في كتابها الفريد والبديع "عزومة سفير"، تأخذنا الكاتبة "شيرين الألفي" إلى عوالم وآفاق وأبعاد لم نكن ننتبه إليها كثيرًا، ولم تتطرق إليها الكتابات المعتادة، فأضاءت لنا مصابيح من المتعة والبهجة والمعرفة.
الكتاب هو رحلة مدهشة، ستحاول تصنيفه مرة ككتاب أدب رحلات، وستحاول تصنيفه مرة آخرى ككتاب عن أصول الإتيكيت، وستحاول تصنيفه مرة ثالثة كدردشة ممتعة ومشوقة حول مشوار عمر متعدد المحطات، وربما ستكتشف في النهاية أنه كل ذلك، وأنه كتاب يضم أوراق الذاكرة الحاضرة، عن تجربة حياتية زاخرة، فيها الاكتشاف والتكيف، وفيها المسؤولية والمغامرة، وفيها حكايات ومواقف ونوادر وطرائف من ذلك النوع الذي لا يُنسَى أبدًا.
دائمًا أقول أن السفر هو أعظم تجربة يمكن أن يمر بها الإنسان، حينما تتقاطع دائرته الحضارية مع دوائر حضارية أخرى، ويتقابل عقله الجمعي مع عقول جمعية أخرى، فيكتشف أنه ليس الوحيد أو الفريد على هذا الكوكب، ولكن هناك آخرون لديهم ما يَستحق أن يُنظَر إليه، ويُتأمَل فيه، ويُؤخَذ منه كثيرًا أو يُرَد أحيانًا، وذلك لا يتناقض مع التمسك بالهوية، والتشبث بالجوهر والأصل.
❞ تعلمت أن التمسك بالهوية والتشبث بالجوهر والأصل ليس صراعًا بين الحضارات، بل هو القارب للوصول إلى بر الأمان، وهو التماسك والتكاتف في وجه مجهول آتٍ في المستقبل ❝
ضمَّ الكتاب عشرين فصلًا ممتعًا، وبدأت الرحلة من مصر، وشملت ست دول أساسية، الكويت وجنوب أفريقيا وڤيتنام والمملكة المتحدة وسريلانكا والمالديف، ثم الكويت مرة أخرى، بدأت الرحلة وبدأ الشغف، وتوالى الوصول إلى المحطات المختلفة التي عاشت فيها شيرين الألفي.
بعد مقدمتها الثرية عن عالم الدبلوماسية، وعن العمل الدبلوماسي بأناقته ودقته ومتاعبه ومخاطره، كانت البداية في الكويت، تصل في أعقاب حرب التحرير، وتتناول الغبقة الرمضانية، وتشارك في لقاءات البرانش الصباحية. وتتذوق من عنقود العنب الياباني العملاق، وتتمرس على تفاصيل الإتيكيت، وعلى تطبيقات "الفورمال" و"الكاچوال" وما بينهما من "سيمي فورمال" و"سمارت كاچوال".
في جنوب أفريقيا، تشهد جمال الطبيعة، وترى شوارع بريتوريا المدينة الأرجوانية، وتندهش من العام معكوس الصيف والشتاء ومواسم الدراسة، وتزور حديقة الحيوان المفتوحة، وتهرب من مطاردة الأسد، وتتجول بدون حذاء، وتحضر الكريسماس في غياب الجليد المتساقط.
في ڤيتنام، ترى سلحفاة البحيرة، وتشهد صدى أمواج تسونامي، وتلقي محاضرات التاريخ، وتجلس على المائدة المستديرة، وفي المملكة المتحدة، تدخل متاحف ومسارح ومتاجر لندن، وتنبهر بالتنوع العرقي للأجناس، وتعيش مغامرة الجبن الرومي والبسطرمة، تتجول في حديقة قصر باكنجهام، وتأكل سندوتشات الخيار هناك، وتغرقها الأمطار.
وفي سريلانكا، تنال لقب حرم السفير، وتنبهر من تعدد الأديان والأعراق واللغات والثقافات، تشهد يوم البويا وعيد الديوالي، وتخشى من حمى الدنجي، وتزور منزل منفى أحمد عرابي في كاندي، وتشرب الشاي السريلانكي، وفي المالديف، تتنقل بين الجزر، وتعرف قصة ابن بركات البربري وابن بطوطة، وحدوتة العفريت.
تنقل لنا صورة مصر "بعيون خضرا"، وترتب حفلات الخطوبة والزواج للابنة، وتعود إلى الكويت مرة أخرى، وتعيش تجربة الكورونا، ثم تعود وتلتقي الأحبة في مصر من جديد.
❞ وتيقنت أن الدبلوماسية ليست وظيفةً أو مهمةً حكوميةً مقتصِرة على موظفي وزارة الخارجية، بل هو جسر محبة وترابط بين جميع الناس، ننشئه ليربط بين قلوب الشعوب المختلفة. ومواد تشييد ذلك الجسر هي التواصل والتجمعات والتسامر وتبادل الهدايا، ويتم عبور ذلك الجسر عن طريق التلاقي والتغاضي عن أي اختلافات، ونبذ المشاحنات ❝
نظّمت شيرين الألفي فصول الكتاب بطريقة بروتوكولية بارعة، كأنها تنظم جلوس الضيوف على مائدة الطعام، كانت تقدم فصلًا مركزًا عن بلدٍ من بلاد الرحلة يعقبه فصل أو عدة فصول استطرادية تسهب فيها عن ذلك البلد، وتسترسل في الحديث عن ملامح الإتيكيت، ثم فصلًا مركزًا آخر عن بلدٍ ثانً يعقبه فصل أو فصول استطرادية، وهكذا حتى تكتمل مائدة الكتاب، وننتهي من تناول طعامه الشهي.
اكتملت الرحلة الشاقة والممتعة، وبدأت شيرين حياتها الجديدة، ومنحتنا ذلك الكتاب الفريد، واستمتعنا بطعم كل ما قدمته في "عزومة سفير".

