وقيم وعادات شرقية وغربية من الصعوبة بمكان أن تنسجم سويًا.

هذه السرديات تؤكد لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن الاغتراب واضطراب الهوية لا يتعلقان فقط بمن غادر بلده وأرضه، فالمتأمل لروايات العراقيين يمكنه أن يلمس بكل وضوح الخلل والعطب الذي أصاب هويتهم وضرب جذور انتمائهم في مقتل بفعل النظام القمعي الذي جثم على قلب البلاد لعقود طويلة، مارس خلالها كل صنوف الترهيب والتعذيب والاختطاف والقتل على الهوية، ثم الاحتلال الأمريكي للعراق وما تلاه من حرب طائفية مستعرة، ما تسبب في حدوث شرخ كبير في جسد أجيال عراقية كان كل حلمها التعايش مع الآخر بسلام، دون فتن طائفية بغيضة أو اقتتال أهلي أودى بحياة مئات الآلاف من الأبرياء.

يطرح العمل مجموعة من التساؤلات الهامة: ما الذي يشكل الهوية؟

كيف يمكن للذات أن تظل متماسكة وسط عوالم متناقضة؟

ما معنى الانتماء في عالم متعدد الثقافات؟

كيف نعرف أنفسنا عندما ننتمي إلى ثقافتين مختلفتين؟

هل يمكن للجذور أن تبقى راسخة رغم التغيرات؟

وكيف يؤثر المجتمع والحوادث المحيطة في تشكيل هويتنا؟

تميز الأسلوب السردي للكاتبة بالعمق والبلاغة في آن معًا، وإن كان ذلك لا يمنع وجود بعض الأخطاء اللغوية والإملائية، لا سيما عدم وضع الهمزات في مواضع كثيرة من الكتاب. أتمنى أن يتم تلافي ذلك في أعمال الكاتبة المستقبلية.

أما أكثر ما أثار اعتراضي في الكتاب فهو وجود بعض الهرطقات التي يصعب المرور عليها مرور الكرام، لا سيما أنها تتعلق بصلب العقيدة - مع شديد احترامي وكامل إيماني بحرية الفكر والتعبير. لكن عندما أجد إحدى بطلات هذه السرديات - دنماركية من أب عراقي - قد أسست أول مسجد أنثوي في أوروبا لتكون هي أول إمام له، مبينةً أن مسجدها، إضافة إلى أنه يساعد المرأة الراغبة في الطلاق على تطليق نفسها، يقوم أيضًا بعقد زيجات بين الأديان، لا سيما للنساء المسلمات اللواتي يُحرَمن من عقد الزواج على الطريقة الإسلامية، بحجة أن الإسلام لا يبيح للمرأة المسلمة الزواج من غير مسلم، وهو أمر لا تعتقد به هي ولا مسجدها.

لم أجد ما أقوله بعد قراءة ذلك سوى: "إنهن يدعون لدين جديد".

تلك دلالة أخرى أن الأمر يتعدى الفوضى في الهويات ليصل إلى ما أطلقت عليه "متلازمة اضطراب الهوية"، فالجينات الشرقية، إن جاز التعبير، حاضرة وإن توارت واستترت تحت تأثير الثقافة الغربية، التي أنتجت جينات أخرى مختلفة عن نظيرتها الشرقية، ليجد الإنسان نفسه في صراع عنيف واستقطاب حاد بين هويتين تحاول كل منهما الانتصار على الأخرى وإقصاءها تمامًا من المشهد، في الوقت الذي يسعى فيه بطل هذا الصراع إلى خلط الجينات سويًا لعله ينتج هوية جديدة سليمة غير مشوهة يستطيع التواؤم والتعايش معها دون أي منغصات أو أزمات.

ولمن يحب أن يقرأ في السياسة وبالتحديد عن حقبة النظام البعثي في العراق ورأسه صدام حسين، وما اقترفه من فظائع وجرائم وحشية ضد شعبه، وعن فترة الحرب الطائفية التي أعقبت الاحتلال الأمريكي للبلاد، وما تلاها من انتفاضات شعبية واسعة ضد حكومة المحاصصات الطائفية، فإن هذا العمل به جرعة مكثفة أليمة وموجعة من الأحداث والوقائع الحقيقية التي تشيب لها رؤوس الولدان.

كتاب يستحق القراءة بكل تأكيد، وإن كانت قراءته ستخلف كثيرًا من الحزن والأسى والألم والوجع. لكن متعة القراءة نفسها تستحق، وكما نقول بالعامية "مفيش حلاوة من غير نار".

"فوضى الهويات" عمل أرشحه بقوة لأعضاء أبجد.

اقتباسات راقت لي:

لكل إنسان سرديته التي تستحق أن تُكتب وتُروى، مهما كانت بسيطة أو خفيفة.

شعور غريب ومؤلم أن تعيش عالمين مختلفين كلياً فوق أرض واحدة ! وإذا ما خرجت ولو قليلاً عن الحدود والخرائط الخاصة بالجماعة فسوف تُلعَن.

اكتشفت بعد سنوات ضيعتها في محاولة إرضاء الناس، أنهم مهما فعلت، سيستقتلون لإيجاد عيب ما يستوجب الجلد.

الحياة حتماً قصيرة، أقصر من أن نعيشها بذهنية أناس سبقونا ، أو وفق عقلياتهم التي ناسبتهم ربما في وقت مضى، لكنها لم تعد صالحة للحاضر.

الفكرة لدى هؤلاء هي كائن عضوي قابل للنمو والتكاثر، ومتى ما ولدت فهي مهدّدة وخطرة، وقابلة لأن تشهر في وجوههم أسلحة ترهبهم وتتوعد بهلاكهم.

العراق ليس مجرد فسيفساء من الطوائف ولا يمكن أن يختزل في سردية واحدة تهيمن عليها جهة دون أخرى. إنه أكثر تعقيدًا من ذلك، أكثر شاعرية وألماً ، فهو وطن مزروع بالقصص، كل قصة تحمل في طياتها ألماً وآمالاً مختلفة والطريق إلى التشافي من آلام وتحديات الماضي، وإن بدا طويلاً ومليئاً بالعقبات، يبدأ بالاعتراف بكل هذه القصص وتداخلاتها، وبأننا لسنا مجرد تمثلات طائفية، بل كائنات بشرية تعيش على هذه الأرض، وتتوق إلى حياة تتسع للجميع.

الفقد دون خبر مؤكد يضع الإنسان في حالة برزخية، فلا هو متماهٍ مع الحدث ومستسلم للخسارة، ولا هو متأملاً ومتطلعاً للخبر المجهول الذي قد يخذله أيما خذلان، بعد سنوات من استنزاف الصبر والرجاء.

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق