هناك كتبٌ نقرؤها لأننا نحب الحكايات، وكتبٌ أخرى نقرؤها لأننا نريد أن نطلّ على حياة لا نعرفها. أما كتاب "عزومة سفير" للكاتبة شيرين الألفي، فقد بدا لي كنافذة فُتحت على عالم كنت أراه من الخارج فقط عالم السفراء والقناصل والحياة الدبلوماسية التي تبدو لنا دائمًا لامعة ومترفة ومليئة بالرفاهية.
لكن هذا الكتاب أخذ تلك الصورة اللامعة، وقرّبها من الإنسان أكثر.
الكتاب لا يتحدث عن السياسة بقدر ما يتحدث عن البشر الذين يعيشون خلف البروتوكولات الرسمية. عن زوجة القنصل التي لا يكفيها أن تكون زوجة وأمًّا فقط، إنما هي مطالبة أيضًا بأن تكون واجهة اجتماعية، وسندًا دائمًا لزوجها، وقادرة على إدارة تفاصيل لا يراها أحد.
من تنظيم العزومات الرسمية، إلى التعرف على زوجات السفراء، إلى المحافظة على صورة السفارة، وكل ذلك بينما تحاول ألا تخسر نفسها وسط التنقل المستمر من بلد إلى آخر.
أكثر ما شدّني في الكتاب أنه كسر الصورة النمطية التي كنت أمتلكها عن حياة الدبلوماسيين.
كنت أظن أن القنصل يعيش حياة مريحة ومستقرة، لكنني اكتشفت من خلال الكتاب أن هذه الحياة قد تكون مرهقة وقاسية أحيانًا، وحتى مهددة بالخطر في بعض الدول.
التنقل الدائم، الغربة، الخوف، صعوبة التأقلم، وحتى القلق على الأبناء ومدارسهم… كلها تفاصيل جعلتني أرى الوجه الآخر لهذه الحياة الذي لا يظهر في الصور الرسمية.
كما أن الكاتبة نجحت في تقديم صورة حيّة عن الشعوب والدول التي عاشت فيها، مثل الكويت، وجنوب إفريقيا، وسيرلانكا، وبريطانيا. لم تكن مجرد وصف للأماكن، بل محاولة لفهم الناس وعاداتهم وطريقة استقبالهم للغرباء. وهذا ما جعل الكتاب ممتعًا وخفيفًا رغم كمية التفاصيل التي يحتويها، لأنني شعرت أنني سافرت معها وليس مجرد كتاب قرائته فقط.
أسلوب شيرين الألفي كان بسيطًا وقريبًا، وكأنها تجلس أمامك وتحكي لك يومياتها بلا تكلّف. وهذا ما جعل الكتاب صادقًا ومحببًا، بعيدًا عن التعالي أو المبالغة. ربما لا يعتمد الكتاب على لغة أدبية ثقيلة، لكنه يمتلك ميزة أهم، وهي أنه يجعلك ترى حياة كاملة لم تكن تعرف عنها شيئًا.
أعتقد أن "عزومة سفير" ليس مجرد كتاب عن حياة السفراء، بل كتاب السيرة الذاتية وعن الغربة، والتكيّف، والمسؤوليات الخفية التي يحملها أشخاص نظن أن حياتهم مثالية. وقد نجح فعلًا في تغيير فكرتي عن هذا العالم، وجعلني أدرك أن خلف كل سفارة أشخاصًا يحاولون النجاة مثل أي أحد آخر.

