كل الأشياء > مراجعات رواية كل الأشياء > مراجعة Rudina K Yasin

كل الأشياء - بثينة العيسى
تحميل الكتاب

كل الأشياء

تأليف (تأليف) 3.9
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
5

كل الاشياء

بثينة العيسة

دار تكوين للنشر والتوزيع

عدد 368 صفحة

نشر عام 2023

الكتاب رقم 21 من العام 2026

تطبيق أبجد

للأشياء أسماء أخرى، ولكن الذي يسبق الآخر في التسمية هو الذي يفوز على ما يبدو

كلّ الأشياء هي رواية قلق الإنسان المعاصر، هي سؤال الموت والحرّيّة في ظلّ الهزائم والاغتراب، زمن تهشّمت فيه الشّعارات الكبيرة والأيديولوجيّات العظيمة. هي شهادة إدانة للواقع العربيّ وما ينزفه من انكسار وخيبة؛ فيكفي أن تتأمّل في وجوه الأبطال في جداريّة الغلاف حتّى تدرك بشاعة الخسران والفقد!

هي رواية سياسيّة بلا شعارات، تعكس الواقع المرير القائم على القمع والرّقابة والخوف؛ بعكس ما يطمح إليه الإنسان من عالم مثاليّ، وذلك في ظلّ سيادة السّجن والاستبداد كتم الأفواه وسلب الحرّيّات،

في زمن الصمت فيمسي الواقع متاهة تصنعها الأنظمة الدّيكتاتوريّة من أجل تدجين الأفراد وتحويلهم إلى أصنام يتحرّكون وفق رغباتها أو إلى تفريخ صيصان من المرادم، ثمّ دفعهم إلى الشّكّ في كلّ شيء. كما تسلّط الضّوء على الثّورات الّتي اشتعلت في الوطن العربيّ عامّة، والكويت خاصّة، إذ تجرّع الجميع من كأس الأمل المغشوش، وتفاقمت حالة التّشظّي حين تحوّل الرّبيع إلى خريف ينزف قلقًا وألمًا. ومن أجل كلّ هذه الأشياء تكتب بثينة العيسى؛ تكتب من أجل تسمية الأشياء بأسمائها. وحتّى تسمّيها يجب أن تعرّيها، أن تكشف الممارسات القمعيّة وتفضحها.

هي رواية الأزمنة حيث تعتمد هذه الرّواية على زمنين أساسيّين: الحاضر والماضي. فالحاضر هو الزّمن الخارجيّ، زمن الحبكة والحدث. أمّا الماضي فهو زمن السّجن والمنفى والوطن والأب والحبيبة. تتعمّد الكاتبة هذا الأسلوب لتصف صراع جاسم الذّاتيّ، مع نفسه ومع الآخرين. حيث أنّ زمن الحدث الخارجيّ لم يتعدّ بضعة أيّام قليلة مقابل الزّمن النّفسي المتخيّل، والّذي يتميّز بالحركة الطّليقة نحو أفكاره وصراعاته، مرورًا بماضيه وطفولته ليتمّم شريطًا زمنيًّا أطول.

كلّ الأشياء رواية رمزيّة تُقرأ في مستويين؛ على المستوى الأقرب تتمحور حول: علاقة الأب بابنه، والحبيب بحبيبته، والفرد بوطنه، حيث علاقة الإنسان الكويتيّ بوطنه وبالنّظام، وهو بعد سياسيّ يرمز في المستوى الرّمزيّ إلى علاقة الفرد بالأنظمة العربيّة بشكل عامّ، وإلى كلّ إنسان مثقّف يعيش في ظلّ نظام يسلب حرّيّاته ويسعى إلى تدجينه. وكلّ هذا في متاهة الثّالوث المحرّم الّذي لا ينفكّ يؤرّق الكاتب الّذي يريد أن يسمّي الأشياء بأسمائها، تائقًا إلى كشف الحقيقة لا تزييفها.

وفي الثنائي المحرّم، كعهده، هناك صراع بين جدليّات لا تكفّ عن الصّراخ كثنائيّات: السّجن والحرّيّة، الموت والحياة، السّلطة والمواطن، الوطن والمنفى، الخطأ والصّواب، الحلال والحرام، السّابقون واللّاحقون، الآباء والأبناء وغيرها.

التّاريخ الّذي يكتبه المنتصرون، أي الحكّام لا الشّعوب؛ فكتب الشّعوب ملطّخة بالدّماء وصدأ قضبان السّجون وعذابات الزّنازين. ولعلّ بقراءتها لهموم مجتمعها تؤكّد على قول عبد الرّحمن منيف الّذي "يعتبر الرّواية في عصرنا إحدى أهمّ الوسائل الّتي يمكن من خلالها "قراءة" مجتمع ما. إنّها تقرأ المجتمع بتفاصيله وهمومه، تقرأ حياة النّاس اليوميّة وأحلامهم، وتحاول أن تشير إلى مواضع الألم والخلل.

حين يخرج جاسم، البطل بلا بطولة، من السّجن يحاول الهروب من "وشم" الهزيمة والخراب إلى المنفى الاختياريّ فيهاجر إلى لندن، لكنّه يضطرّ إلى العودة إلى وطنه ليشارك في تشييع جثمان والده، فيعود إلى قوقعة الاغتراب، فيستنشق "تلك الرّائحة" النّتنة من القمع والفساد؛ الرّائحة الّتي باتت تسود "شرق المتوسّط" / الوطن العربيّ كلّه، فيدخل السّجن/ القفص مرّة أخرى وتكتمل دائرة القمع. هكذا أخذتني العيسى إلى أدب السّجون إلى "تلك الرّائحة" للكاتب المصريّ صنع الله إبراهيم؛ "الوشم" للكاتب العراقيّ عبد الرّحمن الرّبيعي؛ و"القوقعة" للكاتب السّوريّ مصطفى خليفة، ثمّ إلى "شرق المتوسّط" للكاتب السّعوديّ عبد الرّحمن منيف وغيرها. فتأتي هي الكويتيّة وتسرد كلّ الأشياء، ما يحدث ولا يقال، وما يقال ولم يكن، تسرده بجرأة لاسعة، وتلسعنا بجحيم القمع وتيه الاغتراب مرّة أخرى

كل الأشياء لا تؤرخُ لحقبةٍ ما في تاريخ الكويت، هي تتناول الأشياء التي ضاعت وتضيع وتعود وترتحل، تتحدث عن التفاصيل الصغيرة التي تكمن فيها المعاني، عن الشوارع والأسواق وفقاعات العزلة، عن المقاعد المهجورة والخيالات التي كانت والاحتمالات التي كادت أن تكون، عن الأوطان وما تفعله بنا وعن ما نفعله في الأوطان، الأوطان التي ترحل عنها وتسكنك، عن الذكريات التي هي وطنك الذي لا يُنسى، عن العائلة المهجورة والصنبور الذي صدأت أيامه والمياه الآسنة مثل الصمت الذي استمر بين الأب وابنه، يوم ظنّ كل منهما أنه يريد إصلاح الصنبور، فأغرقتهم المياه. عن الحب الذي يبقى في التفاصيل، عن الجفاف الرطب، عن التفهم والحسرة، عن الصديق الذي يحمل عبء صداقته مبتسماً، عن الزنازين والظل والضوء والهواء والمقابر التي تدفن الأفكار لا الأجساد، وتتحدث عن أشياءَ أخرى هي كل الأشياء.

على صفحة الغلاف مجموعة صور إلّا تلك الجداريّة الّتي وصفت في الرّواية في شقّة نايف "فنايف الّذي يخشى النّسيان يريد أن يكون المصبّ الّذي تنتهي إليه ذاكرة كلّ النّاس، فمثله يعيش كي يتذكّر. فهذه اللّوحة الكونيّة الّتي تشكّلت على الجدار على مدى أربع سنوات وبكلّ العشوائيّة الممكنة تجعله من هو عليه، نايف الّذي يخاف أن ينسى، بينما هو جاسم أشدّ ما يرعبه هو أن يتذكّر "قصاصات لا يجمع بينها شيء تتشابك وتتداخل فيما بينها تحكي حكايا وجوه وقصص بطولات منذ مارثن لوثر كينج وأمّ كلثوم وغسّان كنفاني وتشي غيفارا وإدوارد غاليانو وحنظلة ناجي العليّ ومحمّد الدّرّة.. ثمّ عالية حسين" (ص 230)؛ عالية حسين المغنّيّة الكويتيّة الّتي ما أن رآها في شقّة صديقه حتّى أدرك خسارة الماضي، أدرك لماذا كان يردّد أغانيها دومًا، فهي الكويت.

عاد "جاسم" إلى وطنه بعد غياب وغربة أربع سنوات بعد إن هرب من وطنه بعد سجنه واعتقاله بسبب قلمه الذي تسبب في ازعاج السلطات، يعود إلي وطن يحمل بقايا حزن وغربة وقصة حب لم تكتمل ... ليحضر جنازة والده عن صراع دائر بين جاسم وتمرده علي مجتمع فاسد مستنسخ منه نماذج لنفس الصور ،عن الحرب الدائرة والقائمة بين السلطة والقمع الممارس منها والكتابة وما تسببها الأقلام لرعب يداوي صداه علي كل الأشياء من حولنا ،للقلم سلطة وللحروف والكلمات سلطة

لكن هل تلك السلطة قادرة علي الصمود أمام الطوفان الممارس عليها من السلطة الأكبر أو الأب الأكبر الذي نجد في النهاية.

الأفكار ابداً لا تموت ولكن هل ستكون تلك الأفكار قادرة للوقوف في وجه الطوفان والطغاة أم سيدفعها طوفان الظلم والالم للهروب من ذاكرة الوطن لبراثن الغربة وهل تكون الغربة أكثر رحمة ،ام إن هذا العالم هو مجموعه كبيرة ،من كل الأشياء اللاإنسانية في كل الأشياء في أوطاننا فاسدة كفساد البيت الكبير كفساد النخل والصنبور والزجاج المكسور— في الحقيقة لا أستطيع أنكار إني كنت أتوقع الأكثر في رواية بثينة العيسي وكل أشيائها تلك ، بثينة العيسي من وجه نظري هي من أهم وأقوي الأقلام النسائية الروائية المعاصرة .. في النهاية يجيب علينا من الوقوف والإعجاب والتحية لقلمها وفكرها ووعيها الثقافي والاجتماعي الواقعي

Facebook Twitter Link .
1 يوافقون
1 تعليقات