يقولون إن الإرادة هي صمام الأمان في جسد الإنسان، لكنهم لم يخبرونا ماذا يحدث حين يتسلل الشيطان إلى الجسد في هيئة سائل شفاف لا تراه العين إلا بصيصاً!
تدور محاور هذه الرواية في فلك مذكرات غامضة يخلفها طبيب شاب يدعى سيرغي بولياكوف، حطت به مقادير العيش في مستشفى ريفي ناء، يبتلعه الجليد الروسي وتخنقه العزلة القاتلة. يهرب هذا الطبيب من لوعة خذلان عاطفي ومشاعر منكسرة، ليجد نفسه وجها لوجه أمام مسؤولية طبية ثقيلة وفراغ ينهش الروح. وفي ليلة اشتدت فيها آلام جسده ونصب روحه، يلجأ إلى ملاذ طبي عابر؛ خطوة واحدة صغيرة ظنها طوق نجاة، فإذا بها تفتح أمامه أبواب عالم سحري مظلم. من هنا، وبقلم أديب عاش المأساة بنفسه، ينطلق بولغاكوف في تشريح النفس وهي تواجه إغواء لا يقاوم، واضعا القارئ في مواجهة تساؤل مرعب ألا وهو كيف يمكن لقطرة واحدة أن تقلب موازين الحرية والعبودية، وتتحول من دواء يداوي الجراح، إلى سيد مطاع يقود صاحبه نحو هاوية لا قاع لها؟
لقد وقعت هذه الرواية من نفسي موقعا حسنا، وأثارت في وجداني سيلا من التفكر؛ فهي ليست مجرد حكاية عابرة، بل هي مرآة صقيلة صدمتني بحقيقة الهشاشة الإنسانية. وإن ما جعلني أنجذب إلى هذا العمل، وإن شابه هذا الانجذاب شيء من الرهبة، هو تلك الفلسفة العميقة التي مزجها بولغاكوف في نصه. حيث تظهر فلسفة المكان والعزلة جلية في الجليد الذي يحف بالمستشفى الريفي، والذي لم يكن مجرد طقس بارد، بل كان رمزا للعزلة النفسية الخانقة، فقد أدركت من خلال السرد أن الإنسان إذا انقطعت صلته بالبشر أكلته هواجسه، وغدا صيدا سهلا لوساوس السوء.
كما تتجلى في النص مفارقة الحرية والعبودية؛ وهنا تكمن السخرية الفلسفية الكبرى، فهذا الطبيب الذي يملك سلطة الشفاء، ويتحكم في حياة مرضاه وآلامهم، يقف عاجزا تماما عن ملك إرادته أمام سائل شفاف، في تجسيد صارخ للضعف البشري الذي قد يتخفى خلف أردية العلم والوقار. لقد أفلح الكاتب في جعلنا نلمس تلك الشعرة الفاصلة بين النعيم المتخيل والجحيم المحقق، مما جعلني أقف مأخوذة بحسن السَّبْك، وعمق الرؤية النفسية التي تصف الإنسان في لحظات انكساره الأخير.
ولا يفوتني الإشادة بالترجمة؛ فقد نجح الدكتور تحسين رزاق عزيز في هدم جدار اللغة، ليبحر المحيط الروسي ببيان عربي باذخ، فلم أشعر أنني أقرأ نصا مترجما، بل نبضا حيا سكب مباشرة من روح بولغاكوف.
ختاما، لا تبحث في مورفين عن تزجية وقت، بل ابحث فيها عن ذاتك؛ فهي صرخة نذير أبدية تخبرنا بأن أعتى حصون العقل قد تنهار أمام قطرة واحدة خاطئة. إنها مرآة تجعلك تتساءل اذا ما كنا حقا أسياد إرادتنا، أم أننا مجرد عبيد رغباتنا؟

