فى روايته البديعة "سنوات النمش" يأخذنا الكاتب المبدع "وحيد الطويلة" إلى عالم من الأضغاث التي تموج داخل العقل الجمعي في بلداننا، من خلال راوٍ يراقب ما كان يحدث في قرية نائية بشمال دلتا مصر، يحكي لنا ويبوح، مكترثّ أحيانًا وغيرُ مكترثٍ أحيانًا أخرى، بينما سنوات النمش تمر، وتُضَيِّع معها أحلى سنوات العمر.
بدأت الرواية من عتبتها العابثة والنازِقة، حين شهدنا ذلك الطفل بسنواته الخمس مع أخيه الأصغر، والعربة الكارو والمعلم كراملة العربجي والشاب الفضولي، قبل أن نلج فصول الرواية الشاغفة والتائقة والغاوية والخلابة.
عرفنا سنوات النمش، وعرفنا كل الناس في ذلك المكان، الزمن يترنح، يتراجع ويتقدم، والناس لا يصلون إلى غاية، ولا ينالون مُبتَغَى، تذكرت قصيدة صلاح عبد الصبور "الناس في بلادي"، إنهم حقًا جارحون كالصقور، يقتلون يسرقون يشربون يجشأون، لكنهم بشر، وطيبون حين يملكون قبضتي نقود، ومؤمنون بالقدر.
❞ بشر إن شئنا عاشوا طوال حياتهم في كابوس واعتبروه أفضل ما في الدنيا ❝
ربما ستظن أن القرية تقع عند أطراف العالم لكنها في الحقيقة تقع في منتصفه، وستظن أن رجالها ونساءها يبارزون الحياة ويناطحونها لكنهم في الحقيقة مستسلمون لها، سوف يأخذك الزمن في دائرته، وتحملك الأحداث فوق جناحيها، ويغرقك السرد في ثناياه، وبين طيات صفحات الرواية التي يغطيها النمش، كما يغطي وجه بطلنا الراوي.
❞ النمش ضرورة كي يعيش هذا المكان دومًا على حافة الهاوية ❝
هناك في منطقة البراري، حيث الهاربون، المُدَّعون أنهم أشرف ناس، اخترعوا أسطورتهم، ووضعوا شريعتهم، وأقاموا صلواتهم، كان معبدهم هو البيوت والطرقات والحقول والكباري والأرض الزلقة بالطين أو المسننة بالجفاف، وكانت عائلة (أبو عبده) أيضًا هناك.
❞ الأحلام بطيئة في هذا المكان ❝
ستعرف كيف استطاعت الجدة (عروسة) أن تتجاوز خطوط الممكن وقت أن ذهبت لتتزوج الجد أبو عبده، وكيف احتفظت بروحها وصلابتها مع تقلب الأيام والأحداث، الجدة التي تعاملت مع الموت كمزحة عابرة وأمر معتاد، وتعاملت مع الحياة كنكتة عابرة يتخللها بعض الغناء، تسمع الموسيقى والأغنيات، أنقذت الراوي من أسماء كانت تتربص به ومنحته أصعب اسم، وورث عنها الحلم بالأموات قبل أن يموتوا بأيام، واصلت الحياة بعد أن رحل زوجها الذي عاشت معه هواجس الخوف والأرض.
❞ الأرض متروسة عن آخرها بالمطاريد واللصوص من أردأ الأنواع ❝
ستعرف ما حدث للأعمام والعمّات أبناء وبنات الجد والجد الاحتياطي، عندما تزوجوا بالقُرعة وتطلقوا بالأمر، وستعرف حكاياتهم وحكايات كل رجال ونساء القرية.
❞ يحب الرجال سورة يوسف، وتحب النساء سورة مريم ❝
ستعرف كيف استطاعت شاعرة العائلة العمة (فريال) أن تعلي صوتها عندما بدأت سنوات النمش تعد على الأصابع، وكيف حاولت أن تدافع عن أختها زهرة وعن القبيلة كلها.
❞ إحنا أولاد أبو عبده والأجر على الله ❝
ستعرف كيف أراد (النادي) أبو بطلنا الراوي أن يساعد الناس كلما استطاع، وكيف بدأ نجمه يلمع بانضمامه للثورة وولهه بنظام جمال عبد الناصر، وكيف حاول وضع القرية على خريطة الدنيا.
❞ عاش يعتقد أن عبد الناصر هو النبي ببشاراته ومحمد حسنين هيكل هو بولس الرسول ❝
عشنا في مفردات ذلك الزمن، ذقنا طعم الكوكاكولا والسينالكو والسيكو، وتمتمنا بأسماء محمد عبده والأفغاني والألباني وابن تيمية، وتفاعلنا مع رواية لقيطة لمحمد عبد الحليم عبد الله، وانفعلنا مع رومانسية "نادية" ليوسف السباعي، وقرأنا روايات أمين يوسف غراب، وأخفينا "مذكرات إيڤا" ومجلة الشبكة اللبنانية، واسترجعنا قصة الزير سالم وأبو زيد الهلالي، وانضممنا إلى منظمة الشباب وصرنا شباب المنظمة، وذهبنا لحضور مبارة غزل المحلة والطيران قبل أن يتم إلغائها ساعة أن اندلعت حرب أكتوبر.
عرفنا عشرات الشخصيات، وعشرات الحكايات، عائلة زعلوك، حكايات الجدود، الجد الاحتياطي الذي أكل حق أخواته البنات ونجا من الكوليرا والروماتويد، العم عبد القوي وبيت المِكّاوية، العُكْش وأخوه القذافي نسختنا والكتاب الأسود، الشيخ حامد الذي يشتم المصلين في جامعهم، وغيرهم الكثيرين، دخلنا في زمن الهجالات، ويبدو أننا قد ارتكبنا الكبائر السبعة، وزدنا عليها الثامنة.
شهدنا قصص الحب المتنوعة بين شبان وصبايا. وتلك التي تولد أثناء عمليات درس الرز وتنقية الدودة وجني القطن، رأينا حب المواسم ومواسم الحب، ثم عرفنا أن قصص الحب تنتهي مع انتهاء المواسم، كما شهدنا كيف تبدأ حكايات الحب الأخرى وتنتهي، حكاية محمد نجيب وفوزية، وحب محمد عطية، وحب جميل الغريب وجميلة الوحيدة، ومشينا في مسار المشوار مع بطلنا الراوي والشاويش وبائع الجرائد وبائعة الفاكهة هنية،
شهدنا بطلنا الراوي وهو يبحر بسفينة العمر، رأيناه في المدرسة وهو يكتب على السبورة وعمره أربع سنوات، وشهدنا قلبه وهو يدق لفاطمة ووردية ونجوى، ويكره ويتألم، ويهرب إلى خاله ويتعلم، ويكبر ويتزوج، وينجب طفلتين.
❞ إذا كان هناك من يعتقد أن النمش سيأخذ وقته وينتهي فهو واهم، أو أنه مجرد طفح جاء نتيجة ظرف عابر فهو مخطئ، النمش ليس ريح صيف أو حدثًا عابرًا، النمش أقرب إلى القدر الذي صنعه أهله بأيديهم وغواياتهم. ❝.
وأخيرًا عندما قرر أن يغني، سمعناه في معبد كوم امبو يغني مع ابنتيه رغم تحذير ابنته الكبيرة، التي زال خجلها بعد أن سمعت استحسان المستمعين والمستمعات.
❞ زالت عن روحي آخر بقعة نمش ❝
استخدم وحيد الطويلة لغة أدبية فاتنة ومفردات أتى بها من ذلك الزمن، عبارات تلهث أحيانًا وتقتصد، وتسهب أحيانًا وتفيض، وصنع الكثير من المشاهد السردية البديعة، ربما يكون من أجملها (الفصل ١٥)، ذلك الذي عرف فيه الراوي بموت جمال عبد الناصر ، مشهد بديع على المستوى الفني والرمزي والدلالي، عندما كان في يقين بطلنا أن أباه هو الذي مات، مشهد رائع لغةً وبناءً وتأثيرًا دراميًا.
كانت الرحلة مُرهِقة مع الراوي صاحب النمش، الذي ولد في سنة فاصلة بين سنوات الخمسينيات وسنوات الستينيات، نظر وراءه ليعرف ماذا حدث لأهله وقريته منذ بدأ العالم (أو بدأت القرية) حتى وصلت إلى تلك اللحظة، ذلك الراوي الذي شهد الانكسار في هزيمة فادحة اسموها النكسة عندما كان في السابعة، وشهد الفقد في عيون أبيه وبلدته يوم مات عبد الناصر عندما كان في العاشرة، وشهد الاسترجاع المنقوص للروح في حرب أكتوبر عندما كان في الثالثة عشر، وشهد ضياع العقل الجمعي عندما كان في السادسة عشر وبعدها.
بين الحلم والانكسار، وبين الانكسار والفقد، وبين الفقد والاسترجاع المنقوص، وبين الاسترجاع المنقوص والضياع، ازدادت رغبتنا في معرفة ما جرى، الراوي صاحب النمش لم يكمل لنا الحكاية التي شهدها، لم يروِ لنا ماذا حدث بعد ذلك،
❞ القصص الناقصة لها سحر فتاك ❝
هل كانت تلك هي "سنوات النمش" أم سنوات الغربة داخل قريتنا، أم ربما هي "مئة عام من النمش"، تذكرت رائعة ماركيز، وتذكرت كل حكاياتنا وحكايات العالم، تلك التي اكتملت، والتي لم تكتمل.
الرواية تحفة سردية من ذلك النوع الذي يبقى طويلًا، يستفز العقل ويداعب الوجدان، ويترسب فوق جدران الذاكرة.

