شخصيات لها العجب ليس مجرد مجموعة من السير أو المقالات المتفرقة. بل هو عمل مركّب يعيد تشكيل المادة الصحفية والتاريخية في قالب سردي متماسك يجعل القارئ يشعر أنه أمام كتاب واحد مكتمل البناء. لا تجميع نصوص كُتبت عبر سنوات.
يقوم الكتاب في جوهره على فكرة استخدام الشخصية كمدخل لفهم زمنها لا العكس. فالشخصية عند عيسى ليست مركز الحكاية بقدر ما هي نافذة تُفتح على سياق أوسع؛ سياسي واجتماعي وفكري. لذلك تتحول كل سيرة إلى ما يشبه المشهد السينمائي الذي تتحرك فيه الشخصية في المقدمة. بينما يتكشف خلفها المشهد التاريخي بكل تعقيداته وتشابكاته.
ورغم أن النصوص كُتبت في أزمنة مختلفة ونُشرت في سياقات صحفية متباينة. فإن إعادة ترتيبها ضمن فصول مستقلة لكل شخصية منحها وحدة عضوية واضحة. هذا الاختيار التحريري جعل كل فصل يبدو كأنه موضوع مكتمل له بداية ومنتصف ونهاية. من دون أن يشعر القارئ بتقطّع أو تفاوت في النبرة أو الزمن.
يمكن تمييز أكثر من محور داخلي في الكتاب: محور يتعلق بشخصيات سياسية وأدبية معروفة. ومحور آخر يتناول عالم الإخوان المسلمون وتحولاته التاريخية. ومحور ثالث يقترب من الحركة الشيوعية المصرية وتاريخها في القرن الأخير. وفي المقابل. يقدّم الكتاب معالجة لافتة لشخصيات أدبية لدى نجيب محفوظ. حيث تتحول الشخصيات الروائية إلى نماذج بشرية شديدة الواقعية. تكاد تؤدي دورًا توثيقيًا للواقع الاجتماعي.
تحتل نكسة 1967 موقعًا محوريًا في الخلفية التفسيرية للكتاب. إذ تظهر كحدث مفصلي يطغى على وعي جيل كامل. ويعيد تشكيل قراءة عيسى لدوافع العديد من الشخصيات وتحولاتها السياسية والفكرية. وقد يؤدي هذا الحضور الكثيف أحيانًا إلى نوع من التعميم التفسيري. لكنه يظل مفهومًا في ضوء كون النكسة تجربة تأسيسية في الوعي الجمعي لذلك الجيل.
ورغم وضوح خلفية الكاتب اليسارية. فإن الانحياز في الكتاب لا يتخذ طابعًا دعائيًا مباشرًا. بل يظهر بوصفه ميلًا تفسيرياً خفيفًا يمكن تلمّسه دون أن يطغى على المادة. كما يحاول عيسى التعامل مع شخصيات إشكالية مثل أنور السادات ومحمد حسنين هيكل ومصطفى أمين بدرجة من التوازن النسبي. وإن ظل الإطار الفكري العام حاضرًا في خلفية القراءة.
وعند المقارنة مع قراءات أخرى مثل جورج طرابيشي. يتضح اختلاف زاوية النظر؛ إذ يميل طرابيشي إلى التفسير النفسي والوجودي والديني العميق للشخصيات. بينما يركز عيسى أكثر على البعد التاريخي والاجتماعي والصدمة السياسية بوصفها محركًا للتغيير. ومع ذلك. لا يمكن اعتبار أحد التفسيرين بديلًا عن الآخر. بل هما طبقتان مختلفتان يمكن أن تتعايشا في قراءة واحدة.
ومن السمات اللافتة في الكتاب أيضًا غياب حضور الكاتب المباشر. فرغم قربه من كثير من الشخصيات ومعرفته الدقيقة بالسياقات. إلا أنه يتجنب تحويل النص إلى مساحة لاستعراض الذات أو الخبرة الشخصية. ويكتفي بحضور غير مباشر يظهر في اختيار التفاصيل ونبرة التحليل. دون أن يطغى على الموضوع الأساسي.
في النهاية. يقدم الكتاب تجربة تجمع بين التاريخ والسرد والتحليل الفكري. ويمنح القارئ معرفة ممتعة غير جافة. تسمح له بالمشاركة في بناء المعنى بدل تلقيه بشكل جاهز. وهو ما يمنحه طابعًا خاصًا يجعله أقرب إلى “قراءة حيّة للتاريخ” أكثر من كونه مرجعًا تقليديًا.

