رواية جميلة وسلسة فاجأتني بخفتها وثرائها الفكري. يصحبنا نجيب محفوظ مع قنديل ابن فطومة في رحلة بين مجتمعات مختلفة، لكل منها تصور خاص عن الدين والسلطة والجنس والحرية والعادات. ومع كل انتقال يتغير منظور البطل، وتفقد بعض المسلمات التي تربى عليها شيئًا من بداهتها، من دون أن تتخلى الرواية عن أسئلتها حول العدل والدين و العادات.
أجمل ما في الرواية استخدام التضاد: ما يعد فضيلة في مجتمع قد يصبح أمرًا مستغربًا في مجتمع آخر، وما يراه الإنسان حقيقة مقدسة قد يراه الآخر أسطورة. وهنا تطرح الرواية سؤالها الأساسي: هل يوجد مجتمع مثالي يصلح لجميع البشر؟ نجح محفوظ في تحويل النقاش الفلسفي إلى رحلة حية وممتعة، بدل تقديمه في صورة حوارات جامدة. كل دار تمثل تجربة مختلفة في الحكم والدين والحرية، لكنها لا تقدم حلًا كاملًا؛ فكل نظام يحقق حاجة ويهمل أخرى. أعجبتني النهاية المفتوحة؛ لأنها أبقت دار الكمال في خيال القارئ. فلو وصفها محفوظ بالتفصيل لأصبحت مجرد مجتمع آخر له مزاياه وعيوبه.لكن الرواية كانت أقل إقناعًا في العلاقات الإنسانية؛ فبعض الزيجات والفراق وفقد الأبناء تمر بسرعة لا تتناسب مع أثرها النفسي. الشخصيات أحيانًا تبدو محطات في رحلة الفكرة أكثر من كونها حيوات مكتملة.
رواية خفيفة في أسلوبها، عميقة في أسئلتها، وتدفع القارئ إلى مراجعة ما يعتبره طبيعيًا أو مقدسًا. وربما لا تكون الرحلة فيها بحثًا عن المجتمع المثالي فقط، بل عن معنى الحياة نفسها.
