《ربما كانت أقسى عقوبة للمحتال… أن يقع في الحب.》
استمرارًا لنهج الروايات القصيرة ذات الإيقاع السريع، انتهيت من قراءة رواية "اللوكاندة الحمراء" للكاتب السكندري عماد مدين، والتي تعد أحدث أعماله الأدبية، والتي أراد لها الكاتب أن يكون بطلها الرئيسي هو راويها، الذي لم يختر له اسمًا بخلاف باقي شخصيات الرواية، وفي ذلك رسالة ضمنية مفادها: "ليست العبرة باسم البطل، بل بحكايته وما بها من انعطافات وتحولات."
يسرد لنا البطل حكايته، مستهلًا إياها بجملة صادمة: أعشق الخيانة، لكن كلما توغلت في تفاصيل حكايته، بدأت الصدمة تزول شيئًا فشيئًا، فبطلنا، حتى وإن قست عليه الأقدار في ريعان طفولته بوفاة والديه ثم طرد عمه له من الشقة، لم يكن زوج خالته أكثر رفقًا به من عمه؛ فبعد أن ذهب للعيش معه، طرده وأودعه دار أيتام. قرر بعد ذلك أنه لا أمان له في هذه الدنيا إلا بجني المال، أيًا كان الطريق الذي سيسلكه من أجل الحصول عليه، وبالفعل ينطلق في رحلة بحث محمومة عن المال، لجأ فيها إلى كل الوسائل غير المشروعة لجني المال؛ من خيانة، وبيع مخدرات، ونصب، واحتيال، وتزوير.
يعود البطل من رحلة عمل بالخليج حاملًا معه مبالغ طائلة جمعها بكل الطرق غير المشروعة التي اعتادها وألفها، وهو ما مكنه من تأسيس حياة اجتماعية وعملية راقية، قوامها ملايين الدولارات، وفيلا بالشيخ زايد، وعضوية بأحد أندية الصفوة، الذي من خلاله تطل علينا الشخصية المحورية الثانية في الرواية؛ ونس، الفتاة التي تعرف عليها البطل في موقف أثار ريبته وشكوكه، لكن شكوكه سرعان ما زالت عندما أخبرته بأنها أرملة ورثت عن زوجها بناية تاريخية بالإسكندرية كانت تُعرف قديمًا بـ"لوكاندة الحمراء"، وأن شركة يونانية عرضت عليها شرائها زهاء مليوني يورو. حينها سال لعابُ بطلنا، معتقدًا أن القدر قد ضحك له أخيرًا، بعدما عرف الحب طريقًا لحياته ومعه المال الذي صار أسيرًا له.
هنا تبدأ الرواية في أخذ منحى مختلف، إذ ينصب التركيز على هذه البناية وسكانها؛ البارون، أم نسمة، وبديع، وما تحويه من غموض وأسرار وآثار، وهو ما يزيد من إصرار البطل وتشبثه بأن يضمها لإمبراطوريته. فما قصة هذه اللوكاندة والقبو الذي يوجد بها؟! وهل ستكون فأل خير على البطل؟! أم إن هناك مكيدة تُدبر له بخفاء وهو غارقٌ في حب ونس؟!
وعلى قدر استمتاعي بالسرد والوصف طيلة أحداث الرواية، على قدر حزني من تلك الخاتمة التي جاءت سريعة غير منطقية، ولم تأخذ حقها في التفاصيل، فخرجت بصورة باهتة؛ بعد أن كنت منتشيًا بأكلة تُطبخ على نار هادئة، فجأة علت النيران فأفسدت متعة الطبخة. فأنت أمام حبكة بدأت قوية بخيوط متشابكة ومتداخلة، لكن تفكيكها وفصل كل خيوطها عن بعضها البعض تم على عجل.
بعد الانتهاء من القراءة، تقافز لذهني سؤالان؛ أولهما هل من شب على عادات وأنماط سلوكية بغيضة يظل ملازمًا لها طيلة حياته، أم هناك خط رجعة؟! والثاني هل الصدمات التي يتلقاها الإنسان كفيلة بأن تعيده إلى سيرته الأولى بعد أن كان عقد العزم على بدء صفحة جديدة عمادها المبادئ والمثل؟!
أسجل إعجابي بقدرة الكاتب على الحكي والسرد والوصف، مستخدمًا لغة فصحى سلسة رشيقة غير مقعرة أو متكلفة، تخللها بعض السباب والألفاظ والكلمات العامية، لا سيما تلك التي ينطقون بها سكان لوكاندة الحمراء، وهو أمر وجدته طبيعيًا يتماشى مع السياق. كما أفرد الكاتب بحكم سكندريته مساحات ليست بالقليلة للحديث عن الإسكندرية وشوارعها ومحالها، فضلًا عن الكثير والكثير من النوستالجيا لا سيما عند التطرق لتاريخ لوكاندة الحمراء وفيلم "رصيف نمرة ٥" الذي جرى تصويره بها.
في المجمل أرى أن "اللوكاندة الحمراء" رواية خفيفة بها خلطة اجتماعية رومانسية ممزوجة بقدر من الغموض والتشويق، مضافًا إليها بعض المعلومات التاريخية.
الرواية تقع في ١٨٨ صفحة صادرة عن دار العين عام ٢٠٢٥.
رواية أرشحها للقراءة، لا سيما الباحثين عن قراءات خفيفة بين كتابين دسمين، أو لمن هم مقبلون أو لديهم بالفعل بلوك قراءة.

