هناك روايات نقرأها لنعرف كيف ستنتهي الحكاية، وهناك روايات تجعلنا، ونحن نقرأ، نشك أصلًا في الحكاية التي بين أيدينا.
«الرواية المسروقة» تنتمي إلى النوع الثاني.
منذ العنوان، يضع حسن كمال قارئه أمام جريمة أدبية تبدو للوهلة الأولى واضحة: هناك رواية، وهناك سرقة. لكن سرعان ما يتضح أن السؤال الحقيقي ليس: مَن سرق الرواية؟ بل: مَن يملك الحكاية أصلًا؟
وهنا بدأت متعتي الحقيقية مع الكتاب.
فالرواية تلعب على المسافة الفاصلة بين الكاتب والحكاية، بين ما حدث فعلًا وما أُعيدت كتابته، وبين الحقيقة حين تكون ملكًا لصاحبها والحقيقة نفسها حين تقع في يد شخص يعرف كيف يحولها إلى أدب.
وكلما تقدمت في القراءة، شعرت أنني لا أبحث فقط عن إجابة، بل أعيد النظر في كل ما سبق أن صدقته.
وهذا النوع من الروايات يستفز القارئ الذي بداخلي بطريقة أحبها جدًا، ذلك القارئ الذي لا يستطيع أن يكتفي بما يُقال له، فيبدأ بجمع التفاصيل الصغيرة، ومراقبة التناقضات، والشك في النوايا، ومحاولة الوصول إلى الحقيقة قبل أن يسمح له الكاتب بذلك.
وأحيانًا كنت أظن أنني سبقت حسن كمال بخطوة…
ثم أكتشف أنني ربما كنت أسير تمامًا في الطريق الذي أرادني أن أسلكه.
لكن خلف التشويق واللعبة السردية، وجدت سؤالًا أكثر إزعاجًا:
هل سرقة الحكاية أقل قسوة من سرقة الحياة نفسها؟
لأن الإنسان لا يملك أشياءه فقط، يملك أيضًا ذاكرته، خساراته، أسراره، الأشخاص الذين أحبهم، والألم الذي دفع ثمنه وحده.
فإذا جاء شخص آخر، أخذ كل ذلك، أعاد ترتيبه ببراعة، ثم وضع اسمه على الغلاف…
لمن تصبح الحكاية؟
للذي عاشها؟
أم للذي عرف كيف يرويها؟
وهنا تحديدًا تجاوزت الرواية بالنسبة إليّ حدود التشويق، وتحولت إلى سؤال أخلاقي عن الكتابة نفسها.
فالكاتب، بطريقة أو بأخرى، لص صغير.
يسرق جملة سمعها في مقهى، ملامح شخص قابله منذ سنوات، حزن صديق، بيتًا مرّ بجانبه، قصة أخبره بها أحدهم وهو يظن أنها ستبقى سرًا… ثم يخلط كل ذلك بالخيال ويمنحه أسماء أخرى.
لكن أين ينتهي الإلهام وتبدأ السرقة؟
وأين تنتهي حرية الكاتب ويبدأ حق الآخرين في امتلاك حكاياتهم؟
هذا السؤال هو أكثر ما بقي معي.
أما أسلوب حسن كمال، فجاء سلسًا وخفيفًا، يعتمد على الفضول أكثر من اعتماده على الزخرفة اللغوية. والسرد يعرف كيف ينهي اللحظة في المكان المناسب ليجعلك تقول: حسنًا… فصل آخر فقط.
وطبعًا نعرف جميعًا كذبة «فصل آخر فقط». 😅
ومع ذلك، لم تكن الرواية بالنسبة إليّ مجرد سباق نحو كشف الحقيقة. أكثر ما استمتعت به هو إحساس عدم الثقة الذي صنعته القراءة، أن تصبح كل معلومة قابلة للمراجعة، وكل حقيقة محتملة، وكل رواية للأحداث بحاجة إلى رواية أخرى تقابلها.
وربما لهذا أحببت العنوان أكثر بعد الانتهاء.
«الرواية المسروقة».
عنوان يبدو بسيطًا جدًا قبل القراءة، ثم يصبح أكثر التباسًا كلما فكرت فيه.
لأنك تبدأ بالسؤال:
مَن سرق الرواية؟
لكن الرواية تتركك أمام سؤال أجمل وأصعب:
هل يمكن لأحد أن يمتلك حكاية بالكامل؟
أم أن القصص، منذ اللحظة التي نرويها فيها للآخرين، تبدأ بطريقة ما في مغادرتنا؟
«الرواية المسروقة» بالنسبة إليّ ليست فقط رواية عن سرقة نص، بل عن ملكية الحكاية، وهشاشة الحقيقة، وحدود الكتابة، والثقة التي نمنحها للراوي لمجرد أنه أول من أمسك بالقلم.
وربما كانت المفارقة الأجمل أنني أغلقت رواية عنوانها «الرواية المسروقة» وأنا أفكر في كل القصص التي قرأتها طوال حياتي وأسأل نفسي:
كم حكاية ظننتُ أنها خيال، بينما كان هناك في مكان ما شخص حقيقي يعرف أنها حكايته؟
