أسفار مدينة الطين - سفر التبة
تخيّل غوّاصًا يقف على حافة السفينة، يملأ صدره بآخر نَفَس، ثم يرمي بجسده إلى القاع … بلا حبل، وبلا “سِيَب” ينتظر إشارته ليسحبه إلى السطح. هذه هي «التَبَّة» في لهجة أهل الكويت القدامى ومصطلحات الغوص: الغوصة الكاملة، المقامرة بالروح حتى النهاية.
وهذه، تحديدًا، هي روح الجزء الثاني من ثلاثية «أسفار مدينة الطين» للروائي الكويتي المبدع "سعود السنعوسي"، الحائز على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر).
تعيد الثلاثية سرد التاريخ الكويتي بأسلوب فنتازي ساحر، متوقفةً عند مرحلة ما قبل اكتشاف النفط: رحلات الغوص على اللؤلؤ، وبيوت الطين، وموانئ الصيد، والحروب بين أهل السور وإخوان عطى الله وتنقسم إلى ثلاثة «أسفار»:
• سِفر العباءة
• سِفر التَبَّة
• سِفر العنفوز
وعلي الاعتراف أنني لم أفتح هذا الجزء إلا بعد سنة كاملة من انتهائي من الجزء الأول! ومع ذلك، ما إن دخلت مدينة الطين من جديد حتى استعادتني بالكامل!
يدور هذا السِفر حول قضية «سليمان» و«فضة»، زوجين يواجهان حكمًا اجتماعيًا ودينيًا قاسيًا بالتفريق بينهما بدعوى «الأخوّة في الرضاعة». قضية تتحول إلى غوصة كبرى في لُجّة الأقدار.
فالعنوان هنا ليس مجرد مصطلح تراثي يزيّن الغلاف؛ إنه بؤرة الثيمة الأساسية للرواية: المخاطرة، والارتماء الكامل في المجهول، والموت - المجازي أو الفعلي - ثمنًا للنجاة أو لتحقيق المطالب.
في الخلفية تتحرك "الصاجات"، شخصيات أسطورية تجسّد القوة الغيبية أو القدر الذي يحرّك الخيوط من خلف الستار؛ استحضارٌ بديع للميثولوجيا الشعبية التي كانت تحكم تصورات الناس في ذلك الزمان.
ما زالت لغة "السنعوسي" جميلة، انسيابية، مفهومة رغم تطعيمها باللهجة الكويتية والألفاظ القديمة. ولم تكن اللهجة حاجزًا يومًا؛ بل على العكس، صنعت أجواءً زمنية ومكانية غنية جعلتني أعيش بين أبطال الرواية وكأنني واحد منهم.
اللغة هنا ليست أداةً للسرد فحسب، بل جزء من النسيج الفني للعمل، حاملة لدلالات عميقة لا تنفصل عن مضمون النص وجمالياته.
هذا الجزء مُثقَل - بالمعنى الجميل والمرهِق معًا - بالفلسفة والحوارات العميقة ذات الطابع الموارِب، وهو ما أبطأ إيقاع الأحداث، خاصة في الربع الثاني من الرواية.
ومع ذلك … من يقفز "تَبَّة" لا يشكو من طول الطريق إلى القاع!
“بعض الألقاب في الكويت هو في الأساس شرح لصفات أصحابها، مثل أي مكان آخر. فالمرأة التي لا تنجب تسمى أم غايب، لأن لا حضور لولد لها تتسمى باسمه مثل أم عبدالله وأم سليمان وأم محمد”
استمعت إليها على"ستوريتيل" وموجودة على "أبجد" وعندي كذلك ورقي!

