تقدم لنا الكاتبة المبدعة "هدى عبد المنعم" في روايتها الجديدة "أقرب إلى النور" رؤية درامية ونفسية متعمقة حول الحياة وجنوحها والتوائها، عندما تزداد الضغوط والأحمال فوق رأس وكتفي بطلتنا "نور"، فتترنح بين ثنائيات الفرح والحزن، والأمل واليأس، والاحتياج والحرمان، والرضا والغضب، والسعادة والشقاء، والنجاة والهلاك.
تبدأ الرواية مع نور وهي تروي لنا تفاصيل حياتها، الحاضر الذي وصلت إليه بعد تجربة استغرقت سنوات قليلة في الدروب المراوغة للحياة، اكتشفت أن الأحلام كلها كانت قد تَبَخرت وأن المعاني كلها كانت قد فُقِدَت، لم تكن الحياة كريمة معها، ولم تكن حتى منصفة.
❞ أثقال حملتُها لسنوات على كاهلي بلا شكوى، وأخرى قيدتْ معصميّ وكبلتْ قدميّ في مكان لا يشبهني، وها أنا أجنح نحو كل شيء بعيد وخاطئ، لربما أتحرر! ❝
تعرفنا على كل شخصيات الرواية:
ابنها سليم، الاختبار الصامت الذي ألقت به الحياة على كاهلها وتركتها تجتر الألم في استسلام، وابنتها سيلا، التحدي الذي كبر معها وجعلها تنتبه إلى وجود كيان يبحث عن صورة للحياة من نوع خاص.
زوجها محمود، الغيمة التي أمطرت وجعًا ثم مرت سريعًا وتركتها تصارع الأيام في صمت، وأخوها طه، الكابوس الذي يجثم على صدرها ويقف حائلًا أمام أي فرصة للمراجعة السليمة للحياة.
ابنه أخيها تقى، شعلة الأمل التي تنير جوانب من حياتها وتحاول أن تمنع إطباق الظلام الكامل، وصديقتها أروى، النسمة التي تأتي بين حين وآخر فتنتعش بها النفس وتتجدد.
نهى وميّ ويارا، الأطياف العذبة التي أتت من غير موعد لتخفف من ملوحة ومرارة الأيام، وكذلك الطبيبة النفسية، وكريم مدرب سليم، ومريم مساعدة المنزل.
أكمل، ظنَّته الأمل الذي يتشبث به الغريق، والسراب الذي يجري وراءه العطشان، قبل أن تتيقن من أنه لا هو طوق نجاة ولا هو ينبوع ماء، ولا هو شجرة تستظل بها من حرارة شمس الظهيرة.
❞ الرجل الفاسق ألعن من العاهرة ❝
عاشت تجربتها المنهِكة بكل كيانها، حب وعاطفة، احتياج ورغبة، تجربة جنسية مبتسرة، انكشاف وتردد ولا مبالاة، كذب وخيانة وغدر، وضياع.
❞ بوسعي العيش بثقب في قلبي وغصة في حلقي، وأنفاس مترددة بالكاد بين أربعة جدران، لكنها ليست حياة ❝
لعبت "نور" كل الأدوار وذابت فيها، ولبست كل الأثواب التي خاطتها لها الحياة، ثوب الفتاة الصغيرة الباحثة عن الخلاص، وثوب الزوجة البائسة التي تسرب الحلم من بين أصابعها، وثوب الأم الوحيدة المنهكة، وثوب العاشقة المتيمة الحائرة، وثوب شهيدة الغرام وضحية الغدر والخيانة، ثم أخيرًا ثوب المرأة الناضجة القوية.
❞ لا بد أن تصدقي أن ثمة أشرارًا في العالم، واجبك أن تحمي نفسك منهم، لا أن تلتمسي العذر لهم! لمَ أنتِ رحيمة مع الجميع إلا نفسك؟ ❝
تمتلك هدي عبد المنعم قدرات لغوية متميزة، وتستخدم لغة سلسة ورشيقة ومتهادية، ولكنها في نفس الوقت لغة واعية وواثقة وحازمة، تعرف كيف تصوغ العبارة، كيف تمددها عندما تريدها منبسطة ومسترخية وكيف تبترها عندما تريدها منقبضة ومشدودة، وكيف تستحضر كل المفردات أمامها وتضعها تحت طوعها، رأينا ذلك وعشناه معها في لغة السرد، واستمتعنا به في التكثيف اللغوي بالحوار.
كما تلاعبت الكاتبة بأصوات السرد ومنحتها تنوع فاتن على مدى خمسة فصول وخاتمة، في ٥٢ مقطع، لم تكتفِ بصوت "نور" راوية بالضمير الأول (المتكلم) لمعظم فصول ومقاطع الرواية، صوت حقق لنور المصداقية والتفهم والقرب مع القارئ وأتاح لها التعبير الكثيف بتيار وعيها المنساب، لكن الكاتبة كانت من وقت لآخر تأتي بصوت راوٍ عليم بالضمير الثالث (الغائب)، ليطلع القارئ على جانب موضوعي أفتقده أو كاد مع سرد نور، ويمنح الصوت أيضًا لمتكلمين آخرين، مثل سيلا (في المقطع ٢١) وأكمل (في المقطع ٣٦)، لكي يضيف شذرات لم تدركها نور، حتى أن طيف الضمير الثاني (المخاطَب) كان يلوح ويتسلل إلى السرد للمزيد من الحيوية والإثارة والتوريط، فتلغي المسافة بين السارد والقارئ والشخصيات.
أرتنا هدى عبد المنعم كيف يمكن أن يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من الهشاشة وخداع النفس لمجرد أنه يبحث عن أمل لا يهم إن كان زائفًا أم حقيقيًا، كيف يمكن أن ينخدع بسهولة ويستعذب الخديعة لمجرد أنه يريد التشبث بوهم يظن أنه آخر ما لديه في هذه الدنيا، ولكن كان لابد لأمواج الحقيقة من أن تأتي.
❞ كاجتياح الموج للقلاع المبنية على الرمال، لا تصمد الأكاذيب في وجه الحقائق! ❝
بعد أن تعاطفنا وصدقنا، ثم خفنا وأشفقنا، ثم غضبنا ورفضنا، مضت نور في رحلة الوعي، قررت أن تتوقف عن الانهزام والاستسلام، ما زال هناك أمل، ليس أملًا زائفًا مثل كل مرة، بل أمل حقيقي.
❞ أومأت نور، في عينيها بداية إدراك، بداية رحلة نحو وعي أعمق، وربما نحو شفاء أخيرًا. ❝
الرواية هي تجربة نفسية معرفية بديعة، هي رحلة داخل هشاشة الإنسان، أجهضت الحياة كل الأحلام، وأفرغت كل الآمال، وأطلقت كل الأكاذيب، وأحكمت قبضتها، ثم طفقت تسخر وتستهزئ، ولكن بعد كل ما شهدته نور، وعندما أضاء الوعي نورَه داخلها، بحثت عن البداية، ووجدتها.

