كل الأكاذيب > مراجعات كتاب كل الأكاذيب > مراجعة Youmna Mohie El Din

كل الأكاذيب - نهلة عبد السلام
تحميل الكتاب

كل الأكاذيب

تأليف (تأليف) 4.1
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
2

قراءة في المجموعة القصصية كل الأكاذيب للكاتبة نهلة عبد السلام

الصادرة عن دار بيت الحكمة للنشر والتوزيع

منذ النظرة الأولى، يلفت غلاف المجموعة الأنظار بجماله الفني، إذ يبدو أشبه بلوحة تشكيلية تنبض بالألوان والدلالات، فيمنح القارئ انطباعًا أوليًا بأن ما ينتظره بين الصفحات سيكون تجربة مختلفة. ولم يخيب المتن القصصي هذا الانطباع، إذ جاء متناغمًا مع جمال الغلاف، بلغة فصيحة رشيقة، تمتاز بحساسية عالية وقدرة لافتة على التقاط أدق المشاعر الإنسانية.

اعتمدت نهلة عبد السلام على السرد بوصفه الأداة الرئيسة لبناء عالمها القصصي، فجاء الحوار محدودًا، بينما تولت اللغة مسؤولية كشف الشخصيات ورسم أبعادها النفسية، وهو ما منح النصوص كثافة فنية وانسيابية في آن واحد.

كانت قصة ملعقة لتقليب المواجع من أكثر القصص التي استوقفتني. تدور أحداثها حول فتاة تبحث عن بصيص من الأمل وسط واقع مثقل بالوجع. وبرغم ما يحيط بالقصة من ملامح الكوميديا السوداء، فإنها تعكس جانبًا من واقعنا الاجتماعي، وقد نجحت نهلة عبد السلام في توظيف الغموض والتفاصيل الدقيقة لصياغة قصة قصيرة مؤثرة تترك أثرها في نفس القارئ.

أما لولا بقية الأمل، فتتناول حكاية امرأة بلغت الثلاثين من عمرها وما زالت تنتظر النصيب. قد تبدو الفكرة مألوفة في ظاهرها، إلا أن الكاتبة أعادت تقديمها من خلال تفاصيل إنسانية صادقة، كشفت عن مشاعر الغيرة والإحباط وضغط المجتمع، حتى جاءت النهاية منسجمة مع المسار النفسي للقصة، تاركة أثرًا عميقًا في المتلقي.

وتقدم نهلة عبد السلام في هذه المجموعة تجربة إنسانية تنطلق من تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتناول قضايا اجتماعية ونفسية تمس الإنسان في هشاشته وضعفه. وتحتل المرأة مساحة بارزة في معظم القصص، لكنها لا تظهر بوصفها ضحية فحسب، بل باعتبارها إنسانًا يصارع واقعه ويحاول النجاة من خيباته المتكررة.

ويُعد عنوان المجموعة كل الأكاذيب مفتاحًا مهمًا لقراءتها؛ إذ لا يقتصر الكذب هنا على معناه الأخلاقي، بل يتحول إلى رمز للأقنعة التي يرتديها البشر، وللأوهام التي يتمسكون بها طلبًا للنجاة. وفي النهاية، لا يبقى سوى الحقيقة، مهما طال الاختباء خلف الزيف.

وفي قصة الثعلب، تقترب الكاتبة من الجانب النفسي لشخصية امرأة دفعتها هشاشتها العاطفية إلى اتخاذ قرارات خاطئة، بعدما افتقدت الاحتواء منذ طفولتها. ومن خلال هذا المسار، تكشف الكاتبة كيف يمكن للفراغ العاطفي أن يقود الإنسان إلى خيارات يدفع ثمنها لاحقًا، دون أن تقع في فخ الوعظ أو المباشرة.

أما القصة الأخيرة بيت الرمل، فهي من أكثر نصوص المجموعة وجعًا. ترصد رحلة امرأة اجتهدت في تعليمها وعملها حتى بلغت درجة الماجستير، لكنها اصطدمت بقسوة أقرب الناس إليها. وتأتي النهاية صادمة، لتؤكد أن بعض النجاحات لا تكفي وحدها لحماية الإنسان من الانكسارات التي قد تأتي من داخل البيت نفسه.

يمتاز أسلوب نهلة عبد السلام بلغة عربية سليمة، وتكثيف سردي واضح، وقدرة على بناء مشهد كامل في مساحة محدودة، وهي سمات تنسجم مع طبيعة فن القصة القصيرة. كما تتنوع نهايات النصوص بين المفاجأة والنهايات المفتوحة، فتدفع القارئ إلى مواصلة التفكير بعد الفراغ من القراءة.

ورغم الحضور الواضح للألم في معظم القصص، فإن الكاتبة لا تستسلم للسوداوية، بل تسعى إلى كشف الواقع كما هو، بعيدًا عن التجميل أو المبالغة، وهو ما يمنح نصوصها صدقًا إنسانيًا وقدرة على ملامسة وجدان القارئ.

في المجمل، تمثل كل الأكاذيب إضافة جديرة بالاهتمام إلى تجربة نهلة عبد السلام في كتابة القصة القصيرة. إنها مجموعة تراهن على قوة التفاصيل، وصدق المشاعر، وعمق الإنسان، أكثر من رهانها على كثرة الأحداث، ولذلك فهي تستحق القراءة لكل من يبحث عن أدب يلامس النفس ويترك أثرًا لا يزول بانتهاء الصفحة الأخيرة.

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق