ذلك النوع من الحب > مراجعات رواية ذلك النوع من الحب > مراجعة Waled Abd Elmonem

ذلك النوع من الحب - ياسمين ثابت
تحميل الكتاب

ذلك النوع من الحب

تأليف (تأليف) 4.6
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
4

صدق الذين قالوا في الأمثال الشعبية قديما؛ إذا دخل الفقر من الباب، هرب الحب من الشباك.

"هل يكفي –الحب– وحده لأذابة الفوارق الطبقية أم أن الواقع ينتصر دائمًا مهما بلغت قوة المشاعر؟"

هل يكفي الحب وحده ترميم ما أفسدته الحياة؟

قد يبدو لوهلة أننا أمام قصة عاطفية كلاسيكية بامتياز، قرأناها فى الأدب وشاهدناها كثيرا في الدراما والسينيما، وذلك صحيح إلى حد بعيد.

إلا أن معالجة” الحدوتة“ لم تنشغل بمجرد سرد قصة حب بين رجل وإمرأة بقدر ما نجحت ببراعة فى تفكيك بنية العلاقة المعقدة بينهما والتى ظلت متأرجحة حتى النهاية بين الحب والواقع، بين فورة المشاعر وحسابات العقل بين الأحلام التي يرسمها العاشقان والحياة التي لا تتوقف عن اختبارهما. وعن جدوى العاطفة عندما تصطدم بصخرة الواقع اليومي المرير، والندوب النفسية التي تتركها الخيبات المتتالية في القلوب.

منذ الصفحات الأولى، تضعنا الرواية أمام لقاء يبدو عابرًا، لكنه يصبح نقطة تحول في حياة شخصين ينتميان إلى عالمين متناقضين. فتاة تنتمي إلى أسرة ثرية؛ مدللة، فنانة تشكيلية ترى العالم من منظور الألوان والشغف، تلتقي بشاب مكافح ينتمى إلى

طبقة فقيرة، يمتلك كبرياءً حاداً وعواطف جارفة لكنها مكبلة بالقيود المادية. لا يملك من متاع الدنيا سوى قلب يؤمن بالحب.

إلا أنه يعيش صراعا داخليا مريرا؛ فهو يعشقها لكنه يرى في ثرائها وتضحيتها تهديداً غير مباشر لرجولته وكبريائه في مجتمع شرقي يربط قيمة الرجل بقدرته المادية وطبقته الأجتماعية.

من تلك اللحظة التي أرادت فيها " البطلة “ أن ترسم ذلك الشاب تبدأ بينهما رحلة طويلة مليئة بالمنعطفات والانكسارات والاختبارات المؤلمة. خاصة عندما ضحت ببيئتها المترفة ومستواها المادي في سبيل عاطفتها.

حين تحدا الجميع وتزوجا، إلا أن إصطدام البطلة بالواقع الفقير خلق لديها نوعاً من

"الاغتراب النفسي"، عندما تكتشف أن حرارة الحب لاتحمي من برد الواقع، وأن التضحية؛ إذا لم تُقابل باحتواء حقيقي تتحول إلى عبء وجلد للذات.

مما حول حياتهما إلى جحيم وأدى إلى طلاقهما

ثلاث مرات وعرضهما للانفصال الأبدي.

لا تقدم الرواية الحب بوصفه شعورًا رومانسيًا ورديا بل باعتباره مسؤولية يومية وصراعًا مستمرًا مع الظروف الحياتية. فالمشاعر وحدها لا تعفي الإنسان من مواجهة ضغوط الحياة، ولا اختلاف الطبقات ولا الأعباء الاقتصادية، ولا سوء الفهم الذي قد يتراكم حتى يهدم علاقة كانت تبدو عصية على الانكسار.

من أجمل ما يميز الرواية أنها لا تجعل الفارق الاجتماعي مجرد خلفية للأحداث، بل تحوله إلى شخصية خفية–إن جاز الوصف– تؤثر في كل قرار وكل خلاف، وكل لحظة ضعف يعيشها البطلان. وكأن الكاتبة تقول إن الحب لا يعيش في فراغ وإنما يعيش داخل مجتمع يفرض قوانينه، وأحيانًا ينتصر على أكثر القلوب إخلاصًا.

كما تناقش الرواية قضية شديدة الحساسية، وهي أن الحب الصادق لا يعني بالضرورة نجاح الزواج. فكم من علاقة بدأت بعشق كبير ثم اصطدمت بتفاصيل الحياة اليومية، وكم من وعود جميلة انهارت أمام ضغوط الواقع. ومن هنا تطرح الرواية سؤالًا بالغ الأهمية: هل المشكلة كانت في الظروف أم في طريقة تعامل الحبيبين مع بعضهما البعض؟

تبرز شخصية البطلة بصورة لافتة؛ فهي لا تبدو مجرد فتاة اعتادت الرفاهية، بل امرأة مستعدة للتخلي عن امتيازاتها دفاعًا عن اختيارها. وفي المقابل، يقدم البطل نموذجًا لإنسان يحمل مشاعر صادقة، لكنه يجد نفسه في مواجهة إحساس دائم بالنقص بسبب الفوارق المادية والاجتماعية

وهو ما انعكس سلبا وبشكل تدريجي على قراراته

سيما علاقته بمن يحب.

من أكثر عناصر الرواية تميزًا أنها لا تكتفي بعرض الحب في لحظة البدايات، بل تلاحقه عبر الزمن ليرى القارئ كيف تتغير المشاعر عندما تتغير الأعمار وكيف يعيد الإنسان تقييم اختياراته بعد سنوات من الفراق والندم. وهنا تتحول الرواية من قصة رومانسية إلى تأمل عميق في فكرة الفرصة الثانية وهل يستطيع الزمن إصلاح ما أفسدته الأخطاء القديمة.

الجماليات الأسلوبية:

•​اللغة والأسلوب: اعتمدت الكاتبة على لغة شاعرية دافئة تتناسب مع طبيعة البطلة الفنانة، لكنها لغة مشحونة بالتوتر الدرامي في مشاهد المواجهة والصراع والأنفصال.

•​الحوار: جاء الحوار معبراً عن الفجوة الفكرية والطبقية بين البطلين؛ حوار البطلة يفيض بالعاطفة والمشاعر الأنثوية، بينما حوار البطل محكوم بالدفاع عن الكبرياء الذكوري والتحسس المادي.

•إيقاع السرد متوازن؛ فلا يعتمد على الأحداث المتلاحقة فقط، بل يمنح الشخصيات مساحة كافية للتعبير عن صراعاتها الداخلية. كما أن الحوار جاء طبيعيًا في معظم المواضع، وأسهم في كشف التحولات النفسية، بينما جاءت اللغة بسيطة وأنيقة بعيدة عن التكلف، وقريبة من وجدان

واحساس القارىء.

رغم الطابع الرومانسي الواضح للقصة، فإن الرواية لا تغرق في المثالية، بل تحلت بقدر كبير من الواقعية تجعل القارئ يتساءل باستمرار: هل كان يمكن إنقاذ هذه العلاقة لو اتخذ الطرفان قرارات مختلفة؟ وهل الحب وحده يكفي لبناء بيت مستقر، أم أن الاحترام والتفاهم والنضج وتحمل المسؤولية هي الأساس الحقيقي لاستمرار أي علاقة؟

يحسب للكاتبة قدرتها على رسم شخصيات إنسانية نابضة بالحياه؛ فكل شخصية تخطئ، وتتردد، وتندم، وتتعلم، وهو ما يمنحها صدقًا كبيرًا ويجعل القارئ يتفاعل معها دون شعور بأنها شخصيات مصنوعة لخدمة الحبكة الروائية فقط.

أما على المستوى الرمزي، فإن الرواية تبدو وكأنها تناقش صراعًا أزليًا بين القلب والعقل، بين ما نتمناه وما نستطيع تحقيقه؛ بين الإنسان كما يحلم أن يكون، والإنسان كما تفرض عليه الحياة أن يكون. لذلك تتجاوز الرواية حدود القصة الرومانسية التقليدية لتصبح رواية عن الاختيارات، والخسارات والنضج، وثمن القرارات التي قد لا ندرك أثرها إلا بعد فوات الأوان.

إلى أيهما تنتصر الرواية في النهاية: الحب أم الواقع؟

​تنتصر الكاتبة (ياسمين ثابت) لـ "الحب الواقعي المُهذّب بالزمن". فالقصة لا تعلن انتصاراً ساحقاً للحب الرومانسي الأفلاطوني، كما أنها لا تستسلم تماماً لسطوة المادة والطبقية. بل تقدم حلاً وسطاً:

عندما يدرك كلا أن الطرفين أن الحب ينتصر ولكن بعد أن دفعا ثمنه كاملاً من سنوات عمرهما وأن الحب يمكنه البقاء ولكن بعد أن يُجرد من أوهامه ويتقبل حدوده الواقعية.

هى رواية تنزع الغطاء الوردي عن الحكايا الرومانسية المعتادة لترينا ما يحدث خلف الأبواب المغلقة عندما يواجه الحب فواتير الحياة اليومية.

​وتقدم درساً إنسانياً عميقاً في كيمياء العلاقات الإنسانية وصراع الطبقات.

في النهاية، تترك رواية ”ذلك النوع من الحب“ سؤالها الكبير معلقًا في ذهن القارئ: هل ينتصر الحب لأنه أقوى من كل شيء، أم أن الحياة تمتلك دائمًا الكلمة الأخيرة؟

كما إنها ستجد صداها لدى كل من آمن يومًا بأن الحب قادر على تغيير العالم، ثم اكتشف أن العالم بدوره قادر على هدم الحب.

إلى موسيقى الرائع ( هشام نزيه )، بالأخص معزوفته البديعة لفيلم " هيبتا “

و موسيقي الساحر ( الياس الرحباني )

الذان رافقاني أوقات قراءة الرواية وعلى

وقع نغماتهما الساحرة كتبت هذه المراجعة.

شكرا...

Facebook Twitter Link .
1 يوافقون
2 تعليقات