في بعض الروايات تكتشف القاتل وفي روايات أخرى تحاول أن تعرف دوافعه لكن في "أسطورة ابن الظلام" وجدت نفسي مشغولًا بسؤال مختلف تمامًا: في أي لحظة يتحول إنسان عادي إلى شخص يخشاه الجميع؟ وهل هناك نقطة فاصلة يتحول عندها الضحية إلى جلاد، أم أن الأمر يحدث تدريجيًا دون أن يشعر؟
الرواية لم تحاول أن تقدم شخصية شريرة لمجرد أنها شريرة ولم تعتمد على فكرة المجرم العبقري التي اعتدناها كثيرًا بل اختارت الطريق الأصعب أن تجعل القارئ يعيش رحلة تكوين هذا الإنسان منذ بدايتها ويرى كيف تتراكم المواقف الصغيرة داخل النفس حتى تصنع شخصًا مختلفًا تمامًا عما كان يمكن أن يكونه
أعجبني أن الكاتب بدأ الحكاية من جذورها من قصة حب جمعت والدي سليم رغم رفض الجميع ثم انتقالهما إلى الولايات المتحدة وبناء حياة جديدة هناك قبل أن تقلب أحداث الحادي عشر من سبتمبر كل الموازين لم يكن هذا الجزء مجرد خلفية للأحداث بل كان نقطة التحول الأولى التي غيرت مصير الأسرة بالكامل وأثبت أن الأحداث الكبرى لا تغير الدول فقط بل تغير البيوت أيضًا
بعد العودة إلى مصر تبدأ الرواية في التحول من قصة عائلية إلى رحلة نفسية ثقيلة الخلافات بين الأب والأم لم تكن مجرد مشاهد درامية لكنها كانت الشرخ الأول الذي تشكلت داخله شخصية سليم كل موقف وكل كلمة وكل خيبة جديدة كانت تضيف طبقة أخرى من الغضب والخوف وعدم الثقة
شخصية سليم من أكثر الشخصيات التي أثارت تعاطفي رغم كل ما يفعله لاحقًا لم أره ملاكًا ولم أره شيطانًا بل إنسانًا تشوه من الداخل الكاتب لم يطلب مني أن أبرره لكنه جعلني أفهمه وهناك فرق كبير بين الفهم والتبرير
أما الأب فكان من الشخصيات التي يصعب الحكم عليها في لحظة تراه أبًا يريد حماية ابنه وفي لحظة أخرى يتحول إلى مصدر جديد للألم وكذلك الأم التي بدأت حياتها بدافع الحب ثم وجدت نفسها تغرق في قرارات صنعت مآسي أكبر مما كانت تتخيل أعجبني أن الشخصيات لم تكن بيضاء أو سوداء بل حملت تناقضات حقيقية تشبه البشر
ما لفت انتباهي أيضًا أن الرواية لا تعتمد على الجريمة وحدها لتصنع التشويق بل تعتمد على الحالة النفسية للشخصيات كنت أتابع تطور سليم أكثر من انتظاري لما سيحدث بعد ذلك، لأنني كنت أشعر أن كل صفحة تقربه خطوة من الهاوية
وبما أن الرواية تنتمي إلى سلسلة "ما وراء الجريمة"، فقد كان ظهور المحقق كمال إبراهيم إضافة جميلة للأحداث وجوده أعطى إحساسًا بأن هناك عقلا اخر يحاول فك هذا اللغز خاصة مع ذكاء الخصم وصعوبة الوصول إليه وانتهيت من الرواية وأنا متحمس لمعرفة كيف ستكون المواجهة بين الاثنين في الأجزاء التالية وهل يستطيع كمال بالفعل الوصول إلى الحقيقة أم أن سليم سيكون دائمًا بخطوة أمام الجميع
أكثر ما أعجبني هو أن الكاتب لم يعتمد على المفاجآت السريعة بل بنى الأحداث بهدوء، وترك كل موقف يؤدي بشكل طبيعي إلى الذي يليه صحيح أن الإيقاع في البداية كان هادئًا لكن بعد ذلك أصبحت الصفحات تُقرأ بسرعة مع تصاعد التوتر وكشف الأسرار
اللغة جاءت بسيطة وسلسة بعيدة عن التعقيد وهو ما جعل التركيز منصبًا على الشخصيات نفسها كما أن الحوار كان مناسبا لطبيعة كل شخصية ولم أشعر بتكلف أو محاولة لإبهار القارئ على حساب الواقعية
العنوان أيضًا نجح في إثارة الفضول. "ابن الظلام" لا يشير إلى شخص خرج من الظلام فقط بل إلى إنسان تربى داخله هذا الظلام حتى أصبح جزءًا من هويته ومع نهاية الرواية شعرت أن الاسم يحمل معنى نفسي أكثر من كونه وصفًا لشخصية
إذا كان هناك شيء خرجت به بعد القراءة فهو أن الإنسان لا يتغير فجأة كل جرح يترك أثرًا وكل خيانة تضيف ندبة وكل صدمة تعيد تشكيل جزء من الشخصية لكن في النهاية تبقى المسؤولية الشخصية موجودة ولهذا لم تجعلني الرواية أتعاطف مع سليم تعاطفا كاملًا ولم تجعلني أكرهه بالكامل أيضًا
أسطورة ابن الظلام ليست مجرد رواية عن جريمة أو قاتل بل عن الإنسان عندما يفقد الشعور بالأمان وعن الثمن الذي قد يدفعه طفل لم يختر الظروف التي نشأ فيها وهي تطرح سؤالًا سيظل يرافق القارئ حتى بعد إغلاق الصفحة الأخيرة
هل نصنع مصيرنا بأنفسنا أم أن بعض المصائر تبدأ في التشكل قبل أن نكون قادرين على الاختيار؟
#مسابقاتـbook_zone
Mahmoud Mohamed Abo Alfath
Maram Shawky El Shaer

