❞ثلاث برتقالات مملوكية❝ ليست رواية تاريخية بقدر ما هي رواية عن الحاضر متخفية في ملابس الماضي. الإسقاطات على مصر قبل يناير. وأثناءها. وبعدها. واضحة. لكنها لا تفسد متعة الحكاية.
أجمل ما في الرواية بالنسبة لي كان الشخصيات النسائية. شمس. نجية. قمر. أما الرجال. فباستثناء بعض اللحظات. كانوا في الغالب ظلالًا للأحداث أكثر من كونهم شخصيات مكتملة. شمس كانت البرتقالة المملوكية الأشهى. الأغنى. الأكثر عصارة. والأكثر انسحاقًا داخل ماكينة السلطة. نجية كانت البرتقالة البلدي. المصرية الجذور. التي صارت مملوكية بزواجها من البهاء ودورانها في فلكه. ثم انتهت إلى العودة إلى أصلها. أما قمر. فبدت لي برتقالة هجينة. تلاعب بها الجميع. وكانت الحلقة الأضعف في السلسلة.
أنا شخصيًا أميل إلى أن البرتقالات الثلاث هن هؤلاء النساء. أكثر من كونها رمزًا أو ثلاث مراحل تاريخية. اختيار البرتقال نفسه ليس بريئًا. ثمرة وافدة. لكنها أصبحت مع الزمن من أكثر الثمار التصاقًا بمصر. تمامًا كما أن المماليك أنفسهم كانوا وافدين. ثم صاروا جزءًا من تاريخ مصر.
لغة حجاج أدول تستحق وقفة خاصة. لم يحاول تقليد لغة المخطوطات. ولم يسقط في فخ اللغة المعاصرة. صنع لغة محتملة. لغة تصدق أنها خرجت من العصر المملوكي دون أن تكون أسيرة له. والأجمل أنه كان يغيّر نبرتها بذكاء مع تغير المكان. من الريف. إلى القاهرة الشعبية. إلى القصر. وحتى الفرق بين لغة السرد ولغة الحوار كان محسوبًا بعناية. هذه النقطة وحدها رفعت تقييمي للرواية من ثلاث نجوم إلى أربع.
أعجبتني أيضًا النهاية. الهروب إلى النوبة لم أقرأه باعتباره مجرد هروب من بطش السلطة. بل عودة إلى جذر مصر. كأن المستقبل لا يولد من قلب السلطنة. بل من الهامش الذي ظل محتفظًا بأخلاقه وتاريخه. اختيار النوبة بالذات لا أظنه مصادفة من كاتب نوبي يعرف جيدًا معنى الأرض التي بقي حقها مهضومًا. وجرحها مفتوحًا.
أثناء القراءة لم أستطع مقاومة مقارنة صغيرة. أول مرة يحكم مصر حكام مصريون منذ انتهاء الأسرة الفرعونية الثلاثين وسقوط الحكم المصري المستقل سنة 343 قبل الميلاد. كانت بعد يوليو 1952. ولفتني أن عبد الناصر والسادات ومبارك ارتبطوا جميعًا بزوجات لهن أصول عائلية غير مصرية بدرجات مختلفة. قد تكون مجرد مصادفة تاريخية. لكنها جعلتني أتوقف أكثر عند شمس. السلطانة الوافدة التي تصبح قلب السلطة في مصر المملوكية.
رواية جميلة. ذكية. مكتوبة بحرفة عالية. ربما لم تتعمق بما يكفي في بعض الخطوط مثل علاقة السلطة بالتجار ورجال الدين. وبقيت شخصيات مثل المبربش والشيخ مكنسة أقرب إلى عصرنا من العصر المملوكي. لكن هذا لم يمنعها من أن تظل واحدة من أفضل ما قرأت في توظيف التاريخ لقراءة الحاضر.

