مراجعة لرواية «جثة في الممر الخلفي» – يارا رضوان
تُثبت يارا رضوان في رواية «جثة في الممر الخلفي» امتلاكها قدرةً لافتة على بناء رواية بوليسية مشوّقة، تقوم على الغموض والتفاصيل الدقيقة أكثر من اعتمادها على الإثارة المصطنعة. فمنذ العثور على الجثة الأولى، تبدأ الأحداث في التصاعد بوتيرةٍ مدروسة، حيث يتحوّل كل اكتشاف إلى سؤال جديد، وتغدو كل شخصية مشتبهًا بها أو ضحيةً محتملة، في لعبةٍ سردية ذكية تُبقي القارئ متيقظًا حتى الصفحة الأخيرة.
ولا يقتصر تميّز الرواية على اللغز وحده، بل يمتد إلى أسلوبها السردي السلس، الذي يجعل الانتقال بين الأحداث طبيعيًا ومنسجمًا، مع عناية واضحة بالتفاصيل الصغيرة التي تبدو في البداية عابرة، ثم يتبيّن لاحقًا أنها مفاتيح أساسية لفهم الحقيقة. كما نجحت الكاتبة في رسم شخصيات ذات دوافع إنسانية معقّدة، فلا يبدو الشر أو الخير فيها مطلقًا، بل يتداخلان في منطقةٍ رمادية تضفي على الأحداث قدرًا كبيرًا من الواقعية والإقناع.
ولا تكتفي الرواية بتقديم جريمةٍ تحتاج إلى حل، بل تطرح تساؤلاتٍ عميقة حول الخداع، والأسرار، والوجوه التي يُخفيها الإنسان عن الآخرين، فتغدو الجريمة بوابةً لاكتشاف ما هو أعمق من مجرد معرفة هوية القاتل.
أما النهاية، فتُعد من أبرز عناصر قوة الرواية؛ إذ تعيد ترتيب الأحداث في ذهن القارئ، وتكشف أن كثيرًا مما بدا حقيقة لم يكن سوى جزءٍ من الصورة الكاملة، وهو ما يمنح العمل قيمةً إضافية، ويجعل إعادة قراءته تجربةً جديرةً بالاهتمام لاكتشاف الإشارات التي بثّتها الكاتبة بين السطور منذ البداية.
التقييم: ⭐⭐⭐⭐☆ (4.5/5)
رواية بوليسية ممتعة، تمتاز بحبكةٍ محكمة وتشويقٍ متصاعد، وتناسب محبّي أدب الجريمة والألغاز النفسية، مع أسلوبٍ سردي متوازن يحافظ على إيقاعه حتى النهاية، ويجعل من الصعب التوقف عن القراءة قبل انكشاف الحقيقة.

